
الروائية التركية الألمانية فاطمة أيديمير (صفحة الكاتبة – فيسبوك)
..أنطوان أبو زيد… ناقد .. اندبندنت عربية
ملخص
تشكّل رواية “جنّ” للكاتبة الألمانية التركية فاطمة أيديمير الرواية الصادرة حديثاً عن دار الجمل، بترجمة الكاتب أحمد فاروق من الألمانية، مناسبة للتعرّف إلى صوت صادح في برّية الغرب، عن مآسي الجاليات المهاجرة إلى ألمانيا، طلباً للرزق والأمان وتحقيق الأحلام.
لئن كانت رواية “جن” لا تنفرد في بسط معاناة المهاجرين هؤلاء، فإنّها تفتح نافذةً أخرى للنفاذ إلى أعماقٍ لم تبلغها، ربما، رواياتٌ أخرى، تعالج المسألة نفسها. ذاك أن الكاتبة أيديمير، تسلّط أضواءها على دواخل الشخصيات، بقدر ما تسلّطها على الخارج، أي على عوامل الاغتراب، والقهر، والتمييز العنصري، والتمييز بين الأبناء، وغيرها مما نراه لاحقاً، في سياق عرضنا لمضامين الرواية.
الشيّق في رواية “جن” أنها تكاد تكون مشغولة بأوتار أربعة، هي كناية عن الشخصيات الأربع الذين يشكّلون عائلة حسين، الخمسيني الذي ترك بلاده برفقة زوجته، في شبابه، وقرر الزوجان الإقامة في ألمانيا، حيث اشتغل الأول أكثر من ثلاثين سنة في معمل بأجر متواضع، بهدف أن يملك منزلاً بأربع غرف ليكون ملتقى لأبنائه المتفرّقين، في ألمانيا، بسبب ظروف أشغالهم. ولكنّ حسيناً يتوفّى، وهو لم يبلغ التاسعة والخمسين من عمره، تاركاً لابنتيه (سيفدا، وبيري)، ولابنيه أوميت وهاقان، ولزوجته أمينة، أن يواروه بآرائهم وحنينهم إليه، وبانتقادهم جانباً من تربية الأم (أمينة)، وبإحيائهم صوراً عن ثراء عالمهم وعن مشكلات اندماجهم بالمجتمع الألماني غير المرحّب يالأجانب، وعن التحديات والضغوط الكثيرة التي وجدوا أنفسهم وسطها، في خلال تحقيق طموحاتهم، كلّ على حدة.
4 أصوات
إذاً، تتشكل الرواية من توالي أصوات أربعة، لكلّ منها سرديّته، ورؤيته للعلاقة التي تربطه بالأب المتوفّى وبسائر أفراد العائلة التركية – ذات الأصول الكردية – وقد صيغت كلّ سردية منها بأسلوب تغلب عليه الصبغة الوجدانية الطالعة من جرح كلّ شخصية، بل من جراحه الكثيرة التي لا يني يستعرضها، في لحظة وداع الأب، حسين، والمضيّ إلى جنازته ودفنه، في موضع إقامته، بألمانيا، بعيداً من كلّ بنتيه، وابنه، وزوجته. وإذ تستهلّ الكاتبة روايتها، بوقفة قصيرة على حال حسين الأب المتوفّى وترسم خطوطاً كبرى لملامحه رجلاً مكدوداً، متعباً، بعد ثلاثين عاماً من الجهود لبناء بيت، يجمع أبناءه فيه، تسلّم الكلام إلى الابن الأصغر أوميت، فيروي، بحسّه النقدي وميله إلى تقدير الجمال، كيف تلقّت أمه وأخته خبر موت أبيه حسين، وردود أفعال النساء الحاضرات لتوّهنّ إلى منزل، وكلامهنّ باللغة الكردية التي لم تكن متداولة بين أفراد العائلة، ليفهم بعد ذلك أنّ والديه من أصل كرديّ، وأنهما تركيان من حيث الهويّة الوطنية، وأن اللغة الألمانية هي السائدة.
