هناك “شيعي” يريد أن يموت، وهنا “شيعة” عليهم أن يدفعوا كلفة موته، أما أسباب الأخير فيكفي إحالتها كل مرة إلى إيديولوجيات قاتلة جعلت من “الشيعية” أيضاً هوية قاتلة.
هويتي المذهبية ليست خياراً طوعياً، هي، وبحكم الولادة، سمة متوارثة؛ لذا أنا “كائن شيعي”. وُلدت هكذا من دون أن أختار، في جغرافيا لم أخترها!
و”الشيعية” لا تزال قرينةً هوياتيةً تتدلّى من اسمي في سجل القيد، وأزعم أن نفسي لم تراودني لأقترف البراءة منها، وقد لا أفعلها على الأرجح، علماً أنها، كغيرها من الهويات المذهبية في لبنان، هويّة قاتلة!
أنا كائن فُرض عليّ أن أكون شيعياً، لكنني لم أجد يوماً ما يجذبني إلى الشيعية السياسية وقواها المسلحة، وحجزت لنفسي موقعاً مضاداً لها لم يشعرني يوماً بالغربة ولا بالاغتراب. وأراكم جفاءً متواتراً نحوها، ولم ينتبني يوماً قلقٌ وجودي من اعتزالي لها، فاكتفيت بما كفاني رأسي بعصبةٍ من أصدقاء قادرين على تسييل التباين السياسي بيننا.
وأنا كائن شيعي، رحت أتخفّف كثيراً من “الشيعية” ومعتقدها الديني، وأزعم أيضاً أن تخففاً كهذا لا يدّعي البتر مع رواسبها الأولى في وعيي؛ هو فقط أقام عازلاً عقلياً سميكاً مع موروثات وراهنيات دينية تفشّت، وتتَفشّى فيها، كمواءمة مفتعلة مع السياسة وفي خدمتها.
منذ أربعة عقود، بدا أن الشيعية السياسية، دون غيرها من المذهبيات، لا تريد الخروج من التاريخ البعيد، وتتعمد تدويره من جديد بادّعاء أن طقوسه المتجددة تندرج كثأرٍ للغابر؛ ما جعل “الشيعي” كائناً استثنائياً ضمن خطاب الشيعية السياسية، وشغوفاً بالثأر وبالحروب، سواء تلك الحاضرة أو المغرقة في الماضي، وكأن الشيعية السياسية تعيش مأساة متجددة تبدأ من الكوفة ولم تنتهِ في الضاحية الجنوبية.
أنا كائن شيعي أكره الحرب، وأكاد أختنق بها، والحرب الآن حرب تستهدف هوية اكتسبتها بالفطرة، ولامست وعي كمراهقة دينية، فأصابني بها شغف مؤقت، لكن ينازعني ما راكمته حروبها، وعبثيتها توق الى هجرها.
أنا كائن شيعي، وها هي الحرب تُطبق على جسدٍ يحتال عليّ في اتحاده، وأكاد، وأنا أتهجّى يومياتها، أتوهمه أشلاءً يدّعي كلُّ شلوٍ منها امتلاكي.
أنا كائن شيعي، وأتنكّب الآن ما يتنكّبه كل من أقام وصلاً جينياً معها، ولا فرق بين قسريتي بها وطوعيتهم لها. إنها المأساة، ونحن مشهديتها التي تمنحها اسمها بصخبٍ لا يحتاج إلى عصفٍ لغوي.
إنها المأساة التي تكسر عين “كاميرا” تحاول توثيقها. هي مأساة موثّقة بأعين تشرّدٍ جمعي، وقتلٍ جمعي، وبؤسٍ جمعي، وبهوية صارت الحروب، والحروب وحدها، ترفعها إلى مصاف المأساة، ويتقاطع عليها حماتها مع أعدائها، ثم تكثّفها الجغرافيا.
الجغرافيا لعنة؟ لا، ليس دائماً، ولا هي قدرٌ أنزله بنا إلهٌ سماوي؛ إنه قدرٌ يصنعه بشرٌ مثلنا، ويتخذونها فضاءً لمآرب عابرة لها. أما وقودها فليس إلا “شيعة” يسهل ترميدهم، بالمشرب القومي حيناً، والديني أحياناً، وكما لو أننا أمام مجتمع “حطبي”، على الرغم من ادعائه “حديدية” متهافتة لطالما بدّدتها الحروب.
في تاريخها الحديث، لا تنفك “الشيعية” تأتي إلى وعي أبنائها كسردية موتٍ معلن، لكنه موت لا تعتني الشيعية بقدريته، بل تنساق إليه إرادياً، وبوحيٍ خارجي، نحو فكرة غالباً ما قصّرت مهلها وتُسمّى “شهادة”. أما طلابها فمنهم من قضى، ومنهم من ينتظر.
والانتظار، عدا عن كونه مورداً عقائدياً عند الشيعة، فإنه في “الشيعية” الراهنة مؤشر إلى رفض الانعتاق من ذلك التلازم الدموي بين الحرب وبين “الشهادة”. وهو، لا ريب، التلازم الذي يفضي في كل مرة إلى مأساةٍ جمعية.
هناك “شيعي” يريد أن يموت، وهنا “شيعة” عليهم أن يدفعوا كلفة موته، أما أسباب الأخير فيكفي إحالتها كل مرة إلى إيديولوجيات قاتلة جعلت من “الشيعية” أيضاً هوية قاتلة.
أنا كائن شيعي، وباحث عن طوق نجاة. هل يكفي أن ألعن الجغرافيا التي أفضت إلى اغترابي؟ مع إدراكي أنها ليست علةً بذاتها.
أحدّق بـ”شيعيتي” كمشاع استثمار دائم، مرةً من أصحاب “الكوفية”، ومرات من آيات الله على الأرض؟ الهوية “الشيعية” صارت حصرية التصرف بها لطالبي الموت، ولمنتظريه، ولوليٍّ فقيه، لا يزال انعتاقي من ولايته الدموية أمنية قيد الانتظار.
أنا كائن شيعي قاب زفرتين أو أدنى لأتبرأ حتى من شغفٍ طفولي بحكايات شيعية كانت جدتي لأبي تلقنني طقوسها بسَكينة لا تشبه “شيعية” راهنة، ولا تستدعي الحرب والدم لتكثيف هويتها القاتلة.
أنا كائن شيعي، ورهاني أن تكون هذه الحرب مباشرة لانعتاق “الشيعة” من قتلهم، نحو هوية تكون وفاء متأخراً لشيعية جدتي.
موقع درج