الكتابة زمن الحرب قد تغدو ترفًا خاصة حين تكون الأولوية أن تنجو، وحين تكون النجاة بحاجة إلى معجزة أيضًا. فأن تنجو يعني أن الموت القاتل الأعمى لا يصيبك، لا لدراية منك أو حنكة بل لأنه ببساطة قتل آخرين فنجوت، وأن تنجو يعني أن تبحث عن قوت يومك وعن خيمة تأويك. لكل ذلك فإن التفكير بالكتابة وبتسجيل اللحظة قد يصبح لوهلة أمرًا لا ضرورة له، فالحرب تغير وتبدل سلم الأولويات. ويمكن تفهّم ذلك بسهولة. أتذكر بعض الكاتبات والكتّاب حين كنت أتوجه لهم أطلب منهم أن يشاركوا في الكتب الجماعية التي قمت بتحريرها لاحقًا، كانوا ينظرون إلىّ بدهشة مصدومين ولسان حالهم يقول “إحنا في شو وأنت في شو”. أتذكر ذلك الحوار بجوار جدار مستشفى الهلال الأحمر في حي الأمل في خان يونس حيث اجتمعنا مجموعة من الكتاب والفنانين صدفة بعد أن وصلت إلى خان يونس من شمال غزة. في ذلك المساء تأخر الحديث عن الكتابة وعن الفن. تحدثنا في كل شيء، في الحرب التي مضى على اندلاعها أكثر من خمسة أسابيع، وفي الطعام الشحيح، وفي الخيام التي لا تتوفر، وفي صعوبة الرحلة من الشمال للجنوب، كنا بحذر نقترب من همنا المشترك الذي جعل منا أصدقاء؛ أقصد الكتابة والفن. وعلى استحياء اعترفنا بأننا نقوم بكتابة بعض الأشياء غير تلك التي ننشرها على الإنترنت وبعضنا اعترف أنه لا يجد قماشًا يرسم عليه فيرسم على قماش الخيمة. أنا كنت وقتها أقوم بنشر كل ما يجري معي منذ اليوم الأول للحرب يومًا بيوم، حيث كنت أكتب نصًا بالعربية يظهر في “العربي الجديد” ونصًا بالإنكليزية ينزل مرة في “نيويورك تايمز” وثانية في “الواشنطن بوست” الأميركيتين وثالثة في “الغارديان” البريطانية ومن هذه الصحف لصحف العالم الأخرى وباللغات المختلفة. ثم ما لبثنا أن تبادلنا بعض النصوص، وما بدأ بتردد واستحياء تداولناه بشغف وحنين لذكريات الماضي.
وبالتوازي مع كتابة يومياتي (في غزة) التي كنت أواظب على كتابتها يوميًا بلا توقف، فقد عملت على تجميع نصوص من كتاب آخرين. كانت الفكرة مشاركة الآخرين فكرة الكتابة في وقت بدا فيه كل شيء يموت من حولنا، وفيما بعد وخلال نقاش مع الزميل عبد السلام العطاري، مدير عام الآداب في وزارة الثقافة، اتفقنا على أن نعمل على إصدار سلسلة كتب تضم مساهمات الكاتبات والكتّاب المختلفين حول حياتهم في الحرب. ركزت الفكرة على أن يكون الكاتب في غزة وقت كتابة النص وعلى أن يكون النص عن الحياة العادية بعيدًا عن المخيلة والمجاز أو بلاغة السياسة والخطابة. كانت نصوصًا عن الحياة والبقاء. كنت أزور الكتاب في خيامهم وفي أماكن نزوحهم متنقلًا من رفح إلى خان يونس وقبل ذلك وخلال وجودي في شمال غزة كنت ألتقي بهم في بيت الصحافة قبل هدمه واغتيال مديره الزميل الصديق بلال جاد الله، وحتى أحمد الكحلوت التقيته في أزقة جباليا قبل أن يستشهد وقبل أن يعطيني النص الذي وعدني به، فأخذت بعضًا مما نشره على فيسبوك وبعضًا من رسائله الأخيرة لي خلال الحرب قبل أن يستشهد. بعض النصوص أخذتها من أصحابها مكتوبة بخط اليد على ورق كنت أتمنى أنني تمكنت من الاحتفاظ به، لكن التنقل من مكان لآخر ومن منطقة لثانية جعل مساحة الخيارات والمفاضلات تضيق. وبعضها كنت أقرأ النص في مرات مع صاحبه من أجل تحريره حتى لا تنزلق النصوص تحت وطأة الوجع وشدة الواقع إلى مصاطب المباشرة والنقد السياسي والموقف بغضّ النص أين يقف صاحبه. كانت الفكرة أن تكون هذه الكتابة من خلف الخطوط، وهو العنوان الذي حملته سلسلة الكتب الثلاثة التي حررتها مع الزميل العطاري وصدرت عن وزارة الثقافة، حيث جهزت الجزء الأول كاملًا وأنا في غزة فيما حررت معظم النصوص مع عبد السلام عبر مكالمات هاتف مضنية، كنا في مرات نمضي أكثر من ساعة من محاولة الاتصال والانقطاع حتى نتمكن من تحرير نص واحد. تزينت أغلفة الكتب الثلاثة بلوحات رسمها فنانون فلسطينيون داخل غزة خلال الحرب أيضًا.