وهذا كله لا يحول دون تفضيله أغاني بيغي، مغني الراب الأميركي الشهير (1972- 1996)، وألبوم باترفلاي، وغيرهما. ويروح في دوّامة تهويماته، ومخاوفه حدّ الاضطراب، تحمله على تناول بعض الحبوب من الدواء الذي وصفه له الطبيب شومان. ونخلص من هذه الوقفة، بصوت الراوي العليم – لا بصوت أوميت – إلى اعتبار أوميت “مثَلياً لأنّ أباه لم يُظهر قرباً جسدياً منه، كان مثلياً، لأن أمه كانت تقرر كل شيء، كان مثَلياً لأنه قضى في طفولته معظم الوقت مع أخته” (ص72)، على حدّ وصف الدكتور شومان.
الراوي العليم
هي البنت الكبرى، المسماة سيفدا، يبسط الراوي العليم سرديّتها الخاصة، بالتوازي مع تدفق مشاعر الحزن والفجيعة بفقد أبيها حسين؛ ولئن سارعت إلى ملاقاة أمها لمواساتها بموت زوجها حسين، إلى المنزل العائلي الذي أنفق الفقيد جلّ حياته لتسديد ثمنه، فإنها عمدت إلى مفاتحة والدتها عن سنوات طفولتها التي لم تكن هانئة، بسبب قلّة الحنان والحبّ من جانبها لابنتها، وبسبب منعها إياها من التعلّم، أسوة بإخوتها الثلاثة الآخرين. وقد تبيّن لها، في هذه المكاشفة، أن الأم كانت تخشى، في قرارة نفسها، من منافسة ابنتها لها، لجمالها، وكياستها.
وقد زاد الطين بلّة تدخّل جدّتها لتزويجها من أحدهم يدعى حسّان، الذي لم يكتف بمنعها من التعلّم، كما وعدها، بل انصرف إلى ألعاب الميسر، والمقامرات، مع رفاق السوء تاركاً إياها لمصيرها، مع ولديها بهار، وجم. ولكنها استطاعت، بقوة إرادتها، وطيبتها، أن تتجاوز ضيقاتها، بالعمل الدؤوب، وتثمير مواهبها في الحساب، والطبخ، حتّى صارت مديرة لأحد المطاعم، في ألمانيا، وأمكنها أن تتطلّق من حسان، وتستعيد كرامتها المهدورة. وفي سياق هذه المصارحة، تعترف الأم لابنتها بتقصيرها في النواحي التي ذكرت، وتطلب منها الصفح على أعوام، لم تكن فيها مدركة أبعاد ما تفعله، وتقول لابنتها سيفدا: “ابقي هنا يا ابنتي. هذا هو بيتكِ أيضاً…” (ص365)
وبالمقابل، تتبدى الأخت الوسطى أكثر حرية، وتعلما، وفردية، من إخوتها جميعاً؛ فهي، وإن أصرّت على حضور دفن والدها حسين، فإنها – وفقاً للراوي العليم – تبرزُ صفاتها التي تميّزها من أخوتها الثلاثة؛ فهي المثقفة، والمقيمة في البيت الطالبي بمدينة فرانكفورت، متحررة جنسياً، والهازئة بكل التقاليد والأعراف المتصلة بالمرأة، جرّبت حشيش الكيف، وأحبت إرمين على طريقة الهيبيين، ولم تلبث أن تركته، حين اضطرها إلى إجهاض الجنين إثر علاقتهما المضطربة. ثم إنها، لرجاحة عقلها، ونظرتها النقدية الشديدة القسوة للمنطق الذكوري الذي يحكم سلوك الرجال، ومنهم عشاقها، ترسم حدوداً لعلاقتها مع أرمين، بعيداً من تملّك أحدهما للآخر:
“إنها الأبوية التي تنطق من داخلك يا بيبي. وهذه بالضبط هي المشكلة. أنا لا أؤمن بها. ليس علينا أن نكون كالآخرين. يمكننا أن نحبّ بعضنا، من دون أن نرغب في امتلاك بعضنا” (ص193)
الهوية والعنصرية والبناء
ثمّ إنها، لا توفّر فرصة لانتقاد والدتها، على ضوء محاضرات سيمون دو بوفوار في النسوية، ولزوم أخذ المرأة زمام أمورها بنفسها. وإذا ما التقت بشاب، يدعى سيفان- من دون أن تعلم أنه أخوها الذي تخلّت عنه أمه أمينة لعائشة زوجة عديلها أحمد الذي لم يكن له ولد – بادرت هي إلى مصارحته عن حقيقة مشاعره حيالها، إلا أنها فوجئت بما كان يعرفه عنها، كونها كردية الأصل، ولا تعرف اللغة الكردية.
