يدرك الأردن جيّداً أنّه يعيش في منطقة لا تعرف الهدوء طويلاً. كلّما هدأت جبهة اشتعلت أخرى، وكلّما بدا أنّ التوتّر يتراجع، ظهرت تهديدات جديدة بأشكال مختلفة. في خضمّ التصعيد الإقليميّ الحاليّ بين إيران وإسرائيل، تجد عمّان نفسها مرّة أخرى أمام تحدٍّ معقّد: كيف تحمي أمنها وسيادتها فيما تتّسع دوائر الصراع من حولها، من دون أن تتحوّل هي نفسها إلى ساحة لهذا الصراع؟
في السادس من آذار الحاليّ أعلنت فصائل عراقيّة مسلّحة تعمل تحت مظلّة ما يُعرف بـ”المقاومة الإسلاميّة في العراق” أنّها استهدفت أهدافاً حيويّة داخل الأردن باستخدام طائرات مسيّرة، ضمن سلسلة عمليّات قالت إنّها مرتبطة بالمواجهة الإقليميّة الدائرة. على الرغم من أنّ الجيش الأردنيّ تعامل مع هذه المزاعم بحذر، مشيراً إلى احتمال أن تكون جزءاً من حملات دعائيّة أو محاولة لتبرير تحرّكات تلك الفصائل، يسلّط صدور مثل هذه التصريحات الضوء على تحوّل مهمّ في طبيعة البيئة الأمنيّة التي تحيط بالمملكة. يعكس إدراج الأردن في بيانات العمليّات العسكريّة لهذه الجماعات محاولة لإدخاله، ولو على مستوى الخطاب، في معادلة الصراع الإقليميّ.
يفسّر التحوّل الذي حدث في العراق خلال العقدين الماضيَين جانباً مهمّاً من هذه الصورة. بعد سقوط نظام صدّام حسين عام 2003 ظهرت في العراق عشرات الفصائل المسلّحة التي ارتبط جزء كبير منها بإيران سياسيّاً وعسكريّاً. مع مرور الوقت أصبحت هذه الجماعات قوّة مؤثّرة في المشهد العراقيّ، بل أصبحت جزءاً من شبكة إقليميّة أوسع تمتدّ من العراق إلى سوريا ولبنان. لا تنظر هذه الشبكة، التي يُشار إليها أحياناً بمحور “المقاومة”، إلى الصراعات في المنطقة باعتبارها نزاعات محليّة منفصلة، بل باعتبارها جبهة واحدة متعدّدة الساحات.
ساحات ضغط ورسائل
في هذا الإطار قد يصبح أيّ بلد مجاور ساحة محتملة للضغط أو لإرسال الرسائل السياسيّة والعسكريّة. يدرك الأردن هذه المعادلة جيّداً، خصوصاً أنّ حدوده الشرقيّة الممتدّة مع العراق تقع على تماسّ مع مناطق شهدت في السنوات الأخيرة نشاطاً واسعاً لمجموعات مسلّحة مختلفة، إلى جانب شبكات تهريب معقّدة وبقايا تنظيمات متطرّفة. لهذا عملت عمّان خلال السنوات الماضية على تعزيز حضورها العسكريّ والاستخباريّ على هذه الحدود، مع التركيز على مراقبة التحرّكات غير التقليديّة التي قد تنطلق من الأراضي العراقيّة باتّجاه المملكة.
لا يتعلّق التهديد الذي يثير القلق الأكبر اليوم باحتمال تحرّك قوّات كبيرة أو عمليّات تسلّل تقليديّة، بل بوسائل القتال الجديدة التي أصبحت في متناول الفصائل المسلّحة. غيّرت الطائرات المسيّرة المنخفضة التكلفة والصواريخ القصيرة المدى طبيعة الصراعات في المنطقة، إذ لم يعد من الضروريّ امتلاك جيوش نظاميّة ضخمة لإيصال رسالة عسكريّة. أظهرت تجربة الهجمات بالطائرات المسيّرة في عدّة دول خلال السنوات الماضية أنّ هذه الوسائل قادرة على قطع مسافات طويلة واستهداف منشآت حسّاسة بتكاليف محدودة نسبيّاً.
من هنا تبدو مزاعم الفصائل العراقيّة عن استهداف الأردن، سواء كانت دقيقة أم مبالغاً فيها، جزءاً من نمط أوسع من الحروب غير المتكافئة التي تعتمد على الضغط النفسيّ والإعلاميّ بقدر اعتمادها على الضربات العسكريّة الفعليّة. لا يكون الهدف أحياناً إلحاق ضرر كبير بقدر ما يكون إدخال طرف جديد في دائرة التوتّر أو إظهار القدرة على الوصول إلى مناطق بعيدة.
