دخلت الحرب يومها العاشر، حرب “من فوق أسطح البيوت” فلا حدود برية أو حتى بحرية بين أطرافها. كانت “بروفا” مصغرة عنها قد جرت في شهر حزيران الماضي وتوقفت بعد اثني عشر يوماً من اندلاعها بقرار من الرئيس الأمريكي الذي أعلن أن الحرب قد حققت أهدافها بتدمير البرنامج النووي الإيراني. لكنه اليوم يعود ليحقق الهدف نفسه للمرة الثانية، بعدما قلب طاولة المفاوضات مع إيران لأنها لم ترضخ لجميع شروطه. وأضاف أهدافاً جديدة للحرب الثانية أبرزها إسقاط النظام الإيراني!
في واشنطن سجال صاخب حول شرعية أو لا شرعية هذه الحرب، فإدارة ترامب لم تتمكن من إقناع الكونغرس بأن إيران تشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، وقال بعض أعضائه ما معناه إن إسرائيل وجدت في ترامب أداة طيعة لتحقيق أهدافها. في حين لجأ ترامب إلى رجال دين من الطائفة الإنجيلية لمباركة حربه الأرماجدونية بحسب خياله المريض، فكان مشهداً يسجل للتاريخ في المكتب البيضاوي وأولئك القساوسة يلمسون الرئيس بأيديهم في حركة مباركة، فبدا المشهد وكأنه من القرون الوسطى.
أراد نتنياهو أن يصيب النظام الإيراني بصدمة صاعقة منذ اليوم الأول حين تمكنت قواته من اغتيال رأس السلطة، المرشد الأعلى علي خامنئي، ومعه رهط من قيادات النظام، فيما يذكرنا باغتيال زعيم حزب الله في لبنان حسن نصر الله وأبرز قيادات الحزب. لكن النظام الإيراني لم يتأثر بالقدر الذي كان يأمله كل من نتنياهو وترامب، على رغم فجيعته الكبيرة، فواصل حربه الدفاعية بالزخم نفسه مستمراً في استهداف إسرائيل ودول عربية وإقليمية تتهمها طهران بإيواء قواعد أمريكية، مع أن ضرباتها لم تقتصر على تلك القواعد، بل ضربت أهدافاً مدنية في كل من السعودية والإمارات وقطر والكويت وسلطنة عمان والبحرين والأردن والعراق، بل وصلت بعض الضربات إلى تركيا وقبرص، وقيل إن استهداف القاعدة البريطانية في قبرص كان من طرف حزب الله في لبنان، بعدما زج الحزب بنفسه وبلبنان في حرب جديدة مع إسرائيل على رغم أنه لم يتعاف بعد مما أصابه قبل عامين. حرب جديدة جلبت الويلات لحاضنته الشيعية وللبنان ككل، وصفها بعض الكتاب اللبنانيين، بحق، بأنها حرب انتحارية.
لا شيء يشير إلى احتمال انتهاء قريب للحرب باستسلام القيادة الإيرانية وفقاً لمعادلة ضمان بقاء النظام بعد خلع أنيابه العسكرية
ربما الشيء الأكثر وضوحاً في هذه الحرب هو أن ترامب وإدارته لا يملكان خطة واضحة للحرب وكيفية الخروج منها. فتارةً يطلب ترامب من منظمات كردية إيرانية المشاركة البرية في الحرب من أجل إسقاط النظام الإيراني، وإذ تواجهه تلك المنظمات بشروط لا بد من توفيرها يتراجع فيقول إنه لا يريد مشاركة كردية لأنها ستزيد الأمور تعقيداً. ثم يطالب ليندسي غراهام، السناتور الجمهوري المقرب منه، دول الخليج بالمشاركة في ضرب إيران مبتزاً إياها برفع الغطاء الأمني عنها، في حين أن تلك الدول تتعرض لضرب يومي من إيران فلا غطاء ولا من يحزنون. وكأن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها في ورطة عسكرية سياسية لا تعرف كيف الخروج منها. سبب ذلك بطبيعة الحال هي أن القيادة الإيرانية تخوض حربها الدفاعية كحرب وجود. من المحتمل أن ترامب كان يتوقع أن تستسلم هذه القيادة في غضون بضعة أيام، وخاصة بعد مقتل المرشد، فلم يحسب حساباً لحرب طويلة مكلفة بكل المعاني. نتنياهو بالمقابل وضع هدفاً واضحاً لحربه هو إسقاط النظام لا أقل من ذلك.
