عاد مصطفى (اسم مستعار) إلى قريته في ريف حماة الشمالي بعد غياب امتدَّ أحد عشر عاماً. لم يكن متأكداً أكان يبحث عن منزله فعلاً، أم عن ذاته التي تركها هناك يوم رحل. وحين وصل، لم يجد الباب الأزرق العالق في ذاكرته، ولا شجرة التين التي كانت تتوسط المشهد أمام البيت. حتى الطريق الترابي المؤدي إليه بدا مختلفاً. يقول: «كنت أعتقد أن أصعب ما في العودة هو الطريق، لكن الأصعب كان أن أصل ولا أعرف المكان».

منذ الثامن من كانون الأول (ديسمبر) عام 2024، شعر كثير من السوريين أنّ ما بدا مستحيلاً لسنوات صار أمراً ممكناً أخيراً. فمع سقوط النظام الأسدي انهار أحد أكبر الحواجز التي حالت دون عودة ملايين السوريين إلى مدنهم وقراهم. لكن، مع أولى موجات العائدين عشية السقوط، اتضح أنّ تعقيدات هذا الملف تتجاوز إزالة حاجز أمني أو انتهاء خطر الاعتقال، وأن «العودة» لا تُختَزل في قرار أو رغبة عاطفية، بل هي مسار مركّب ومحفوف بتحديات بنيوية واجتماعية واقتصادية، تجعل من «الوطن» مكاناً يحتاج إلى إعادة اكتشاف، ومن العودة نفسها نوعاً من «الاغتراب الجديد» على حدِّ تعبير مصطفى، وهو يُحاول استعادة تفاصيل منزله الذي طال النهب والتخريب كل شيء فيه.

التهجير والنزوح.. مدخل لفهم العودة 

قد يبدو من التبسيط المُخلِّ في فهمنا لمسألة العودة أنها مجرّد طريق معاكس للنزوح، لكن هذا ليس صحيحاً لأن الناس «لا يعودون إلى بيوتهم كما غادروها، ولا تعود البيوت كما تُركت». مثلما يصف مصطفى. فالعودةُ ليست انتقالاً جغرافياً فحسب، بل هي مسار معقّد يبدأ من تجربة التهجير نفسها، من الخوف الذي رافق الخروج، ومن علاقات الناس بالمجتمعات التي استقبلتهم، ومن أنماط الحكم التي عاشوا تحتها، ومن الحِيل الصغيرة التي ابتكروها لكي يحموا أنفسهم ويواصِلوا حياتهم، وحين تحين ساعة العودة، يحمل الناس معهم هذه التجارب قبل أن يحملوا حقائبهم.

تستند هذه المادة إلى لقاءات وشهادات مُتفرّقة مع عائدين من مخيمات الشمال السوري ومن لبنان، فضلاً عن ملاحظات ميدانية حول دوافع العودة وتحوّلاتها. ولا تُقدّم هذه الشهادات صورة مُكتملة عن جميع العائدين، لكنها تفتح نافذة على تعقيدات تغيب عادة في لغة الأرقام أو في البيانات الرسمية. فـ«العائدون» ليسوا كتلة متجانسة، ولكل فئة منهم ذاكرتها الخاصة عن النزوح، وعلاقتها المختلفة بالمكان الذي احتضنها، وخوفها المختلف من المكان الذي تعود إليه.

يكشف كثير من هذه اللقاءات أنّ تجارب النزوح لم تكن واحدة. فمن عاشوا في الشمال السوري حملوا ذاكرة القصف والتهديد اليومي، بينما عاش كثير من اللاجئين في لبنان نوعاً آخر من الخوف: خوف من التضييق والتمييز وفقدان العمل، إلى جانب الهشاشة القانونية، والإحساس الدائم بأن وجودهم مؤقت ومُهدّد. أمّا من لجأوا إلى تركيا أو الأردن، أو تنقّلوا بين مناطق خاضعة لسلطات مختلفة داخل سوريا، فقد اختبروا علاقات ومؤسسات وقواعد حياة متباينة، تركت أثرها في نظرتهم إلى الدولة والمجتمع والحقوق والأمان.

بين طوعية القرار وإكراه الضرورة

عند فحص دوافع العودة، يتضح أن وصفها بـ «عودة طوعية» خالصة لا يعكس الواقع بدقة؛ فالقرار لم يصدر، في أحايين كثيرة، عن شعور بالأمان، إنما رَجَحَت كفته نتيجةً لانحسار البدائل. فخلال لقاءاتنا مع كثير من العائدين من المخيمات شمالي سوريا، أو المخيمات في لبنان، تكرّرت الإشارة إلى التراجع المضطرد في الدعم الإنساني. ومن جهة أخرى، كانت العائلات تُغادر تباعاً نحو قراها الأصلية، وقد وصفت إحدى النساء ذلك: «في البداية كنّا نقول إننا سننتظر قليلاً، لكن حين بدأت الخيام تفرغ شعرنا أننا بقينا وحدنا». دفع هذا الإحساس بالعزلة كثيرين إلى العودة، حتى مع معرفتهم المُسبقة بأن مناطقهم مُدمّرة أو تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. بالنسبة لهؤلاء، لم تكن العودة خياراً حراً، بل «خيار الضرورة» بحسب تعبيرهم.

