موقع درج..
هلا نهاد نصرالدين – صحافية لبنانية
بين تكليف نزع السلاح من جهة والخشية من الحرب الأهلية من جهة أخرى، يجد الجيش اللبناني نفسه أمام معادلة لا تُحلّ بالخطابات. سلام يَعِد بحصرية السلاح بيد الدولة، في حين يدرك هيكل هشاشة السلم الداخلي، وأن المؤسّسة العسكرية التي يقودها تعاني الكثير من التحدّيات.
يعيش لبنان أزمة مصيرية مع استمرار الحرب الإسرائيلية، ووسط ضغوط محلّية ودولية لسحب سلاح “حزب الله”، وفرض سيطرة الجيش اللبناني وحده، وقد وصلت الضغوط إلى حدّ شنّ حملات متبادلة محورها الجيش ودوره، خصوصاً بعد انتقادات أميركية لقائد الجيش رودولف هيكل.
وامتدّت الانتقادات إلى الداخل، حيث علت أصوات عدة خصوصاً من قِبل شخصيّات محسوبة على المعسكر “السيادي”، تناولت ما اعتبرته ضعف مبادرة الجيش وعدم قدرته على الحسم.
آخر هذه المواقف ما تردّد عن تعمّق التباين بين رئيس الحكومة نوّاف سلام وقائد الجيش، التي تجلّت عبر عدّة تصريحات لنوّاب مقرّبين من سلام وشخصيّات سياسية.
بحسب أوساط سلام فإن رئيس الحكومة يسعى إلى إيقاف الحرب والانخراط في مفاوضات جدّية تمنع مزيداً من الدمار والضحايا، وتنفيذ وعد بيانه الوزاري بنزع سلاح “حزب الله” وحصره بيد الدولة اللبنانية، أي بيد الجيش. في المقابل، يدرك قائد الجيش أن تنفيذ هذه المهمّة، في الظروف الراهنة تحديداً، يكاد يكون شبه مستحيل، وذلك بحسب مواقفه المتعدّدة الأخيرة.
يحاول سلام أن يبعث برسالة إلى الخارج مفادها أن الدولة اللبنانية هي التي ستبسط سيطرتها على السلاح وقرار السلم والحرب، وأنها الطرف المخوّل التفاوض على مستقبل البلد، لكنّ قيادة الجيش تبدو أكثر تركيزاً على منع الانزلاق إلى نزاع داخلي، وأقلّ استعداداً لتحمّل كلفة مواجهة مباشرة مع “حزب الله” في ظلّ ميزان القوى الحالي.
في المقابل، جاء خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون أكثر حدّة في دفاعه عن الجيش وقائده، إذ قال إن زيارته وزارة الدفاع في ظل الحملة على الجيش “تأتي للتعبير عن التضامن الكامل مع الجيش وقيادته ورفض الحملات التي تستهدفهما أو تشكّك بوطنيتهما”، مؤكّداً أن الجيش “ليس طرفاً في التجاذبات السياسية”، ومحذّراً من تحويله إلى “مادّة للسجالات الداخلية، فقوّة الدولة تبدأ بقوّة مؤسّساتها وعلى رأسها الجيش”.
وكان عون قد وصف “حزب الله” في بداية هذا الأسبوع، بأنه “فريق مسلّح خارج عن الدولة لا يُقيم وزناً لمصلحة لبنان أو حياة شعبه”، معتبراً أن من أطلق الصواريخ “سعى إلى شراء سقوط دولة لبنان لصالح النظام الإيراني”.
في الجهة المقابلة، جاء خطاب رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمّد رعد تصعيدياً بدوره، إذ رأى أن “لبنان اليوم ليس مخيّراً بين الحرب والسلم كما يردّد البعض، بل هو مخيّر بين الحرب والاستسلام للشروط المذلّة التي يريد العدو فرضها على الحكومة، وعلى البلد وشعبه”.
تكليف الجيش باحتكار السلاح
لماذا يبدو الجيش اليوم محوراً أساسياً للحلّ في ظلّ الحرب الكارثية على لبنان؟
بدأت القصّة عند انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في عام 2000، حيث كان يفترض أن تتولّى الدولة والجيش بسط سلطتهما الكاملة على الأراضي اللبنانية، خصوصاً مسألة حصر السلاح بيد الدولة. لكنّ هذا لم يحدث بسبب النفوذ السوري الإيراني عبر “حزب الله”، الذي كرّس معادلة ما سمّي حينها “جيش وشعب ومقاومة”.
هذا الواقع ضخّم من وجود قوّة عسكرية خارج إطار الدولة، وكان الجيش اللبناني ضعيف الإمكانات، وغير قادراً على خوض مواجهة داخلية لحسم مسألة حصرية السلاح التي قد تهدّد السلم الأهلي، أو تعيد إشعال الحرب الأهلية، لذلك جرى تكريس معادلة غير مكتوبة تقوم على تقاسم غير رسمي للأدوار بين الجيش و”المقاومة”.
