ملخص
سيخرج الخليج أقوى مما مضى على رغم الخسائر البشرية والمادية، فقد أثبت قدرة وبسالة في التصدي والردع، وأظهرت قواته الدفاعية الجوية قدرة على التصدي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية فاقت نسبة نجاحها نسبة تصدي أميركا وإسرائيل لها، على رغم أن ما أطلقته إيران على دول الخليج أضعاف مضاعفة بما أطلقته على إسرائيل.
تندلع الحروب وتنتهي فلكل شيء نهاية، يشعل بعضهم فتيلها لكنه لا يعرف كيف يطفؤها، والحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، والتي بدورها أشعلت عدواناً على جيرانها العرب والأذريين والأتراك وحتى القبارصة اليونانيين، ستضع أوزارها عاجلاً أو آجلاً، ولكن لو توقف قرع طبولها وانتهى قصفها وصمتت مدافعها وتوقفت صواريخها وهبطت مسيّراتها الليلة، وهذا ما يتمناه كل محب للسلام، فكيف ومن يكون المنتصر فيها؟
لو استعرضنا الأطراف الخمسة الأساس في هذه الحرب لوجدنا أن مفهوم النصر يختلف من طرف لطرف، وأن هذا المفهوم للنصر هو الذي يحدد المنتصر في نظر نفسه فقط وليس بحسابات الربح والخسارة في الحروب.
أولاً الولايات المتحدة الأميركية
خسر ترمب الحرب بإشعالها، فقد كانت شعاراته وخطاباته خلال حملاته الانتخابية أن أميركا أولاً وأنه لن يزج بجنود بلاده في حروب الآخرين ليخسروا حياتهم ويخسر دافع الضرائب تريليونات الدولارات بتمويلها، وتبجح كذباً بأنه أنهى حروباً كثيرة في العالم، بل إنه طالب بغرابة بأن يُمنح “جائزة نوبل للسلام” لأنه رجل سلام، وكل ذلك تبخر بعدما شنّ الحرب على إيران بتحريض وتحالف مع نتنياهو وإسرائيل.
لكن ترمب يبقى ترمب، فقد بدأ يلوح بأنه لم تعد هناك أهداف عسكرية في بنك أهداف إيران كي يضربها، ومن ثم فإنه قد يخرج في أية لحظة مثلما خرج في يونيو (حزيران) 2025 بعد حرب الـ 12 يوماً ليعلن أنه انتصر نصراً مؤزراً وعطّل البرنامج النووي ودمر البرنامج الصاروخي الإيراني ومنصات إطلاقها ومصانع إنتاجها، وبأنه اغتال قيادة الإرهاب العالمي، الخامنئي وقياداته، وقد يكتفي بهذه الأهداف كإعلان نصر له لأن الحملة على إيران لم تكن واضحة، فتارة هي تغيير النظام وتارة أخرى هي اختيار المرشد الأعلى، وتارة الاستسلام غير المشروط وأخرى تدمير إيران وهكذا، وعملياً يمكن القول إن “البطل توهّق” ويبحث عن مخرج، وقد يُنحي باللائمة على بعض مستشاريه ومبعوثيه ويضحي بهم مثل ستيف ويتكوف وتوم باراك وحتى وزير خارجيته ماركو روبيو ووزير دفاعه بيت هيغسيث.
ثانياً إسرائيل
لو توقفت الحرب اليوم فسيخرج بنيامين نتنياهو على الشاشة ليقول قولاً قريباً من قول ترمب ويصرح بالنصر تصريحاً شبيهاً بتصريحه، لكنه يدرك أن خطر الصواريخ الإيرانية الباليستية لا يزال قائماً ويهدد إسرائيل، وأن المرة المقبلة قد تكون أعنف وأشد على الإسرائيليين، وقد يلمح نتنياهو إلى ضرورة العودة من أجل “جز العشب” MOW THE LAWN)) أي العودة للهجوم على إيران ثانية متى ما نضجت الظروف، ولكن سيبدأ كابوس الشرح لمواطنيه نتائج هذه الحرب والخسائر التي تكبدوها، ويعاد فتح ملفاته ومحاكماته بالفساد ومحاسبته.
ثالثاً دول الخليج العربية والأردن
السيناريو الوحيد الذي تبنته دول الخليج والأردن كي تخرج منتصرة من هذه الحرب هو الردع والصمود والعمل على وقف الحرب في أسرع وقت ممكن، فقد كانت جميعاً ضد الحرب واستخدام قواعدها الحربية أو أجوائها لشن الهجمات على إيران.
وترى دول الخليج نصراً مؤزراً بعدم الوقوع في فخ الحرب الشاملة على إيران لأسباب ثلاثة أساسية، أولها أن فخ الحرب الشاملة هو ما تنشده إسرائيل، فعلى رغم أن دول الخليج تتعرض لعدوان إيراني لكن دافعه اليأس وخلط الأوراق وممارسة الضغط على الاقتصاد العالمي لوقف الحرب عليها، بينما تهدف إسرائيل إستراتيجياً إلى إدخال المنطقة برمتها، عربها وفرسها، في أتون حروب طويلة لا تتوقف، لتبدو عندها الحرب العراقية – الإيرانية نزهة قصيرة.
والسبب الثاني فهو أن دخول الحرب يقلب المعادلة الخليجية للبناء والتنمية والاستقرار إلى معادلة إيران في الفوضى والحروب وتصدير الثورة، إلى آخر الشعارات الغوغائية التي ترفعها منذ الثورة قبل نصف قرن تقريباً، وإلى أهداف إسرائيل بإدخال المنطقة برمتها في حروب طوائف لا نهاية لها، وتدمير اقتصادات الخليج التنموية لتتحول إلى اقتصادات حروب.
