منذ سقوط نظام الأسد، اتجهت الأنظار إلى سلسلة الجبال الحدودية بين لبنان وسوريا، مع حالة من الترقب يعدّ فيها الجميع الدقائق قبيل اندلاع المواجهة. فالحدود التي كانت ملتهبة طوال فترة الثورة السورية، سواء عبر الاقتتال بين حزب الله وجبهة النصرة داخل لبنان، أو من خلال المشاركة الواسعة لحزب الله إلى جانب الأسد، كانت تشكّل شريان نقل المقاتلين والعُدّة والعتاد، باعتبارها خط إيران الخارجي الأساسي في الإقليم ككل.
تزامن سقوط الأسد مع تراجع حزب الله، بل كان سببًا رئيسيًا فيه، ومع تراجع سطوة إيران في المنطقة واستعداد الولايات المتحدة للانقضاض عليها، فكانت الولايات المتحدة مرحِّبة بتقطيع أوصال محور إيران من سوريا تحديدًا، باعتبارها القلب الجغرافي وعقدة مواصلات المحور الرئيسية.
ثبّتت القيادة الجديدة في سوريا نفسها، خلافًا لرهانات إيران وحزب الله، في حين تعقّدت وضعية المحور أكثر فأكثر حتى وصل موعد الحرب الأميركية الكبرى في المنطقة. سريعًا، تسارعت الأحداث وطالت لبنان والعراق والخليج العربي وحتى تركيا، من دون أن ننسى البحار والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
وكالعادة، تحكم الجغرافيا. فسوريا التي تتوسط هذا الشرق حاولت الاختفاء مع اندلاع الحرب، لكن ذلك في السياسة غير ممكن. وعليه، فإن تهديد سوريا اليوم في أوجه. فعلى الجبهة الإسرائيلية، حذّرت إسرائيل سوريا من أي تحرّك عسكري في الجنوب أو من محاولة تغيير الواقع القائم في المناطق المحاذية للجولان، على وقع الانشغال الإسرائيلي في لبنان وإيران. وأبلغتها بأنها لن تسمح باستغلال الحرب الدائرة لفرض تموضع جديد قرب خط الفصل، بحسب وسائل إعلام دولية. وعليه، فإن إسرائيل لا تثق، ولن تثق، بالقيادة السورية الحالية.
إضافة إلى ذلك، فإن إحدى المظلّات التي تتمتّع بها سوريا اليوم هي مظلّة الحاجة الدولية إلى تقطيع محور إيران. فإذا سقط هذا المحور كليًا واتجه نحو الفوضى، فإن ذلك سيعني أولًا أن سوريا قد تصبح ساحة استهداف أساسية من بقايا المحور، نظرًا إلى كونها خاصرة ضعيفة في ظروفها الوليدة. كما أن دورها وأهميتها الدولية قد يتراجعان، فضلًا عن أن سقوط لبنان الكامل في يد إسرائيل سيجعل سوريا محاصرة بين تراجع الأهمية الدولية، والفوضى الإيرانية، والتطويق الإسرائيلي الشامل، بما يجعل تهديد الحكم السوري الناشئ تهديدًا محوريًا.
وفي حين يُعدّ اللهيب العراقي شديدًا، فإن لهيب لبنان يبدو أشدّ. ففجر اليوم اتّسع التوتر على الجبهة اللبنانية–السورية مع سقوط قذائف أُطلقت من الأراضي اللبنانية على نقاط للجيش السوري قرب الحدود. وقالت دمشق إن حزب الله هو من أطلقها باتجاه مواقعها، مؤكدة أن الجيش السوري “لن يتهاون مع أي اعتداء يستهدف الأراضي السورية”.
وجاءت هذه الحادثة على وقع اتّساع الاهتمام السوري بلبنان في الأيام الأخيرة، مع اتصالات أجراها الرئيس أحمد الشرع بكل من رئيس الحكومة نواف سلام، والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ورئيس حزب الكتائب سامي الجميّل، في مؤشر إلى دخول دمشق على خط متابعة التطورات اللبنانية بصورة أوضح وأكثر مباشرة.
ففي اتصاله بسلام، شدّد الشرع على أن تعزيز الوجود العسكري السوري على الحدود يهدف إلى ضبط الحدود وحماية الأمن الداخلي السوري. وفي اتصاله بجنبلاط، أكّد أهمية التنسيق والتفاعل بين الحكومتين اللبنانية والسورية لمواجهة أخطار المرحلة. أما في اتصاله المطوّل مع الجميّل، فقد تحدّث عن فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين على قاعدة الاحترام المتبادل والتعاون.