وقد لا يكون مستغرباً، من الكاتبة فاطمة أيديمير، أن تكون لها رؤية، ربما تكون نسوية، في إيثار العنصر النسائي، على رغم نزعة توكيل أمورهنّ إلى الرجل، وفقاً للنظرة التقليدية لدى الجيل القديم؛ وهذا ما يتجلّى في تصويرها أخويها (أوميت، وهاقان) على التوالي، الأوّل مثلياً، كثير الاضطراب، والثاني مراهقاً مأخوذاً بمظاهر الشباب الغربي السطحي، القانع بهاتفه الباناسونيك، والشغوف بسيارات السباق، ويملك منها سيارته الألفا روميو، وببيع القديمة منها. ولهذا كان هاقان خيبة لأبيه الذي ضحّى بالكثير من أجله، ولكن عبثاً.
لو شئنا أن نوجز لغة فاطمة أيديمير الروائية، في عملها الأخير، لقلنا إن خير ما في هذه اللغة السردية كونها تقال من الداخل، أي من صميم ذلك الوعي الذي كأنه صادر لتوّه من ذاتٍ عانت، وتعاني آلام الغربة، وعاشت تجربة الهجرة إلى بلاد الغرب، حيث اللغة والهوية تشكّلان عاملين للافتراق والصراع مع مكوّنات المجتمع الأوروبي (ألمانيا). والواقع أن فصول الرواية الستة، على عدم التناسب بين أحجامها، ينطوي كل منها على مقطع أو أكثر يرد فيه كلام على العنصرية التي تُمارسها الغالبية، أو الفئات القومية المتعصبة، في ظل صعود النازية، واقتراف جماعاتها أعمالاً عدائية ضد المهاجرين من العرب والأتراك، نظير ما قامت به جماعة بإحراق منزل سيفدا، واضطرار الأخيرة إلى الإقامة لدى والدتها أمينة، وقد تزامن ذلك مع موت ربّ البيت حسين، بعد كفاحه المستميت من أجل لمّ شمل أفراد عائلته الموزّعين في مدن ألمانيا، ونواحيها طلباً للرزق وتحقيق الذات.
ليس هذا فحسب، فالرواية تحمل في تضاعيفها قدراً من الوجدانية، يسهل على القارئ تلقّفها، ولا سيما من خلال أسلوب المخاطبة تتوجّه به الراوية العليمة إلى كلّ من أفراد عائلة حسين، المتوفي، ضاربة فيه على وترٍ أو أكثر، ومنتقدة الأسس الأخلاقية والأعراف التي قامت عليها شخصية الإنسان التركي، أو الأجنبي الشرقي، من دون أن تهمل الإشارة إلى مسؤولية الغرب في احتضان البشر الآتين إليه، واللائذين برحابة ديمقراطيته، والآملين برعاية إنسانية لمن افتقدوها في بلدانهم الأصلية.