لماذا الأردن؟
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا قد يصبح الأردن هدفاً لمثل هذه الرسائل؟
يرتبط أحد التفسيرات بالعلاقات الاستراتيجيّة التي تربط المملكة بالولايات المتّحدة والدول الغربيّة، وهي علاقات تجعل بعض الفصائل الموالية لإيران تنظر إلى الأردن باعتباره جزءاً من البيئة الأمنيّة القريبة من واشنطن. إلى ذلك يلعب الأردن دوراً مهمّاً في مراقبة الحدود مع سوريا والعراق وفي مكافحة شبكات التهريب والتنظيمات المتطرّفة، وهو ما قد يضعه أحياناً في تقاطع مصالح مع بعض الجماعات المسلّحة.
إلى جانب ذلك خلق اتّساع المواجهة بين إيران وإسرائيل خلال الأيّام الأخيرة لتصبح حرباً واقعيّة وضعاً تتشابك فيه ساحات متعدّدة في المنطقة. مع كلّ جولة تصعيد بين الطرفين تظهر محاولات لفتح مسارات ضغط إضافيّة عبر حلفاء أو فصائل مسلّحة في دول مختلفة. في مثل هذه الظروف قد تتحوّل بعض الدول المجاورة إلى ساحات رمزيّة للرسائل المتبادلة حتّى لو لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع.
تقوم السياسة الأردنيّة في مواجهة هذه البيئة المعقّدة على مبدأ واضح يتمثّل في حماية السيادة من دون الانجرار إلى صراعات الآخرين. انعكس هذا النهج في ردّ المؤسّسة العسكريّة على تصريحات الفصائل العراقيّة، إذ اختارت التعامل معها بهدوء وتحفّظ، مع التأكيد في الوقت نفسه لقدرة الجيش على حماية المجال الجوّيّ وأراضي المملكة. لكنّ هذا الهدوء لا يعني غياب الاستعداد، فالأردن عمل خلال السنوات الأخيرة على تطوير منظومات الرصد والدفاع الجوّي، وعزّز التعاون الأمنيّ والاستخباريّ مع شركائه الإقليميّين والدوليّين.
خبرة الجيش
هنا تبرز الخبرة التي اكتسبها الجيش الأردنيّ في مواجهة التهديدات غير التقليديّة خلال العقد الماضي، وهي تشكّل عاملاً مهمّاً في هذا السياق. واجهت المملكة تحدّيات كبيرة على حدودها الشماليّة خلال سنوات الحرب في سوريا، وتعاملت مع محاولات تسلّل وعمليّات تهريب واسعة، إضافة إلى خطر التنظيمات المتطرّفة. دفعت هذه التجربة المؤسّسة العسكريّة إلى تطوير قدرات متقدّمة في المراقبة الجوّية والتعامل مع الأهداف الصغيرة والسريعة مثل الطائرات المسيّرة.
مع ذلك يبقى السؤال الأهمّ متعلّقاً بإمكانيّة تحوّل التوتّر الحاليّ إلى مواجهة عسكريّة مباشرة. حتّى الآن لا يبدو أنّ أيّ طرف يسعى إلى هذا السيناريو. تدرك الفصائل العراقيّة أنّ استهداف الأردن بشكل فعليّ قد يجرّ ردود فعل إقليميّة ودوليّة واسعة، وليست الحكومة العراقيّة نفسها في موقع يسمح لها بفتح جبهة توتّر جديدة مع دولة مجاورة ترتبط معها بعلاقات سياسيّة واقتصاديّة مهمّة. في المقابل لا يسعى الأردن إلى التصعيد، بل يركّز على سياسة الردع والحماية دون الانخراط في صراع مفتوح.
لكنّ المشكلة في المنطقة أنّ كثيراً من الأزمات تبدأ بحوادث صغيرة تتطوّر تدريجاً إلى توتّرات أكبر. طائرة مسيّرة تسقط في منطقة حسّاسة أو هجوم محدود غير محسوب قد يخلق أزمة سياسيّة وأمنيّة تتجاوز في آثارها حجم الحادث نفسه. لهذا تحرص عمّان على الجمع بين اليقظة الأمنيّة والعمل الدبلوماسيّ، في محاولة للحفاظ على الاستقرار وسط بيئة إقليميّة شديدة الاضطراب.
معادلة دقيقة
في نهاية المطاف يجد الأردن نفسه أمام معادلة دقيقة، فهو يسعى إلى حماية حدوده وأمنه الوطنيّ في مواجهة تهديدات متغيّرة، وفي الوقت نفسه يحاول تجنّب الانزلاق إلى صراعات لا تخدم مصالحه. حتّى الآن نجحت المملكة في الحفاظ على هذا التوازن الصعب، لكنّ استمرار التوتّرات في العراق واتّساع المواجهة بين إيران وإسرائيل يعنيان أنّ التحدّيات التي تواجهها عمّان قد تبقى حاضرة لفترة طويلة.
في منطقة تتحرّك فيها الأزمات بسرعة، يصبح الحفاظ على الاستقرار بحدّ ذاته إنجازاً سياسيّاً وأمنيّاً يحتاج إلى قدر كبير من الحذر والقدرة على قراءة التحوّلات قبل وقوعها.
اساس ميديا