ثم جاء حديثه المباشر في الشأن اللبناني، لأول مرة على هذا المستوى، خلال مشاركته يوم الإثنين 9 آذار/مارس 2026 في اجتماع إقليمي–أوروبي عُقد عبر تقنية الاتصال المرئي بدعوة من رئاسة المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية، حيث أعلن بوضوح وقوف دمشق إلى جانب الرئيس اللبناني جوزيف عون في مسألة نزع سلاح حزب الله، معتبرًا ذلك جزءًا من حماية استقرار لبنان وسيادته.
ميدانيًا، تأتي الحادثة بعد اتهامات مبطّنة من حزب الله لسوريا بأنها تترك أراضيها لتكون منصة انطلاق لهجمات عليه، وتحديدًا في إنزال النبي شيت الأخير، ما يجعل الأجواء بين الطرفين محتقنة.
عمليًا، لم يكن ممكنًا، بعد انغماس حزب الله لأكثر من عقد في محاربة الثورة السورية والتنكيل بأهلها، أن يُتصوَّر صفاء في القلوب بينه وبين القيادة السورية الجديدة. لكن مسار ما بعد الأسد كان مسارًا سوريًا استراتيجيًا يقضي بتحييد سوريا عن الملف اللبناني، انطلاقًا من قناعة بأن الوحول اللبنانية مُغرِقة لكل من يدخلها؛ وهو ما عبّر عنه الرئيس أحمد الشرع مبكرًا حين شدّد على أن سوريا الجديدة لن تكون منصّة لتهديد أو زعزعة أي دولة عربية، وأنها لا تريد علاقة تسلّطية مع لبنان، بل تقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، كما أكّد لاحقًا أنه غير معنيّ بفتح صراعات جديدة.
إضافة إلى كل ما سبق، فإن سوريا ليست مطمئنة بالتأكيد لفكرة، أو لإمكانية، سقوط مناطق حزب الله في يد إسرائيل في البقاع، بما يفتح الباب أمام حضور إسرائيلي مباشر أو غير مباشر على كامل حدودها الغربية، ويقرّب النفوذ الإسرائيلي من حدودها في لحظة انتقالية هشّة، ناهيك عن ضغوط دولية موجودة تدفع سوريا للمبادرة في اتجاه البقاع اللبناني. ومن هنا، فإن فتح جبهة سياسية أو أمنية أكثر حدّة بين القيادة السورية الجديدة والحزب ترتفع احتماليته عمّا كانت عليه سابقًا.
لكن المسار الإقليمي الراعي لسوريا حتى الآن ما يزال يرفض الرد على إيران، على الرغم من حجم التركيز الإيراني عليه، خاصة في الخليج العربي. أضف إلى ذلك أن سوريا تدرك أن الدخول في حرب مع حزب الله لن يكون بالأمر السهل، بل سيكون حمّام دم طائفي واسع سيترك أثره السلبي في التاريخ، كما فعل حزب الله في سوريا. إضافة إلى استفادة إسرائيل مباشرة من إنهاك الطرفين، ثم القضاء بعد ذلك على من يبقى منهما بسهولة.
ناهيك عن أن هذه الجبهة ستصرف سوريا عن مسارها الداخلي، وستجعلها رخوة على جبهاتها الشرقية التي لم تندمل، والتي قد تتحرك من العراق، فضلًا عن الداخل. من دون أن ننسى موقف باقي الأطراف اللبنانية، مثل الجيش اللبناني، الذي لن ينظر إلى دخول قوات سورية إلى لبنان بعين إيجابية، خاصة وأن توازن القوى بينهما يسمح للجيش اللبناني بالتحرّك في وجه سوريا أكثر مما يسمح له بذلك في وجه إسرائيل، خاصة مع إهمال الشرع لرئيس الجمهورية اللبناني – القائد الأعلى للقوات المسلحة اللبنانية وقائد الجيش السابق.
لذلك، فإن حسبة سوريا بخصوص لبنان معقّدة وحسّاسة. ولو أن التصريحات السورية قد تبدو عالية السقف، فإنها لا تعني بالضرورة تحرّكًا على الجبهة، بل هي أقرب، حتى الآن، إلى أن تكون استعاضة عن الفعل بالتهديد، تجنّبًا لفتح جبهة. ومع ذلك، سيظل الاستنفار الحدودي قائمًا ويتعزّز من باب الاحتياط، لا من باب الهجوم، الذي يبدو حتى الآن الأقل ترجيحًا.
مرّت سوريا ما بعد الأسد بمحطات بالغة الحساسية، لكن هذه المحطة وما يليها ستكون أكثر حساسية، مهما كانت نتائج حرب أميركا وإيران أو حرب إسرائيل وحزب الله، لأن مختلف النتائج ستجعل من سوريا وجهة التركيز المقبلة.