
شاعت قبل أيام أقوالٌ منسوبة إلى هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، مفادها أن الدول التي لم تطوّر قدراتها في مجال الاستخبارات السيبرانية والالكترونية، والاستخبارات الاستباقية والتتبع الجوي… هذه الدول لا ينبغي لها حتى الدخول في مناوشة كلامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وإذا فعلت فعليها التحسّب جيداً للسيناريو الذي يحدث في الحرب الحالية.
الكلام أعلاه ليس بجديد، الجديد فقط هو كونه على قياس الحرب الحالية، ونسبته إلى مسؤول سياسي. وليس بجديد أيضاً أن متناقلي هذه العبارات، بنسبة ساحقة منهم، بعيدون عن القراءة، وإلا كانوا قد عرفوا عن هذه الحرب وسواها شيئاً يتجاوز ما يفقأ العين لجهة الفجوة التكنولوجية بين طرفيها. فالمفكّرون الغربيون، بدءاً من تسعينيات القرن الفائت، اشتغلوا على الحروب المقبلة، وهناك العديد من التصورات التي تأخذ بالحسبان التطور الهائل المتواصل، مع اختلاف الرؤى حول استثماره.
نسترجع على نحو خاص كتابات ألفين توفلر، وتحديداً كتابه “تحوّل السلطة: المعرفة والثروة والعنف على أعتاب القرن 21”. وقد أفرد توفلر حيزاً معتبراً للحديث عن حروب القرن الحالي بوصفها حروباً ذكية، هو بالأحرى كان أقرب إلى التفاؤل الحذر لدى قراءته تأثير المعرفة في الحروب التي يُفترض أننا سنعيشها في هذا القرن.
من ملامح تفاؤل توفلر الوصول إلى الاستنتاج الذي ينصّ على أن الحرب الذكية هي التي لا تقع فعلاً، أو على الأقل يفترض ألا تقع بين الأذكياء. ففي عصر المعلومات يعرف كل طرف من أطراف الحرب قدراته الذاتية وقدرات الخصم، ويستطيع كل طرف منهما على حدة أن يحسب نقاط القوة والضعف، ومن ثم النتيجة المتوقع للحرب. بهذا المعنى تكون المعرفة الاستباقية لنتيجة الحرب مدخلاً لتفاديها، لأن المعرفة ستُترجم بميزان القوى على مائدة التفاوض، ولأن الأطراف التي يُحتمل خوضها الحرب ستفضّل تفادي الخراب للوصول إلى النتيجة المعروفة سلفاً.
ذلك لا يعني طبعاً اعتماد المنطق الحسابي بالمطلق، فعوامل المفاجأة يمكن حسابها بنسبة كبيرة جداً أيضاً، مع الانتباه إلى تضاؤل تأثير عنصر المفاجأة بعد نشوب الحرب فعلاً. وما لم تكن المفاجأة الأولى قاصمة فهي لن تؤثّر في النتيجة المحسوبة، ولا يُتوقّع أن تكون الضربة الآتية من الطرف الأضعف قاصمة على هذا النحو.
حتى على الصعيد الطبي، انتهى خطر فيروس كورونا في اللحظة التي قال فيها العلماء عنه: “صرنا (نعرفه) جيداً”. ولا شكّ في أن معرفة الخصم، مدعومةً بتفوق تكنولوجي هائل، ستؤدي إلى إبادة مكامن قوته بعمليات عسكرية دقيقة، حيث تؤخذ في الحسبان مكامن القوة العسكرية والاقتصادية والمعنوية، بما يتناسب مع مجريات المعركة وردود أفعال الخصم. وضمن المجريات نفسها يتمتع صاحب المعرفة الأفضل بالأسبقية التي تتيح له تقييم أوضاع الخصم، ربما أكثر مما يستطيع هو تقييمها.
بمنطق الحروب الذكية، كان يُفترض ألا تحدث الحرب الحالية، إلا أن المتحاربين الآن غير متواجدين على القاعدة المعرفية ذاتها لتقييم اختلال التوازن بينهم على النحو نفسه. فالمسألة من الطرف الإيراني ليست الاختيار بين تدمير نظاميه النووي والصاروخي سلماً أو حرباً؛ هي تتعلق أولاً بالنظام السياسي الذي لا يستطيع بموجب بنيته الاستسلام لاختلال التوازن، بعد عقود من الخطابات التي تبشّر بالتصدي له.
