ملخص
الدولة اللبنانية هي إما عاجزة أو فاشلة، لقد أضاعت ثلاث فرص للإمساك ببلدها ومصيره، في الأعوام 2000 و2006 و2025.
تأخرت السلطات اللبنانية أكثر من ربع قرن في اتخاذ قرارها بحصر السلاح في يد الدولة وإنهاء وجود الميليشيات القائمة، وعندما تشجعت واتخذت قراراً بذلك كان الوقت متأخراً وقد فات الأوان. كان على تلك السلطات إنجاز الأمر فور تنفيذ إسرائيل قرارها بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة في مايو (أيار) عام 2000، لكنها لم تفعل ذلك بسبب خضوعها لسلطة الاحتلال السوري المتحالفة مع إيران، وانتهى الأمر بتسليم المناطق التي أخلتها إسرائيل حينها إلى ميليشيات “حزب الله” الذي سيتحول في الأعوام المقبلة إلى دويلة تحكم الدولة.
لم يسمح للجيش اللبناني بالانتشار في الجنوب بعد الانسحاب الإسرائيلي، وعلى امتداد البلاد، نشطت الميليشيات الإيرانية والسورية كجهاز أمن موازٍ لأجهزة الدولة، هيمنت على مفاصلها وإدارة شؤونها، وحكمت على معارضيها بالموت بدءاً من الرئيس رفيق الحريري والعشرات غيره من الرموز الوطنية.
لم يتمكن الجيش اللبناني من دخول الجنوب سوى بعد حرب يوليو (تموز) 2006، التي افتعلها “حزب الله” في سياق التمهيد لمفاوضات أميركية – إيرانية ستؤدي لاحقاً إلى صفقة الاتفاق النووي.
قضى قرار مجلس الأمن الدولي 1701 الذي أوقف تلك الحرب بنزع سلاح الميليشيات وتحمل الدولة اللبنانية مسؤولياتها الحصرية عن قرارات الحرب والسلام وحفظ السيادة والاستقلال. ومرة ثانية، تلكأت السلطات اللبنانية في الإمساك بمقاليد الأمور، لم تذهب إلى تنفيذ القرار الدولي على رغم حضور قوات الأمم المتحدة بهدف مساندتها، ووجدت تلك السلطات نفسها محاصرة أكثر من ذي قبل بسطوة ميليشيات تقودها إيران، التي باتت بعد الانسحاب السوري السيدة المطلقة في العاصمة اللبنانية قبل أن تلحقها عواصم أخرى في بغداد ودمشق وصنعاء.
أضاع السياسيون اللبنانيون، طوعاً أو غصباً، فرصتين في الأقل بعد تحرير الجنوب لوضع حد لتسلط الميليشيات على الدولة، ومضوا بعد احتلال “حزب الله” لبيروت في مايو 2008 في تقديم مزيد من التنازلات. وافقوا على تقاسم للسلطة يتيح للميليشيات حق النقض (الثلث المعطل) وثبتوا مصطلح “الجيش والشعب والمقاومة” في البيانات الحكومية المتلاحقة. باتت تلك “الإنجازات” الإيرانية في لبنان نموذجاً تحتذيه الأذرع الإيرانية في كل المنطقة، في العراق سيكرس “الحشد الشعبي” قوة مسلحة شرعية موازية، وسيسود منطق الثلث المعطل في تشكيل الحكومات، وفي اليمن ستفشل كل محاولات التسوية التي لا تضمن وتحفظ سلاح الحوثي (مفاوضات الكويت وغيرها)، وسينجم عن كل ذلك تطوير لنظرية التوسع الإيراني تمثل من جهة بإعلان طهران أنها تتعامل مع “حكومات مقاومة”، وببدء الحديث عن محور “المقاومة والممانعة” و”وحدة” ساحاته بقيادة الولي الفقيه من جهة ثانية.
راكمت إيران الخامنئية طوال الأعوام التي أعقبت اتفاقها مع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما (2015) مزيداً من عناصر القوة في الإقليم، إلا أن انسحاب الرئيس دونالد ترمب من الاتفاق وتنظيمه هجوماً ضاغطاً على إيران بلغ ذروته في اغتيال قائد المحور الإيراني في المنطقة العربية قاسم سليماني، دفع القيادة الإيرانية إلى وضع أذرعها في مناخ خوض معركة شاملة لإخراج الأميركيين من “غرب آسيا” وإزالة إسرائيل من الوجود.
في الحقيقة إن رفع إيران سقف طموحاتها في مواجهة أميركا وإسرائيل كان استشعاراً منها بوطأة الحصار الذي يهدد نظامها بالسقوط، وأن الدفاع عن هذا النظام لا يبدأ من نقطة الحدود الإيرانية، بل من المتاريس المنتشرة من ساحل البحر المتوسط إلى ساحل البحر الأحمر مروراً بدمشق وصولاً إلى بغداد.
لذلك نأت طهران بنفسها عملياً عن معركة غزة عندما أطلقت حركة “حماس” غزوة “طوفان الأقصى”، في أول اختبار لـ”وحدة الساحات”، وكلفت “حزب الله” الاكتفاء بشن عملية “إسناد ومشاغلة” للجيش الإسرائيلي، وليس فتح معركة متزامنة تجتاح خلالها قوات “حزب الله” الجليل، كما كان هدد يوماً زعيم الحزب حسن نصرالله.
