انزلق الصراع وانتقل أتون الحرب الإسرائيلية – الأميركية على الإيرانية إلى لبنان وأصبح لبنان بكامله تحت نيران الصواريخ. فالدخول المباشر في الحرب يضع هذا البلد في ساحة مواجهة مفتوحة لها تداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب مشكلة وأخطار تهجير ونزوح السكان من مناطقهم إلى مناطق أخرى نتيجة القصف الإسرائيلي، بخاصة في المناطق الجنوبية والبقاعية وغيرها، مما يكبّد خسائر بشرية وغير بشرية، مباشرة وغير مباشرة، لا سيما على مستوى الدورة الاقتصادية، وينعكس شللاً في قطاعات واسعة ويعمّق الانكماش، بخاصة أن الاقتصاد اللبناني هش ولم يتجاوز حتى الآن تداعيات الانهيار المالي، ما يجعل قدرته على تحمّل صدمة جديدة أضعف بكثير.
على وقع حرب إقليمية – دولية تطبع آلة الحرب تداعيات معقدة وخطيرة على الاقتصاد اللبناني. وبعد اندلاع الحرب يتّجه النقاش نحو البعد العسكري، لكن البعد الاقتصادي سيكون قنبلة موقوتة تمسّ كل مَن وما على الأرض اللبنانية.
وفي هذا السياق، فإن المواجهة الواسعة في الخليج تضع العالم في وضع صعب ومحرج بعد توقف مضيق هرمز، ما يضع إمدادات النفط العالمية في ورطة كبيرة مما يسبب ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار النفط. ولبنان الذي يستورد كامل حاجاته من المحروقات سيجد نفسه أمام حالة سيئة جداً وموجة تضخم تضرب كلفة النقل والكهرباء والمواد الغذائية والسلع الأساسية، وهذا يعني تآكلاً إضافياً في القدرة الشرائية التي فقدت معظم قيمتها، حيث تُعدّ هذه كارثة تحلّ على المجتمع اللبناني الذي أصبح في حالة استنزاف اقتصادي ومالي.
كما أن ارتفاع كلفة الشحن البري والتأمين سيضاعف فاتورة الاستيراد التي تبقى رهينة تقلبات الأسواق، خاصة وأن لبنان يعتمد على استيراد معظم مواده الغذائية، فإنه سيؤثر بشكل كبير جداً على ارتفاع أسعار الطاقة والحبوب… ما يُنتج تضخماً يطول الفئات الأكثر فقراً وهشاشة.
كان لبنان في طور انتعاش اقتصادي محدود كان قد بدأه بعد سنوات من الأزمة الاقتصادية، فجاءت الحرب مدمّرة على الاقتصاد والمجتمع، خاصة أن معظم قطاعات الاقتصاد اللبناني قد توقفت. وقد يتفاقم الوضع إذا استمرت الحرب ما قد يؤدي إلى مزيد من الانخفاض من ناتجه المحلي الإجمالي وزيادة في عجز الموازنة وانهيار مالي بنسبة كبيرة، لا سيّما أن الإنفاق يتقلّص أكثر فأكثر وسط المعاناة والتهجير. هذا وقد بلغت خسارة الحرب الأخيرة على لبنان 8.5 مليار دولار أميركي وفقاً لتقرير البنك الدولي، كما خسر ما يقارب من 10 إلى 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الذي أفضى إلى نمو سلبي.
يشهد العالم ضغوطاً اقتصادية تتزايد يوماً بعد يوم نتيجة الحرب الجارية وتداعياتها الكارثية على أسواق النفط والغاز العالمية، إذ ترتفع أسعاره بشكل ملحوظ وتبقى رهينة التقلبات العالمية. أما في لبنان، فأي ارتفاع في أسعار النفط يؤدي إلى زيادة في كلفة الكهرباء التي تعتمد بشكل كبير على المولدات الخاصة، كما تتصاعد كلفة النقل والشحن البحري والتأمين على الحاويات، ما ينعكس سلباً على أسعار المواد الغذائية المستوردة، وكل هذا يزيد من التضخم كما يضعف قدرة الليرة الشرائية وقيمتها التي أصبحت سلعة بعد أن أصبح السوق مدولراً وأصبح بسعر 89.000 ليرة لبنانية للدولار الأميركي. ونظراً لارتفاع معدل الدولرة فسترتفع أسعار الواردات نتيجة سعر النفط وكلفة التأمين، خاصة أن لبنان يعتمد أساساً بشكل كبير على البضائع والسلع المستوردة. ومع كل اهتزاز في الدولار وتدهور جديد في سعر الصرف ترتفع الأسعار في ظلّ اقتصاد مدولر فعلياً.
ويتصدّر قطاع السياحة والتجارة والخدمات قائمة القطاعات المتضرّرة وتتبعه قطاعات المحروقات المتأثرة بالأسعار العالمية المتصاعدة. وتتّضح الصورة أن إطالة أمد الحرب سيهدّد بانهيار اقتصادي شامل في لبنان يطول مختلف القطاعات: السياحة وهي آخر مصادر العملة الصعبة وحركة المطار بعد أن أوقفت معظم شركات الطيران – بخاصة الخليجية – رحلاتها إلى مطار بيروت، والصناعة والزراعة بعد نزوح المزارعين الجنوبيين من أرضهم بعد أن أصبحت أرضاً محروقة، والتجارية، وإغلاق أبواب بعض الشركات والمصانع وهجرة الصناعيين وتسريح موظفيهم…
إن كل ما تقدم – وغيره – قد يدفع بالاقتصاد إلى انكماش جديد مع ركود عميق ويوصل الأمان الاجتماعي إلى مرحلة تدهور اجتماعي تداعياته خطيرة، وخاصة بعد نزوح قسري لأهل القرى والبلدات من بيوتهم وقراهم واضطرار بعضهم إلى الخضوع لرحمة المؤجرين أصحاب المنازل المعروضة للإيجار بأسعار مرتفعة في مناطق أخرى، ما قد يفضي إلى تغييرات ديموغرافية.
هل يستطيع الاقتصاد اللبناني امتصاص الصدمات إذا امتدت فترة الحرب في وقت تتقاطع فيه الاعتبارات الأمنية مع الضغوط الاقتصادية والمعيشية في ظل محاولة السلطات اللبنانية احتواء الأزمة عبر خطط طوارئ وتكثيف الاتصالات الدبلوماسية لخفض التصعيد؟