لقد استُهل هذا القرن بردٍّ على الاختلال الهائل في امتلاك المعرفة، تجلّى في مهاجمة برجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك، فأتى الاختراق الأمني بواسطة التكنولوجيا غير المعدَّة أصلاً لأغراض عسكرية. الأهم أن الذين نفّذوا الاعتداءات يفتقرون بالمطلق إلى أجندة سياسية، وإلى هدف مباشر أو غير مباشر من الهجوم. كان الأمر برمته نموذجاً للعدمية السياسية والقدرة على إيقاع الأذى معاً، وقد استُفزّ الوحش الأميركي، ودفع التنظيم المهاجم ثمناً باهظاً جداً، ما جعل اعتداءه بمثابة انتحار، إلا أنه لم يصبح عبرة وأمثولة يتم تفاديها.
هذه العدمية تكشف عن أن الصدمة التكنولوجية والمعلوماتية لم تُحدث أثراً مجتمعياً وفكرياً واسعاً، يمكن تشبيهه رمزياً بالأثر الذي أحدثته صدمة نابليون بونابرت في مصر. بالطبع مع الأخذ بالحسبان أن القادة الأميركيين والإسرائيليين ليسوا فاتحين على غرار بونابرت، ولا يحملون إلى جانب أسلحتهم علماء وتنويراً. أي أننا إزاء حروب ذكية يقودها أغبياء وحمقى، وذلك (بتبسيط شديد) يشبه الغباء البشري عندما يستخدم برنامجاً من برامج الذكاء الاصطناعي.
في الواقع، رغم كل ما يُقال عن دهاء القادة الغربيين والإسرائيليين، يبدو أن الذكاء في الحروب الأخيرة مقتصر على الأسلحة التي تنجز المهمة بإتقان، في حين أنها تظهر معزولة ومتقدِّمة لا على الخصوم فحسب، بل على مستخدميها أنفسهم. ويمكن مثلاً لأي متابع لتصريحات ترامب، منذ بدأت الحرب، أن يلاحظ الخفة الذهنية التي يتحدث بها، والتي باتت تمثّل حقاً المؤسسة التي اختارته مرشّحاً رئاسياً لها. وتناقض تصريحات ترامب يكاد يحيل إلى نوع “متقدّم” من العدمية السياسية أيضاً، فهو يطالب مرة مع على منصته “تروث سوشيال” باختيار قادة إيرانيين “عظماء”، مع وعدٍ بمساعدته لهم كي تكون “إيران عظمى مجدداً”. وفي مرة أخرى، وبفارق ساعات عن الأولى، يصرّح لشبكة سي إن إن بأنه لا يمانع أن تكون “القيادة القادمة في إيران دينية أو غير ديموقراطية”.
عطفاً على غياب أي مشروع أميركي حقيقي، ولو على شاكلة المحافظين الجدد، يستطيع ترامب في أية لحظة إعلان النصر، ووقف إطلاق النار. ويستطيع أيضاً منح قادة طهران فرصة إعلان النصر كالمعتاد، بالقول إن العدو أخفق في تحقيق هدفه المتمثّل بإسقاط النظام. أي يمكن الوصول إلى نتيجة مُرْضية للطرفين كأنما شيئاً ما لم يحدث، مع أن الحرب الذكية خلّفت دماراً هائلاً يصعب التكهّن بمداه وآثاره اللاحقة.
لم تبدأ الحرب قبل أيام، لقد بدأت مع تفجير أجهزة البيجر في لبنان، ثم مع اغتيال الأمين العام لحزب الله وخليفته بعمليات لها جانبها الاستخباراتي والتكنولوجي معاً، وبما يجعلها حرباً ذكية. السيناريو الإيراني أتى مطابقاً إلى حد كبير لنظيره في لبنان، فلم تكن هناك استفادة من الدرس خلال مدة ليست بالقصيرة بين الحربين. ولا تبرز حتى الآن بوادر الاستفادة الأوسع من درس قاسٍ وبليغ جداً؛ أي تلك التي تتجاوز الأنظمة والتنظيمات التي لا تسمح بيئتها بتعلّم الدرس. وإذا استعرضنا الخراب الكبير بدءاً من غزة وصولاً إلى لبنان فهو يستحق بشدّة التفكير خارج العدمية السياسية، وأن يُفكَّر في البدائل التي تمنح ولو بصيص أمل لأجيال قد لا ترى سوى تلك العدمية خياراً لها. تحتاج المنطقة بإلحاح ألا يقتصر الذكاء على العنف والحروب والأسلحة.