من الوهم المريح تفسير أيّ مواجهة كبرى مع إيران محاولةً مباشرةً لإسقاط نظام ولاية الفقيه في هيكله المعاصر، حيث المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الذي يمارس سلطات واسعة تتيح له السيطرة على مؤسّسات الدولة كلّها. صحيح أن هناك أسباباً موضوعيةً مثل الخصومة التاريخية مع الولايات المتحدة منذ ثورة الخميني، والبرنامج النووي الذي بدا في لحظة ما تحت السيطرة بعد اتفاق باراك أوباما مع مجموعة “5+1″، قبل أن ينسحب منه ترامب، ويعيد إشعال التوترات، ثم برنامج الصواريخ الباليستية الذي ربّما يكون الأكثر أهمية في المعادلة، يليه النفوذ الإقليمي عبر شبكة من حلفاء مسلّحين… كلّها عناصر تجعل هذا التفسير يبدو بديهياً، لكنّ البديهيات في الجغرافيا السياسية غالباً ما تكون مضلِّلة. ولأن التاريخ يهمس لمن يريد الإصغاء، فإن الحروب الكبرى نادراً ما تُخاض لأسبابها المعلَنة. هنالك شعاراتٌ للاستهلاكين، المحلّي والدولي، أمّا الخرائط الحقيقية فتُرسم في الغرف المغلَقة، وهذا هو حال منطقتنا منذ القدم، إذ قد يبدو الصراع (ظاهرياً) حول إيران، لكن سؤالاً أوسع بكثير يتحرّك تحت السطح: أيّ شرق أوسط سيُولَد من هذه الفوضى؟
حين اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، وسقط نظام محمّد رضا بهلوي، لم يكن التحوّل مجرّد تغيير في رأس السلطة؛ لقد تبدّلت رؤية الدولة لدورها الإقليمي جذرياً، وهذا طبيعي، فالثورات بطبيعتها لا تكتفي بالحدود، ولست هنا بصدد تبرير أيّ فعل.
في السنوات الأولى انشغلت طهران في صراع البقاء، فاندلعت الحرب مع العراق في 1980، واستمرّت ثماني سنوات خلّفتْ ما يقارب مليون قتيل، غير أن تلك الحرب الطويلة طرحت فكرةً مركزيةً في التفكير الأمني الإيراني، “النفوذ غير المباشر”، فبدلاً من الاعتماد على الجيوش التقليدية فقط، بدأت إيران في بناء شبكة من الحلفاء المحلّيين، والنموذج الأبرز ظهرَ في لبنان مع صعود حزب الله، ومع مرور الوقت تحوّل هذا النموذج إلى أداة استراتيجية في أكثر من عاصمة، ثم جاءت اللحظة المفصلية: غزو العراق عام 2003. فجأةً، انفتح المجال الجيوسياسي شرقي العالم العربي على فراغ ضخم، وتحوّل العراق الذي كان عقوداً حارساً للبوابة الشرقية بين إيران والعالم العربي إلى ساحة نفوذ متشابك، وكذلك الحال في سورية بعد 2011، إذ وجدت إيران نفسها في مسرح عسكري مباشر، وفي لبنان ازداد ثقل حلفائها، وربّما بدأت الأمور في صورة مؤّسّسية عقب عملية عناقيد الغضب التي شنّها الاحتلال ضدّ حزب الله عام 1996، وصولاً إلى حرب 2006، وإعادة إعمار الضاحية الجنوبية، وحينها بدأ مصطلح الهلال الشيعي يتردّد بكثرة كأنّه إعلانُ صعود قوة إقليمية جديدة استُكملت في اليمن حين تشكّل محور نفوذ جديد. لكنّ التاريخ لا يرحم، فالاتّساع قد يكون بداية المتاعب، والانتشار في أربع ساحات صراع على الأقلّ (العراق وسورية ولبنان واليمن) منح إيران نفوذاً واسعاً، لكنّه فرض عليها التزامات مالية وعسكرية ضخمة، خاصّةً أن تقديرات مراكز الدراسات تشير إلى مليارات الدولارات تُنفَق سنوياً لدعم الحلفاء في وقت يُخنَق الاقتصاد بالعقوبات التي يضيق بها ذرعاً الشعب الإيراني، لا سيّما جيل الشباب. وعليه، فإن التوسّع هنا لم يكن مجّانياً، بل استثمار باهظ الكلفة، وربّما غير محسوب إلا ضمن حسابات الزهو بالقوة.