ترسّخ واقع لبناني فريد، دولة تمتلك جيشاً رسمياً، لكنّها تتعايش في الوقت نفسه مع قوّة عسكرية موازية تتجاوز قدرات الجيش في بعض المجالات، ولها سطوة على قراره الأمني في أحيان كثيرة، ومنذ العام 2000 وحتى اليوم، ظلّ السؤال نفسه يتكرّر: هل يستطيع الجيش اللبناني فعلاً أن يحتكر السلاح، أم أن ميزان القوى الداخلي والإقليمي ما زال يمنع ذلك؟ وفعلا كان الميزان الإقليمي يمنع ذلك، إلى أن وصلنا إلى حرب “الإسناد” وتداعياتها الكارثية والحرب الجارية اليوم.
في البيان الوزاري الأخير الذي تلاه سلام، أعلنت الدولة اللبنانية حظر أنشطة “حزب الله” العسكرية والأمنية، باعتباره جماعة خارجة عن القانون، وربطت ذلك بتكريس حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز سيادتها الكاملة على أراضيها، الأمر الذي شدّد عليه عون بداية هذا الأسبوع، وشدّد سلام أيضاً على أن “قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة”، وأن أيّ عمل عسكري أو أمني ينطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار المؤسّسات الشرعية “مرفوض بالكامل”.
عملياً، طلبت الحكومة من جميع الأجهزة العسكرية والأمنية اتّخاذ الإجراءات الفورية لمنع إطلاق الصواريخ والمسيّرات، أو تنفيذ عمليّات عسكرية من الأراضي اللبنانية خارج شرعية الدولة، ما يضع الجيش في الواجهة لتنفيذ قرار نزع السلاح وضبط الجبهة الجنوبية في آن.
يرى سامي حلبي مدير السياسات في معهد “السياسة البديلة” في حديث إلى “درج”، أن جوهر المشكلة يكمن في الفجوة بين التكليف السياسي والقدرة الفعلية للجيش على التنفيذ، ويقول: “رئيس الحكومة يتحرّك سياسياً، لكنّ التنفيذ يحتاج إلى من يتولّاه فعلياً على الأرض. هنا يأتي دور الجيش، لكنّ موقعه معروف: لا يملك القرار السياسي ولا الإمكانات الكافية. المطلوب عملياً نزع السلاح من بيوت الناس، وهذا يجعل عمل الجيش شبه مستحيل إذا وصلنا إلى هذا المستوى، لأنه لا يوجد جيش مجهّز فعلاً لمهمّة من هذا النوع”.
في هذا السياق، يرى العميد المتقاعد ناجي ملاعب، في مقابلة لموقع “درج”، أن الحكومة “اتّخذت قرارات جريئة كانت مطلوبة منها”، وأن “الجميع في الداخل والخارج كان يطالب بأن يُكلَّف الجيش رسمياً بهذه المهمّة”، لكنّه في الوقت نفسه يشير إلى أن المؤسّسة العسكرية “قامت أصلاً بمهام جبّارة في الجنوب اللبناني، ليس فقط مهام عسكرية، بل أيضاً مهام دفاع مدني وفتح طرقات وحماية الأهالي”، متحدّثاً عن تدمير عشرات الأنفاق ومصادرة مئات آلاف قطع السلاح والذخائر جنوب الليطاني.
ويقول: “لا يمكن مطالبة الجيش بتنفيذ قرار نزع سلاح حزب الله في ظلّ استمرار العمليّات العسكرية والاعتداءات الإسرائيلية”، ويضيف: “اليوم الدبلوماسية اللبنانية عليها أن تكون فاعلة أكثر وتصل إلى مكان، وأقلّه أن تصل إلى وقف الأعمال العدائية. إذا تمّ وقف الأعمال العدائية، عندها لا يبقى أيّ مبرّر ليقوم الجيش بالعمل، لأن قرار الحكومة كان واضحاً: الحرب الأهلية أصبحت وراءنا، ولا أحد يهدّدنا بها”.
خلاف سلام – هيكل وحدود التغيير
خلاف سلام – هيكل لم يعد تفصيلاً خلف الكواليس، بحسب معلومات متقاطعة منها ما نقلته قناة “الجديد” وغيرها، لم يصل بعد إلى بيروت أيّ طلب رسمي لإقالة قائد الجيش، لكنّ انزعاجاً دولياً سُجّل من أداء المؤسّسة العسكرية وتصريحات قائد الجيش. رغم ذلك، لا تبدو هناك إرادة حالية لإقالة هيكل ما دام لبنان في حالة حرب، ويُفضَّل تجنّب أي هزّة في رأس المؤسّسة العسكرية.
في الكواليس، يجري تداول اسمَي مدير المخابرات العميد طوني قهوجي ومدير العمليّات العميد جورج رزق الله كمرشحين محتملين لخلافة هيكل، في حال قرّر السياسيون فتح ملفّ القيادة، لكنّ رئيس الجمهورية يتمسّك حتى اللحظة ببقاء هيكل ويدعمه، ويعتبر أيّ استهداف للمؤسّسة في هذا التوقيت ضرباً لما تبقّى من تماسك الدولة.