احتفظت إيران بـ”درة التاج” كما سمى يوماً المرشد علي خامنئي “حزب الله”، ليخوض معركة الدفاع عن نظامها، باعتباره الأكثر تجربة بين الأذرع الأخرى، ولأنه يحتل موقعاً حساساً على الجبهة الإسرائيلية، لذلك شجعت إيران “حزب الله” على الانكفاء مرحلياً والقبول باتفاق وقف الأعمال العدائية في خريف 2024، إثر الحرب الإسرائيلية التي قضت على قادته وعطلت الآلاف من عناصره، وطوال عام ونيف صمت الحزب على الهجمات الإسرائيلية اليومية التي أطاحت نحو 500 من قادته ومقاتليه.
قادت إيران الحزب بعناية بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ووجهته إلى رفض محاولات السلطة اللبنانية نزع عوامل الانفجار من الحالة اللبنانية وإبعادها عن التوتر الإقليمي، وقد تم ذلك استعداداً لتلك اللحظة المرتقبة: الانتظام في الدفاع عن نظام طهران، وحصل ذلك فعلاً لدى بدء الهجوم الأميركي – الإسرائيلي واغتيال خامنئي، إذ انضم “حزب الله” إلى القتال فوراً إلى جانب إيران التي تخوض ربما حربها الأخيرة، وذراعها اللبنانية، على الأرجح، سيشاركها المصير نفسه.
كانت إسرائيل تستعد للحرب منذ ما قبل “طوفان الأقصى”، فهي كانت تتابع بدقة سلوك إيران وأنصارها منذ أعوام.
كتبت صحيفة “يديعوت” الإسرائيلية قبل معركة غزة، في أغسطس (آب) 2023، أن “تهديد الحرب” إلى ازدياد، ورأت أن “السبب الأساس هو تغيير لدى إيران يجد تعبيره في ثلاثة أمور: أولاً، إيران ’تشعر بخير‘ أكثر: روسيا تحتاج إليها، والصين تغازلها، والسعودية عقدت معها اتفاق بكين، والولايات المتحدة تخشاها. ثانياً، تنجح إيران في أن تزود فروعها بسلاح دقيق، حتى قبل نحو عقد كان السلاح الدقيق تفوقاً إسرائيلياً حيال صواريخ ومقذوفات صاروخية “غبية” لدى العدو، أما اليوم فتدفع إيران قدماً بنجاح إنتاج الصواريخ والمسيرات الهجومية أو تحويلها إلى دقيقة.
ثالثاً، تؤمن إيران بأنها إذا ما نجحت في “توحيد” الساحات وتفعيل “حزب الله” من لبنان، وميليشيات من سوريا والعراق وحتى من اليمن، وإثارة الفلسطينيين في “المناطق”، بل كثير من مواطني إسرائيل العرب، كلهم بصورة منسقة، فإن “إسرائيل ستمحى وتزول”.
وردت هذه الرؤية قبل “طوفان حماس” الذي جعل الرد الإسرائيلي مدمراً على كل الجبهات، في غزة نفسها وفي لبنان وعلى الجبهة الإيرانية التي ستنفجر في وقت قرر الرئيس دونالد ترمب خوض ما يمكن وصفه بالمعركة النهائية ضد إيران التي يصفها برأس “محور الإرهاب والشر” في العالم.
انضم “حزب الله” إلى المعركة مباشرة انتقاماً لخامنئي ودفاعاً عن نظامه وليس ذوداً عن لبنان كما يدعي. وفجع جمهور اللبنانيين بتنظيم لم يدافع عن نفسه طوال عام ونصف العام، ومنع كل محاولات الدولة استيعابه بل و”حمايته”، فإذا به يمتثل لقرار الحرس الثوري الإيراني دافعاً بلاده إلى أتون الحرب ومتسبباً بتهجير مليون مواطن وتدمير أملاكهم وأرزاقهم.
قال لبنانيون كثر إن انتظام الحزب في الحرب يخدم إسرائيل، وفي إسرائيل قيل الأمر عينه. صحيفة “هآرتس” كتبت أن “هجوم ’حزب الله‘ كان في صالح إسرائيل، التي كانت تنتظر الفرصة المناسبة لاستكمال مهمتها وتنفيذ الخطط التي أعدها الجيش الإسرائيلي مسبقاً لشن جولة قتال واسعة النطاق ضد الحزب”. وقالت الصحيفة إنه “يصعب التنبؤ أي ’حزب الله‘ يمكن رؤيته بعد انتهاء الحرب، لكن يمكن التكهن بأن هذا القرار قد يكون بمثابة ’بكاء لأجيال‘ للحزب وأنصاره”. وفي الخلاصة كان على اللبنانيين والآخرين أن يستخلصوا النتائج السياسية، فالحزب هو فعلياً ركن في منظومة الحماية الإيرانية، والدولة اللبنانية هي إما عاجزة أو فاشلة. لقد أضاعت ثلاث فرص للإمساك ببلدها ومصيره، في الأعوام 2000 و2006 و2025، وعندما قررت منع العمل العسكري والأمني لـ”حزب الله” في فبراير (شباط) 2026 ذهب ذلك الحزب إلى شن حربه الجديدة إلى جانب إيران، غير معترف بالدولة ولا بقوانينها وحكومتها.
اندبندنت عربية