لا شيء يشير إلى احتمال انتهاء قريب للحرب باستسلام القيادة الإيرانية وفقاً لمعادلة ضمان بقاء النظام بعد خلع أنيابه العسكرية وتفكيك أذرعه الميليشيوية في دول الإقليم. سيراهن الإيرانيون على الآثار الجانبية للحرب: شرخ أمريكي – إسرائيلي، انقسام سياسي داخلي في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، تضرر توريدات النفط والغاز وبالتالي ارتفاع أسعارهما وتأثير ذلك على اقتصاديات الدول الغربية. أما المراهنة على نفاد الذخائر الحربية من كلا الطرفين، فيبدو أن عليهما الانتظار لفترة أطول، بل إن الطرف المعتدي يبدو في حالة معاناة أكثر بهذا الخصوص نظراً لحاجتهما إلى نقل الصواريخ والطائرات الحربية من مسافة بعيدة جداً عن أرض المعركة.
قال نتنياهو في أحد تصريحاته، قبيل اندلاع الحرب، إن إسرائيل ماضية للقضاء على المحور الشيعي، وبعد ذلك سيكون عليها أيضاً مواجهة “محور سني قيد التشكل”. واضح أن المقصود به هو محور رباعي لاحت بوادر تشكيله بين السعودية وباكستان وتركيا ومصر. هذا يتعارض تماماً مع مناخات “المعاهدات الإبراهيمية” التي عمل عليها ترامب منذ ولايته الأولى لتحصين إسرائيل بصورة مستدامة. فكلام نتنياهو ينذر بحروب إسرائيلية دائمة مع محيطها العربي والإسلامي، في إصرار على بقائها كياناً ترفضه تربة المنطقة لا يبقى إلا بمواصلة الحرب الأبدية.
آخر “إنجازات” نتنياهو الحربية تمثل في ضرب ثلاثين موقعاً لتخزين النفط، الأمر الذي أثار استياء الإدارة الأمريكية بسبب انعكاس هذه العملية بصورة مباشرة على أسواق النفط والغاز، فقفز سعر البرميل إلى 120 دولارا، في حين زادت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 30%. فإذا أضفنا إلى ذلك تهديد إيران بضرب منشآت النفط والغاز في دول الخليج، وإغلاق مضيق هرمز سلفاً، فهمنا الورطة الكبرى التي يجد ترامب نفسه فيها ولا يعرف طريقاً للخروج.
لا يعني هذا الكلام تضخيماً لإمكانات صمود إيران، بقدر ما يريد الإشارة إلى كلفة الحرب على الطرف المعتدي. ففي آخر التحليل يبقى ميزان القوى مختلاً بصورة هائلة بين الطرفين، ومعاندة النظام الإيراني تكلفه أكثر بكثير من الطرف الآخر بالمقاييس النسبية، إضافة إلى كلفته على دول الإقليم غير المنخرطة في الحرب. وإذا أردنا المقارنة يمكن تشبيه وضع إيران بوضع حزب الله بعد حرب الإسناد: صحيح أن النظام لم يسقط لكنه بات ضعيفاً مهترئاً مرفوضاً من قسم كبير من شعبه ومعزولاً عن المجتمع الدولي.
سوف تنتهي هذه الحرب يوماً ما، لا أحد يمكنه التنبؤ بموعد تقريبي. سنستيقظ بعدها على عالم أكثر أمريكية وشرق أوسط أكثر إسرائيلية. هذا مخيف.
٭ كاتب سوري… القدس العربي