فجوة أعجزت النّظام الإيراني… جيل Z يقترب من الحسم  المصدر: النهار العربي اسطنبول – أحمد دغاغله

 المصدر: النهار العربي
اسطنبول – أحمد دغاغله
من احتجاجات إيران.
لَهث دُب النظام الإيراني في مواجهة آلاف التلاميذ الصغار الخارجين في كلّ يوم من مدارسهم كالنحل الطالع من خليته، صغار يحاربون بكثرتهم عملاق قمع النظام الذي ما كان يقنع منهم بأقل من الانصياع التام.
وتظهر مقاطع مصورة من مختلف المدن الإيرانية تلاميذ يهتفون بـ”الموت لخامنئي”، وبأنّ “خامنئي قاتل وولايته باطلة” و”كلا، كلا للجمهورية الإسلامية”، كما تظهر الفيديوات تلاميذ يضرمون النّار في صورة خامنئي. وعليه، جزم البعض بأنّ المدارس هي أولى المؤسسات الخارجة عن سلطة النظام، ففي الفضاء الافتراضي ما زالت تتداول مقاطع من طرد مسؤولي دوائر التربية والتعليم من المدارس.
واستناداً إلى دراسة أجريت بعد احتجاجات 2019، يقول رحماني أفضلي، وزير الداخلية السابق، إنّه “فضلاً عن الاستياء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، نشهد إضافة مؤثر آخر في تأجيج الاعتراضات الشعبية، وهو حصول الفجوة العميقة بين الأجيال في المجتمع الإيراني”. ويضيف أنّ “الجيل الجديد يحظى بإمكان التواصل اللا محدود مع العالم عبر الإنترنت، فصارت متطلباته في الحياة مختلفة تماماً، إنه بات عارفاً بمقاييس الحياة الحديثة، فما عاد يرضى بما دونها”.
الإحصاءات
ووفق نتائج دراسة أجراها مركز طلاب إيران لاستطلاع الرأي (إيسبا)  عن جذور الثورة الإيرانية القائمة، أنّ الاحتجاجات لا تقتصر على الطبقة الوسطى، كما أنّ للشباب والنساء الدور الأكبر فيها، وأنّ مطالبها لا تتحدد في ضرورة إلغاء الحجاب الإلزامي ودوريات الإرشاد، وأنّ نسبة الاستياء الشعبي تشهد ارتفاعاً خطيراً للغاية.
وتُبَيّن نتائج الدراسة أنّه “ما زالت شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني تعتقد بعدم جدوى الاحتجاجات، وأنّ هذا النظام عصيّ على الإصلاح والتغيير، وهو واقع يزيد من احتمال ازدياد وتيرة العنف في الأيام المقبلة، فلا ينبغي أن نختصر عدد المستائين من النظام بالحاضرين في الاحتجاجات، لا سيما أنّ الاعتقال والعنف والتكلفة الباهظة ما زالت تمثّل رادعاً فاعلاً في نفوس الكثير من الإيرانيين”.
وبحسب  ما انتهت إليه الدراسة، “قد يتعطّل عامل الخوف في وقت لاحق فتشهد الشوارع الإيرانية جماهير غفيرة لا قِبَل للنظام في التصدي لها، لا سيما أنّ المعدّل السنيّ للمتظاهرين ضد النظام يظهر انخفاضاً كبيراً، فهم في الأغلب من الشباب والمراهقين”، أي الذين يعرفهم العالم بجيل زد (z)، أما الإيرانيون فينعتونهم بمواليد التسعينات.
جيل زد (z)
غير محدّد التأريخ الذي يبدأ به جيل “زد” وكذلك الذي ينتهي به، لكنّ الباحثين وعلماء الديموغرافيا غالباً ما ينعتون مواليد منتصف التسعينات إلى نهاية عقد الألفين بجيل “زد”، والذي يليه هو جيل “آلفا”، وهم مواليد أواخر عقد الألفين حتى منتصف عقد الألفين وعشرين.
وأمّا أبرز ما يميّز جيل (Z) فهو استخدامه الواسع للإنترنت من سن مُبكّرة، فأبناء هذا الجيل عادة ما يكونون متكيّفين مع التكنولوجيا، ويشكّل التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي جزءاً كبيراً من حياتهم الاجتماعية، وكما يرى بعض الباحثين أنّ الترعرع خلال فترة الركود الاقتصادي أعطى هذا الجيل شعوراً بانعدام الأمن والاستقرار.
