ساطع نورالدين.. كاتب لبناني
أصعب ما في الحرب أنها لم تقترب من نهايتها. لم تبلغ حتى مرحلة الذروة. ما زال هناك وقت طويل قبل ان يبدأ البحث الجدي في سبل الخروج من تلك الدائرة المفرغة من تبادل الضربات بالصواريخ والمسيرات، الذي يستهدف، بما لا يدع مجالا للشك، تنفيذ سيناريو يوم القيامة، المتمثل بانفجار ازمة طاقة عالمية لم يسبق لها مثيل منذ اكتشاف النفط والغاز، تؤدي الى شلل الاقتصاد العالمي يفوق الشلل الذي تسببت به حربان عالميتان في النصف الأول من القرن الماضي، ويؤدي الى غرق دول العالم الثالث في الجوع..
انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً لإيران خلفاً لوالده علي خامنئي، لا يناقض هذا السيناريو، بل لعله يجدد الالتزام الإيراني به. لم يكن هذا الاختيار مجرد خطوة دفاعية غريزية أملتها الحاجة الى حماية النظام القائم على حلف مقدس بين رجال الدين وحراس الثورة، والذي يواجه أسوأ تهديد في تاريخه. ثمة ما يوحي بان ما جرى في طهران لم يكن عملية انتقال للسلطة، من جيل الى جيل، بل هو أشبه بعملية تمديد للوجوه والاسماء والرموز، التي تولت الحكم والإدارة والسياسة الخارجية منذ نحو عقدين من الزمن، وعملت على تعميق ذاك الحلف المقدس بين العمائم والعسكر، الذي أثمر خطة لحفظ النظام، إذا ما سقط مرشده وقادته الكبار، يجري تنفيذها حالياً بدقة متناهية، وهي تقوم على الاتي: لن ينعم الإقليم الذي تطاله الصواريخ والمسيرات، بالامن إذا ما فقدت إيران الاستقرار. ولن يكون بمقدور دول الخليج العربي خاصة ان تصدر نفطها، إذا حرمت إيران من التصدير..حتى ولو أدى ذلك الى أزمة طاقة عالمية، تكون كلفتها باهظة على مختلف دول العالم وشعوبه.
وتستمد هذه الاستراتيجية الايرانية المعلنة والمنشورة في كل مكان، “صدقيتها”، من “الاستكبار” الأميركي الإسرائيلي في التعاطي مع إيران، بدءاً من اغتيال المرشد السابق علي خامنئي، كتمهيد لتغيير النظام، وصولا الى الاخفاقات الأميركية الإسرائيلية التي سجلت في مسار الحرب الراهنة، وأهمها ان النظام الإيراني تماسك بدل او يتفكك، والمعارضة غابت عن السمع، ومضت إيران كلها في خيار يوم القيامة..الذي لا يمكن تعطيله، حتى ولو تمكن الاميركيون والإسرائيليون من قتل المرشد الجديد وفريقه، قبل ان يظهر الى العلن ولو في رسالة متلفزة الى الجمهور الإيراني.
قرار الانتحار الإيراني لم يعد يحتاج الى دليل، مثله مثل القرار الأميركي الإسرائيلي بالمضي قدماً في الحرب حتى النهاية. لا بديل لدى أي منهما سوى طلب وثيقة الاستسلام التام للعدو، مهما كلف الامر، ومهما طال الصراع بين الاصوليتين الأميركية- الإسرائيلية، والإيرانية اللتين تقفان الان على الحد الفاصل بين الحياة والموت، وتطردان سلفاً أي وسطاء محتملين لانهاء تلك الحرب المدمرة.
ولعل الإحساس بدنو يوم القيامة، هو في لبنان وحده، دون سواه من دول العالم قاطبة، مبني على وقائع مرعبة، صادمة: مؤشر الدم خرج عن السيطرة فعلا، وبات رقم الخمسين او الستين ضحية لبنانية تسقط يوميا، بنيران العدو الإسرائيلي، مألوفاً.. باعتباره نتيجة طبيعية لسلوك حزب الله الارعن، وتحديثاً دموياً لحرب الإبادة الإسرائيلية التي انتقلت الى لبنان، وأُقفلت على شعبه المجرد من أسباب البقاء على قيد الحياة.
لم يكن القدر وحده هو الذي شاء أن يكون لبنان وريث قطاع غزة، في الإبادة. ولن يكون يوم القيامة، هو الشاهد الوحيد على أن ما يصدر من طهران وواشنطن وتل أبيب هذه الأيام ليس سوى هذيان أصوليتين تخوضان حرباً ليس لها نهاية.
بيروت في 9 / 3 / 2026