
..
قبل خمسةٍ وعشرين عاماً، تبنّى مجلس الأمن الدولي القرار 1325، في خطوة اعتُبرت لحظة تحوّل في التفكير العالمي حول الحرب والسلام. للمرة الأولى، لم تُطرح النساء بوصفهن ضحايا للنزاعات فقط، بل بوصفهن شركاء أساسيين في صنع السلام وبناء الأمن. كان ذلك إعلاناً بأن الأمن لم يعد يُختزل في الجيوش والسلاح، بل بات مرتبطاً أيضاً بالعدالة والمساواة وقدرة المجتمعات على الصمود.
لقد بدأ العالم يدرك أن مفهوم الأمن تغيّر. فبعد عقودٍ طويلة سيطر فيها منطق الأمن المرتكز على الدولة، أي القوّة العسكرية وحماية الحدود، برز مفهوم الأمن الإنساني الذي يضع الإنسان في قلب المعادلة، وقدرته على العيش في مجتمع عادل ومتوازن. وفي هذا الإطار، تبيّن أن السلام الحقيقي ليس مجرد غياب للحرب، بل حضورٌ فعلي للعدالة والمساواة، وهو أمر يمكن تحقيقه بصورة أعمق مع مشاركة فاعلة للنساء في صنع القرار.
من “فكرة” إلى إطار دولي
لم يولد هذا التحوّل فجأة. ففي أواخر القرن التاسع عشر برزت الكاتبة والناشطة النمساوية “بيرتا فون زوتنر” كإحدى أبرز الأصوات العالمية الداعية إلى السلام. وقد لعبت دوراً مؤثراً في الحركة الدولية المناهضة للحروب، كما جمعتها مراسلات طويلة بالعالم والصناعي السويدي “ألفريد نوبل”. ويرى كثير من المؤرخين أن أفكارها ونشاطها أسهما في إقناع نوبل بإدراج جائزة للسلام ضمن وصيته عام 1895، بعدما أثارت روايتها الشهيرة “ضعوا السلاح” الصادرة عام 1889 نقاشاً واسعاً حول كلفة الحروب الإنسانية. ومع مطلع الألفية الجديدة، ترسّخ هذا المسار في القانون الدولي من خلال القرار 1325، الذي أسّس لأجندة المرأة والسلام والأمن عبر أربعة محاور أساسية هي المشاركة، الحماية، الوقاية، والإغاثة وإعادة الإعمار.
عندما غيّرت النساء مسار الحروب
تُظهر تجارب عدّة حول العالم كيف يمكن لدور النساء أن يبدّل مسار النزاعات. في ليبيريا، على سبيل المثال، نجحت حركة نسائية قادتها الناشطة “ليما غبوي” في توحيد النساء المسيحيات والمسلمات في حركة احتجاج سلمية واسعة خلال الحرب الأهلية التي استمرت أربعة عشر عاماً. عبر الضغط الشعبي والعصيان المدني، تمكنت هذه الحركة من دفع الأطراف المتحاربة إلى طاولة المفاوضات. أما في كولومبيا، فقد شكّل اتفاق السلام الموقّع عام 2016 بين الحكومة وحركة “فارك” أحد أبرز النماذج العالمية لإدماج المنظور الجندري في عمليات السلام. فقد أُنشئت خلال المفاوضات لجنة فرعية خاصة بالنوع الاجتماعي لضمان إدماج قضايا النساء في بنود الاتفاق، كما شاركت النساء في وفود التفاوض من الطرفين بنسب ملحوظة. وفي إيرلندا الشمالية، لعب ائتلاف النساء لإيرلندا الشمالية دوراً حاسماً في مفاوضات اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، إذ شكّل جسراً بين الأطراف المتنازعة وساهم في إدخال بنود تتعلق بحقوق الضحايا والتعليم المشترك.
لماذا يصمد السلام عندما تشارك النساء؟
تؤكد دراسة “ماري أورايلي” الصادرة عام 2015 بعنوان “لماذا النساء؟ الأمن الشامل والمجتمعات السلمية”، أن إشراك النساء في مفاوضات السلام يعزز فرص استدامتها. وتشير الدراسة الى أن مشاركة المرأة تزيد من احتمالية بقاء اتفاق السلام صامدًا لمدّة 15 عامًا على الأقل بنسبة 35%. ويرتبط ذلك بطبيعة المقاربة التي تعتمدها النساء عادة في معالجة النزاعات. ففي حين تركز المفاوضات التقليدية غالباً على إيجاد تسويات بين القوى المسلحة، تميل النساء إلى توسيع جدول الأعمال ليشمل قضايا العدالة الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم وحقوق الأرض، أي معالجة الجذور العميقة للنزاع.
على الرغم من هذه المعطيات، تعتبر الكثير من الحركات النسوية حول العالم أن مشاركة النساء مهمّشة في مفاوضات السلام الرسمية. فبحسب عدّة إحصاءات دولية، لا يزال أكثر من 90% من المشاركين في المفاوضات الرسمية رجالاً.
من المساعدة إلى القيادة
بعد ربع قرن على القرار 1325، أصبح واضحاً أن التحدي الحقيقي لم يعد في الاعتراف بدور النساء، بل في تحويل هذا الاعتراف إلى توزيع فعلي للسلطة. فالعالم لا يحتاج إلى النظر إلى النساء بوصفهن متلقيات للمساعدات، بل بوصفهن صانعات سلام وقائدات رؤية. ومع ازدياد تعقيد النزاعات في القرن الحادي والعشرين، يصبح إشراك النساء في صنع القرار ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل شرطاً مهماً لبناء استقرار دائم.
ومع ذلك، يبقى من المهم التذكير بأن صناعة السلام ليست مرتبطة بجنس دون آخر. فالتاريخ يزخر برجال ونساء استطاعوا، كلٌّ من موقعه، أن يغيّروا مسار الحروب ويفتحوا أبواب المصالحات. وما نطرحه لا يعني حصر السلام بالنساء، بل الإضاءة على مفهوم أصبح راسخاً في الأدبيات الدولية منذ صدور القرار 1325، والذي يؤكد أن إشراك النساء في عمليات السلام يعزّز فرص استدامتها. وفي يوم المرأة العالمي، كما في سائر أيام السنة، يبقى النقاش حول هذه الفكرة ضرورياً لأنه يوسّع فهمنا للسلام بوصفه مسؤولية إنسانية مشتركة تتطلّب مشاركة جميع أفراد المجتمع