وكان بعض الكتاب مع تشجعهم قد أعطوني أكثر من نص، ولما كنت قد طلبت من الكثير من الفنانين أيضًا المساهمة بكتابة يومياتهم ومشاهداتهم وانطباعاتهم عن الحياة في زمن الحرب فقد تراكم لدي الكثير من النصوص التي لم يتسع الكتاب الذي حررناه لصالح الوزارة لنشرها، ولما كنت أرغب في تسجيل أكبر قدر ممكن من اليوميات ضمن الفهم العام لتسجيل أدب الإبادة وتوثيق ما يجري بلغة الكتّاب والفنانين بوصفهم شهودًا على الحياة وبوصف الكتابة سجّل الحياة الخالد، فقد عملت على تجميع بقية النصوص والطلب من مجموعة أخرى من المشاركين نصوصًا أخرى من أجل إصدارها في كتابين يحملان اسم “استعادات مقلقة”. في هذين الكتابين شارك مائة كاتب وفنان. كانت الفكرة أن يكون الكاتب وقت كتابة النص موجودًا في غزة ولا يكون النص تذّكرًا أو تأملًا وهو ما بات دارجًا الآن. والأهم أن يكون نصًا أدبيًا خالصًا يصلح للقراءة أيضًا في زمن تصبح فيه الحرب جزءًا من الماضي. لذا كان اختيار عنوان الكتابين الآخرين: “استعادات مقلقة” يرتبط أكثر بالمستقبل حين تصبح النصوص المائة استعادة لزمن مضى أو بحث عن زمن مفقود (بلغة مارسيل بروست)، وحين تم هدم مخيم جباليا طلبت من ناشر الكتابين، الصديق أحمد أبو طوق، صاحب ومدير الدار الأهلية، أن يضع صورة زقاق بيتنا (الذي لم يعد موجودًا) على غلاف الكتابين، وهما صورتان التقطتهما للزقاق في آخر مرة عبرته قبل أن تقلني السيارة إلى الحاجز الفاصل بين الشمال والجنوب في العشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2023.
الكتابة نجاة
كثيرًا ما كنت أواجه بالسؤال الذي يبدو صعبًا: كيف يمكن للكاتب أن يكتب وقت الحرب؟ وكان ردي دائمًا: ببساطة هذا ما يستطيع الكاتب أن يفعله، أن يكتب. هذه وظيفته وهذا دوره في المجتمع. وقت الحرب تحديدًا يقوم كل فرد بواجبه؛ فالصحافي يصوّر الجرائم والطبيب وحتى مع انقطاع التيار الكهربائي يجري عمليات جراحية للمصابين. الكاتب يكتب. هنا تصبح الكتابة مسؤولية وواجب في نفس الآن. إحدى اكثر القضايا التي شغلتني خلال تحرير “استعادات مقلقة” هو الكتّاب الذي استشهدوا ولم يتمكنوا من كتابة نصوص خاصة بالكتاب وبعضهم كنت قد طلبت منه مثل أحمد الكحلوت ونور حجاج أن يساهموا معي، وكانت الإجابة على هذه الحيرة تتمثل بنشر نصوص قصيرة نشروها على فيسبوك والاستعانة ببعض المراسلات الخاصة بيني وبينهم. وكان أصعب قرار بالنسبة لي هو عدم تضمين أي شيء من صديق العمر، الشاعر الكبير سليم النفار، حيث أنه لم يكتب شيئًا خلال الحرب وكنت في لقائي الأخير معه في شارع النصر ونحن نبحث عن مكان نختبئ فيه من الموت قد اقترحت عليه الفكرة فبدا مرهقًا مشوشًا ومضينا كل في طريقه من دون أن يعد بذلك. يرقد سليم تحت الركام منذ أكثر من عامين. خلال عدوان عام 2021 كتب سليم مجموعة مذهلة من النصوص عن الحرب لكنه يبدو قد أدرك أنها النهاية فالموت يكتب الحكاية كلها. الفنانة المصورة فاطمة حسونة استشهدت بعد أن انتهت من كتابة النص الذي شاركت به في الكتاب، وما زالت مراسلاتي معها تشير إلى تلك الأيام العصيبة التي كانت تكتب فيها النص ونحرره سويًا.
في لحظة معينة حين تم هجر المدينة وتركت غزة وشمالها وحيدين بلا صحافة وبلا تغطيات – وهنا أشير للفترة من الأسبوع الثالث إلى السادس، قبل ظهور الصحافيين الشبان الجدد مثل الشهيد أنس الشريف- كان ما ينشره الكتّاب والشعراء على صفحاتهم مصدرًا مهمًا للأخبار وكان بديلًا ميدانيًا للتغطيات البعيدة من دير البلح ورفح. الكتابة أيضًا لم تكن يومًا ترفًا وليست فعلًا فائضًا، ولا مجرد تفصيل آخر… إن الكتابة وقت الحرب جزء من معركة البقاء.