أنطوني نعيم… المصدر النهار
شهد حضور المرأة العربية في الجيوش تحوّلًا نوعيًّا خلال العقود الأخيرة، بعد أن كان دورها يقتصر غالبًا على المجالات الطبية أو الإدارية. اليوم، أصبحت المرأة عنصرًا فاعلًا في مختلف التخصصات العسكرية، من سلاح الجو إلى القوات البحرية، ومن العمل الاستخباراتي إلى المهام القتالية المباشرة في بعض الدول. يعكس هذا التطور تغيرًا في النظرة المجتمعية إلى دورها، إلى جانب إصلاحات مؤسسية هدفت إلى تمكينها وإتاحة الفرص المتكافئة أمامها.
في عدد من الدول العربية، بدأت مشاركة المرأة العسكرية مبكرًا نسبيًّا، كما في مصر والأردن، حيث انخرطت النساء في الخدمات الطبية، ثم توسّع حضورهن ليشمل مجالات التدريب والشرطة العسكرية. أما في دول أخرى مثل الإمارات العربية المتحدة، فقد شهد العقد الأخير خطوات متسارعة لفتح مسارات جديدة أمام النساء، بما في ذلك الالتحاق بالكليات العسكرية والمشاركة في مهام حفظ السلام.
لا يقتصر دور المرأة العربية في الجيوش على البعد الرمزي، بل يمتد إلى مساهمات عملية تعزز كفاءة المؤسسة العسكرية. فالكوادر النسائية أثبتت جدارتها في مجالات الاتصالات، والأمن السيبراني، والتحليل الاستخباراتي، وهي تخصصات تتطلب مهارات دقيقة وانضباطًا عاليًا. كما أن وجود المرأة في مهام التفتيش أو التعامل مع النساء في مناطق النزاع يمنح القوات المسلحة مرونة أكبر ويعزز احترام المعايير الإنسانية.
ورغم هذا التقدم، ما تزال التحديات قائمة. فبعض المجتمعات، لأسباب ثقافية ومعتقدات دينية، تمنع عمل المرأة في بيئات عسكرية تُعدّ تقليديًّا مجالًا ذكوريًّا. إضافة إلى ذلك، تواجه بعض المنتسبات تحديات مرتبطة بالتوفيق بين الحياة المهنية والعائلية، أو بضرورة إثبات الكفاءة في بيئة تنافسية صارمة. فالمهام العسكرية قد تتطلب جاهزية بدنية عالية، وساعات عمل طويلة، وانتقالًا مستمرًا بين المواقع؛ وبالنسبة إلى المرأة، فقد تتقاطع هذه المتطلبات مع مسؤوليات أسرية، ما يخلق معادلة دقيقة بين الحياة المهنية والحياة الخاصة.
تجدر الإشارة إلى أن انخراط المرأة في الجيوش العربية لا يُقاس فقط بعدد المنتسبات، بل بمدى اندماجهن الحقيقي في منظومة صنع القرار والقيادة. فقد بدأت بعض الجيوش بتعيين نساء في رتب قيادية، وهو تطور يعكس ثقة متزايدة بقدراتهن ويؤسس لنماذج يُحتذى بها للأجيال القادمة.
أما إذا أردنا مقارنة عدد النساء في المجال العسكري، فسنلاحظ أن أكثر من 11% من الجيش الأردني يتضمن عناصر نسائية، وفي مصر تصل النسبة إلى 6 %، كما تشهد جيوش المغرب العربي المعدل نفسه. أما في لبنان فقد ارتفعت نسبة مساهمة المرأة في المؤسسة العسكرية إلى 5 %، واستطاعت الدخول إلى الوحدات الخاصة كفوج المغاوير، بالإضافة إلى قيادة الطائرات الحربية في القوات الجوية.
ختامًا، تمثل المرأة العربية في الجيش نموذجًا للتحول الاجتماعي والمؤسسي في آن واحد. فهي تجمع بين الانتماء الوطني والكفاءة المهنية، وتسهم في تحديث بنية القوات المسلحة بما يتماشى مع متطلبات العصر. ومع استمرار الإصلاحات وتعزيز ثقافة المساواة، يُتوقع أن يتعزز حضورها كمكوّن أساسي في منظومة الأمن والدفاع في العالم العربي.