خلال زيارته وزارة الدفاع وقيادة الجيش في اليرزة، شدّد عون على أن “الجيش مؤسّسة وطنية تخدم مصلحة لبنان واللبنانيين، وما تعرّض له وقائده من حملات لن يترك أيّ أثر على أدائه”، محذّراً من أنه “إذا تعرّض الجيش للاهتزاز، فالوطن بأسره سيتعرّض للخطر”، مؤكّداً أنه سيقف “سدّاً منيعاً عند التعرّض لهذه المؤسّسة العسكرية ومن هو على رأسها”. في المقابل، جدّد هيكل تمسّك المؤسّسة بدورها في حماية الاستقرار الداخلي ومنع الفتنة.
واستكمالاً لحديثه، يقول حلبي إن دور الجيش الطبيعي هو “الدفاع عن الوطن في وجه العدوان”، لكنّ قرار الحكومة يضعه “أمام أمر واقع”، من وجهة نظره، ما يُطلب من الجيش اليوم هو عملياً “تولّي مهمّة سحب سلاح حزب الله، لكنّ سلاح “حزب الله اليوم هو في مواجهة الجندي الإسرائيلي على الأرض”، مضيفاً أن “الحزب يملأ الفراغ، سواء بالسلاح أو بفرض واقع على الأرض”، وأن “أيّ محاولة لانتزاع هذا الدور من دون مظلّة دولية حقيقية تُعرّض الجيش والبلد لمخاطر انفجار داخلي واسع”.
ويسأل: “يُقال اليوم إن الجيش يجب أن يأخذ دوره، لكن يُمنَع عليه أن يُستخدم ضدّ إسرائيل. مع من يُفترض أن يواجه إذاً؟”، قبل أن يخلص إلى أن الخروج من هذه المعادلة “يحتاج إلى قرار دولي كبير، واستراتيجية دفاعية وطنية حقيقية، لا إلى شعارات سياسية عابرة”.
من جهة أخرى، يشرح ملاعب أن “الاهتمام الدولي المتزايد بالجيش ليس مصادفة”، مستشهداً بتصريحات مسؤولين أميركيين سابقين، كالموفد توم باراك، الذين اعتبروا أن “إسرائيل لن تستطيع نزع سلاح حزب الله”، ويوضح “نحن عسكريون نعرف أن الطيران لا ينهي معركة”.
مع ذلك، يلفت ملاعب إلى أن “مهمّة الجيش ستبقى شبه مستحيلة ما لم تُسهَّل مهامه عبر وقف إطلاق النار”، لأن مجرّد استمرار “العربدة في سماء لبنان”، يقيّد حركة المؤسّسة على الأرض، حتى لو كانت مستعدّة لخوض صدامات صعبة، شرط أن تحمل “ورقة” سياسية تمكّنها من التصرف.
خطر الحرب الأهلية واستنزاف الجيش
القلق من حرب أهلية جديدة ليس وهماً، يوضح حلبي أن “حزب الله ما زال لاعباً عسكرياً أساسياً، وأن أيّ محاولة مباشرة لإضعافه أو تقليص دوره يمكن أن تُقرأ كاستهداف وجودي، خصوصاً بعد التفاف جزء واسع من بيئته حوله في ظلّ الحرب”.
في هذا المناخ، تصبح مهمّة الجيش، بحسب حلبي “تفريق الناس عن بعضهم بعضاً، لا مواجهة حزب الله”، ويتحوّل الجيش “من مؤسّسة ضابطة للسلاح إلى صمّام أمان اجتماعي هشّ، يُستنزف في الشارع بدل أن يفرض سلطة الدولة”.
تاريخياً، شهد الجيش انقسامات خطيرة خلال الحرب الأهلية، لكنّ ذلك لا يعني، بحسب حلبي، أن “المصير محتوم اليوم”، فليس من مصلحة أيّ طرف جدّي في لبنان أن يتفكّك الجيش، غير أن إبقاءه بلا رؤية استراتيجية وبلا قدرة على لعب دور متكامل في الدفاع عن الحدود، يتركه عالقاً بين ضغط الخارج وتوظيفات الداخل.
بين تكليف نزع السلاح من جهة والخشية من الحرب الأهلية من جهة أخرى، يجد الجيش اللبناني نفسه أمام معادلة لا تُحلّ بالخطابات. سلام يَعِد بحصرية السلاح بيد الدولة، في حين يدرك هيكل هشاشة السلم الداخلي، وأن المؤسّسة العسكرية التي يقودها تعاني الكثير من التحدّيات.
سواء بقي هيكل في موقعه أو تمّ استبداله لاحقاً، لا شكّ في أن المشكلة أعمق من الأشخاص. المطلوب، بحسب وصف حلبي “استراتيجية دفاعية وطنية حقيقية تستند إلى كلّ عناصر القوّة المتاحة، بما في ذلك العلاقات العربية والدولية”، وإصلاح طويل الأمد يعيد تعريف موقع الجيش في النظام السياسي والأمني، حتى لا يبقى مجرّد أداة لاحتواء الأزمات الاجتماعية، أو صندوق بريد للضغط الدولي، أو واجهة لقرارات سياسية لا تملك السلطة إرادة تنفيذها.