أما السبب الثالث فإنه على رغم أن لدى دول الخليج قوة جوية ضاربة وصواريخ بعيدة المدى تصل إلى أقصى نقطة في إيران لكنها لن توجعها أكثر من الضربات الأميركية والإسرائيلية، فلماذا الدخول في حرب يخوضها الآخرون نيابة عنك إن كان بإمكانك تجنبها؟ ولنستثمر في ضبط النفس هذا مستقبلاً لدى الشعوب الإيرانية بأننا لم نهاجمهم وإنما بلادهم هي التي هاجمتنا، فالاستثمار في المستقبل منبعه أننا جيران وأننا يوماً سنتعايش معاً كجيران لا كأعداء، سواء بقي النظام أو تلاشى وسقط.
سيخرج الخليج أقوى مما مضى على رغم الخسائر البشرية والمادية، فقد أثبت قدرة وبسالة في التصدي والردع، وأظهرت قواته الدفاعية الجوية قدرة على التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية فاقت نسبة نجاحها نسبة تصدي أميركا وإسرائيل لها، على رغم أن ما أطلقته إيران على دول الخليج أضعاف مضاعفة لما أطلقته على إسرائيل.
وكذلك أثبت دول الخليج شجاعة في التروي وبعد النظر ورباطة الجأش بعدم الانزلاق في أتون الحرب الشاملة التي تستهدفها إسرائيل وأميركا، وتتمناها إيران لخلط الأوراق وحرق المعبد بمن فيه، وخسائر الخليج يمكن تعويضها بحفاظه على بناه التحتية، فصحيح أن دوله تضررت سياحياً ومالياً لكنها خرجت من هذه الحرب متماسكة الصفوف، وستعمل على مزيد من رص الصف الخليجي وتراجع تحالفاتها العربية والإقليمية والدولية، وتصوغ خطاباً مختلفاً عما مضى بخصوص هذه التحالفات.
رابعاً إيران
قبل محاولة التعرف إلى مفهوم النصر بالنسبة إلى إيران علينا أن نتأكد بأن هناك إيراناً واحدة اليوم، فالتصريحات المتناقضة بين الرئيس مسعود بزشكيان و”الصقور” توحي بأننا أمام إيرانيْن وربما أكثر، وما بثّه التلفزيون الإيراني مساء أمس لخطاب يفترض أنه للمرشد الجديد مجتبى خامنئي يعكس غموضاً وتضارباً داخل معسكر “الصقور” أنفسهم، لكن لو افترضنا أن النظام الإيراني بقي متماسكاً على رغم الضربات والاغتيالات، فكيف سيعرّف النصر؟
إن مفهوم النصر لدى الأنظمة والأحزاب الشمولية متماثل، فصدام حسين احتفل بالنصر على إيران بعد ثمانية أعوام من حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس، لكنه اعتبر النصر بقاء نظامه واستعراضاته العسكرية، وكرّر ادعاء النصر والاحتفال به بعد حرب تحرير الكويت على رغم أن تلك الحرب حولت العراق إلى حطام والجيش العراقي إلى شذر مذر، ومثله زعيم “حزب الله” الإيراني في لبنان حسن نصرالله، فقد عدّ أنه انتصر على إسرائيل بعد حرب عام 2006 على رغم أن لبنان تحول إلى جنائز وخرائب ومشردين مع دمار عظيم، لكن بقاء الحزب وأمينه العام يعني النصر المبين في عيون نصرالله ومؤيديه.
وهكذا الأمر في إيران اليوم، فعلى رغم أن الخطاب المزعوم للمرشد الجديد قد وضع شروطاً لوقف الحرب ومنها طرد القواعد الأميركية من المنطقة ودفع التعويضات والثأر للقتلى وضمان عدم الهجوم على بلاده ثانية، لكن هذه مطالب يمكن التنازل عنها جميعاً إذا ما ضُمن بقاء النظام، فهذا هو الانتصار العظيم الذي سيحاول تسويقه للبسطاء والمنكوبين من أبناء الشعوب الإيرانية.
خامساً المجتمع الدولي
بتبني مجلس الأمن عبر إجماع غير مسبوق قبل ليلتين القرار رقم (2817) الذي قدمته المجموعة الخليجية والأردن “ويدين بشدة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد دول الخليج والأردن، ويطالب بوقف فوري وشامل لهذه الاعتداءات”، يكون المجتمع الدولي قد أحكم العزلة الدبلوماسية على إيران وأظهر إجماعاً غير مسبوق على الأضرار التي تسببها طهران باعتداءاتها على دول الخليج والملاحة الدولية في مضيق هرمز والاقتصاد العالمي، ويمكن أن يبني المجتمع الدولي على هذا القرار للضغط على إيران بإيقاف هجماتها على دول الجوار العربي الخليجي، أملاً بوقف كامل لإطلاق النار بين المتحاربين ووقف الاقتصاد العالمي من الدخول في أزمة خانقة غير مسبوقة.
هذه سيناريوهات النصر لدى الأطراف الرئيسة في هذه الحرب المدمرة، لكن إشعال الحروب أسهل من إيقافها ولا أحد متأكد متى ستنتهي هذه الحرب، فبنهايتها تبدأ تصفية الحسابات وعدّ الخسائر والاستنتاجات حين يختلف مفهوم النصر من طرف إلى آخر، لكن المنتصر الأول بوضع الحروب أوزارها في منطقتنا هو الإنسان، وشعلة الأمل بالسلام وبمستقبل آمن ومستقر ومزدهر للأبرياء في هذه المنطقة من العالم التي أنهكتها الحروب والصراعات، ولوثت عقولها العنتريات والأيديولوجيات الهدامة.
اندبندنت عربية