أضف إلى ذلك أن طهران لم تطوّر نموذجاً واضحاً لتقليص التزاماتها الإقليمية، لتجد نفسها في شبكة صراعات مترابطة، وفي الذهنية الإيرانية، أيّ تراجع في ساحة قد يفسّر إشارةَ ضعف في ساحة أخرى. والسؤال إذن: هل الهدف إسقاط النظام الإيراني أم المسألة أعمق؟… يبدو الاحتمال الثاني أكثر اتّساقاً مع منطق الاستراتيجية الكبرى، فالفكرة إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية التي تتحرّك فيها إيران، فإذا تقلّصت قدرتها على دعم الحلفاء، وأعيد ترتيب التحالفات، وأصبحت ممرّات الطاقة تحت مراقبة مختلفة، فإن النفوذ الإيراني سيصبح محدوداً حتى لو بقي النظام قائماً، بمعنى أن المعادلة لا تتعلّق بمَن يحكم إيران، بل بما تستطيع فعله خارج حدودها، وهذا ما قاله ترامب صراحةً أكثر من مرّة (ربّما يميل إلى النموذج الفنزويلي) عقب اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو.
السؤال الحقيقي ليس عن مستقبل النظام في طهران، بل عن مستقبل الشرق الأوسط
أيضاً، يجب ألا يغيب عنّا خطابٌ متنامٍ داخل التيار المحافظ في واشنطن؛ يرى الصراع من زاوية حضارية. فوفق هذا المنظور، تواجه الحضارة الغربية ثلاث دوائر تهديد عبّر عنها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في أكثر من مناسبة، وبعيداً من ترامب وروبيو، ومن هذه الرؤية التي لا تمثّل في حقيقتها طرحاً جديداً بقدر ما تعيد إنتاج خطاب تشكّل داخل اليمين الأميركي منذ السبعينيات، ربّما يجب أيضاً ألا تغيب عن البال تصريحات مايك هاكابي بأنه “سيكون مقبولاً” أن تستولي “إسرائيل” على كامل أراضي الشرق الأوسط، مستنداً إلى تفسيرات توراتية متداولة في التيار القومي المسيحي في الولايات المتحدة، إذ عادةً ما يطرح الإسلام في كثير من الكتابات اختباراً لهُويّة الغرب في القرن الحادي والعشرين. وبهذا المعنى، لا تُقرأ صراعات الشرق الأوسط بوصفها نزاعاتٍ إقليميةً فقط، بل بأنها جزء من معادلة أوسع تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع أسئلة الهُويّة والحضارة. طبعاً هنالك أيضاً استراتيجية لصعود الصين اقتصادياً، وروسيا عسكرياً وديموغرافياً، لها علاقة بالتحوّلات السكّانية بفعل الهجرة من الجنوب إلى الشمال، ونسبة السكّان الأفارقة إلى البيض.
المفارقة أن نظام إيران قد يظلّ قائماً، بينما يتقلّص المجال الحيوي الذي بنى عليه نفوذه طوال أربعة عقود، وعند تلك اللحظة لن يكون التحدّي مجرّد إدارة أزمات، بل إعادة تعريف الدور الإقليمي كلّه، وهو كيف تتصرّف قوة اعتادت التمدّد حين تجد نفسها مضطرة إلى الانكماش. ربّما هو سؤال لم تجب عنه التجربة الإيرانية بعد.
إذن، نحن متّفقون في أن الحروب الكبرى لا تخاض من أجل العناوين التي نقرأها في وسائل الإعلام، بل ما يبدو صراعاً على نظام هو في جوهره صراع على خريطة والشرق الأوسط الذي نعرفه، ويتبخر اليوم ليحلّ محلّه واقع جديد، ليبقى السؤال الحقيقي ليس عن مستقبل النظام في طهران، بل عن مستقبل المنطقة التي سيتعيّن على النظام الإيراني، وعلى خصومه أيضاً، أن يعيشوا فيها.
العربي الجديد