يقول سعيد آجر لو، الناشط السياسي الأصولي، إنّ “جيل زد ( Z) هم الذين أطلقوا هذه الاحتجاجات، وإنّ هذا الجيل استوحى تعريفه للسلطة وأنماطها من المنظور الغربي، فحصلت  فجوة كبيرة بيننا وبين الناشئين والشباب في إيران، هم مصرّون على إيصال صوتهم والأخذ به بعين الاعتبار، وأما سائر الأسباب ومنها عامل التدهور الاقتصادي، وضنك العيش والفساد الإداري و… فكلها تأتي في المراتب الأخرى”.
يعتقد قرائي، مقدم أستاذ علم الاجتماع، أنّ “الجيل الجديد ما عاد يقبل بخطاب الإصلاحيين ولا يعتقد كذلك بالأصوليين، فهو يطمح إلى بناء المستقبل بيده وعلى حسب ما يحمل من رؤى جديدة، فأبناء هذا الجيل هم في الأغلب من والدين ذاقا طعم الهزائم في كل المحاولات الإصلاحية السابقة، وذلك بدءاً من اختيار محمد خاتمي ومروراً بالحركة الخضراء فوصولاً إلى آخر محاولاتهم في اختيار حسن روحاني رئيساً للبلاد”.
وقفَ، تأخرَ، فخسر
“لقد صُدمنا بما شاهدناه خلال الاحتجاجات الأخيرة، فإنّ ما يحصل في الشوارع الإيرانية فاق خيالنا”. يقول الإعلامي عباس عبدي في تعليقه على هذه العبارات والتي صرّح بها مسؤول مخابراتي رفيع المستوى: “أغلق المجتمع لأكثر من أربعة عقود ومُنعت فيه الأبحاث العلمية، فلا غرابة إن حصلت فيه مفاجآت مجتمعية أو إذا ما ظهر فيه جيل غريب عنا تماماً، إنّه نتاج نظام يأبى قبول الواقع ولا يحترم الاختلاف في أنماط الحياة”.
ويضيف عبدي أنّ “النّظام عطّل عملية التنشئة الاجتماعية منذ أربعة عقود، إذ فقدت جميع المؤسسات ومنها الأسرة، والإعلام والسياسية والتعليم وحتى المؤسسة الدينية، دورها الوظيفي، فعلى سبيل المثال، بعدما تم إقحام المؤسسة الدينية في العملية السياسية، فقدت هذه المؤسسة دورها الدعوي، فلم يتبق من رجل الدين في إيران سوى ملابسه”.
ويستطرد عبدي قائلاً: “وكذلك هي الحال بالنسبة إلى مؤسسة النظام الإعلامية، إذ أبدت ضعفاً بالغاً تسبب بخسارة فظيعة للنظام أمام إعلام المعارضة، وكذلك وسائط القوى العالمية والإقليمية المعادية منها والمنافسة، وهذا يعني الفشل التام، وكذلك هي الحال بالنسبة إلى المؤسسة التعليمية التي لا يمكن تقييم أدائها سوى بالصفر المطلق. إذاً أوقف النظام عملية التنشئة وأعدم أدوات تواصله مع الشارع الإيراني، فتفاجأ بوجود فجوة عميقة تفصله عن الشعب، فعجز عن ردمها وخسر”.
 على مقربة الحسم
يعتقد عماد آبشناسان المحلل السياسي أنّ “المجتمع الإيراني معروف بدرجة حيويته الكبيرة، وعلى هذا من المتوقع أن نشهد فيه الكثير من التحولات في مقبل الأيام، ومن يتصور أنّ بإمكانه إيقاف هذه المسيرة فهو على خطأ فادح، ميدان الحوادث الإيرانية في هذه الأيام يتصدره الجيل الشاب، وهو يختلف في مدى إصراره كل الاختلاف عن الأجيال السابقة، ومسار الوقائع على الأرض تبدّى أنه بات قريباً من لحظة الحسم، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها”.
يقول مرتضى أفقه، الخبير الاقتصادي: “هل سمعتم بحال الجيش الذي ،حرقت خلفه السُفن فما بقي له سبيل سوى السير إلى الإمام؟ هذه هي حال الشاب الإيراني، فإن اليأس من النظام ومن مستقبله لم يترك له سبيلاً سوى الحضور في الشوارع حتى لو كلّفه ذلك باهظ الثمن، وفي ضوء عجز النظام في إضفاء بوادر الأمل على الجموع الغاضبة سيزداد إصرار المحتجين فيصعب أمر أجهزة القمع، والتي بدأت تظهر على ملامحها علامات الإعياء”.