في حالات أخرى، لعبت المِلكيات دوراً حاسماً في قرار العودة. فقد تلقى كثير من المهجّرين أنباءً عن تعديات طالت أراضيهم أو منازلهم، خصوصاً في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية واسعة، غابت معها حدود المِلكيات ومعالمها. يقول أحد العائدين من ريف حماة: «كنت أعرف أن البيت مهدّم، لكني خفت أن أصل بعد سنة فلا أجد حتى الأرض».

كما دفعت القيود القانونية والإدارية في دول مثل لبنان وتركيا، كثيرين إلى التفكير في العودة وهم غير مستعدين لها، فصعوبة تجديد الإقامة، والخشية من المخالفات، والتضييق على فرص العمل، وتراجع القدرة على تسويغ البقاء، كلها عوامل جعلت المنفى أشدَّ مرارة، حتى بدت معها العودة خياراً أقل قسوة.

غير أن الضرورة لم تكن الجانب الوحيد، فقد ظهرت العودة بوصفها «فرصة» بالنسبة لأصحاب المهن والحرف حين تلمّسوا ما تتيحه مناطقهم وما يجاورها من فرص واعدة، ولا سيما في المهن والحرف المرتبطة بالترميم وإعادة البناء، وهو ما يؤكّده عبد السلام (اسم مستعار) من أمام محله لتركيب الألمنيوم، الذي افتتحه على عجل وبالحد الأدنى من الأدوات اللازمة، فيقول: «يكفينا ما عانيناه من ضغوط واستغلال وظروف عمل مُجحفة، هنا بين أهلنا وناسنا يمكن أن أعمل بالحد الأدنى لكنني راضٍ عن ذلك، الأهم أني سيد نفسي والمحل سيكبر وتتوسع الأعمال، الناس بدأت ترجع وتساعد بعضها، وأنا مع كلّ نافذة أُصلِحها أو رفِّ مطبخ أركبه أعرف أني أساعد عائلة لكي ترجع لأرضها وبيتها».

في الحديث مع عبد السلام تظهر العودة بوصفها «فرصة»، تتجاوز المورد المادي إلى استعادة الحضور والتموضع المجتمعي في قريته من جديد. وإدراكه لهذا الواقع الجديد ولدوره فيه يدفعه أحياناً إلى تقديم بعض الخدمات مجاناً، أو حتى العمل بالتقسيط، أو بنزرٍ يسير من الربح على حدِّ قوله. مع ذلك، لا ينبغي الإفراط في التفاؤل؛ فالاقتصادُ المحلي الذي يستقبل هؤلاء هشٌّ ومحدود، والطلب فيه مرتبط بقدرة الناس على ترميم بيوتهم بما لديهم من مقدّرات، في ظلِّ غياب شبكات التمويل والإقراض والحماية الاجتماعية التي تُتيح تحويل مثل هذه المبادرات الفردية إلى تعافٍ محلي حقيقي.

كما ارتبط قرار العودة، في حالات أخرى، بإعادة التموضع داخل المشهد المؤسساتي والإداري الجديد، فبعض من عملوا سابقاً ضمن تشكيلات عسكرية أو أمنية، أو ضمن هياكل إدارية في مناطق الشمال، وجدوا في التحولات الراهنة فرصة للصعود الوظيفي وشغل مواقع إدارية، أو حتى كمورد دخل بديل. وعلى الرغم من أنه لا يمكن تعميم هذه الحالة، إلاّ أنها تكشف جانباً آخر من العودة. فليست كل عودة محكومة بالحنين وحده، بل قد تكون أيضاً محاولة للالتحاق بترتيبات القوة الجديدة، أو حماية موقع اجتماعي ووظيفي مُهدّد بالضياع.

أمّا كبار السن، فكانت العودة بالنسبة إليهم أقرب إلى استعادة مكان يعرفون كيف يعيشون فيه. فكثير منهم لم يغادر طلباً لحياة جديدة، بل لأن الخوف على أبنائهم من الاعتقال أو القتل دفعهم إلى الرحيل. وقد عاشوا سنوات النزوح كضيوف ضاقوا بأنفسهم، في أماكن لم يألفوا لغتها اليومية ولا علاقاتها ولا إيقاعها. وحين شعروا بتراجع دواعي الخوف، عادوا إلى ما تبقّى من بيوتهم وذاكرتهم، لا لأن العودة سهلة، بل لأن الغربة صارت أصعب.

بين مجتمعي العائدين والمقيمين، كيف يُعاد تشكيل سوريا؟ 

مع العودة برزت، في بعض المناطق، توترات صامتة بين من بقي ومن عاد، بين من يرى نفسه «صاحب الأرض الذي صمد» ومن يرى نفسه «ضحية اقتُلعت من مكانها». هذه السرديات المُتقابلة لا تتبدى دائماً علانية، لكنها تتسلل إلى تفاصيل الحياة والعلاقات اليومية: في أولوية الحصول على فرص العمل، وتوزيع المعونات، والخلاف على المِلكيات، بل حتى في اللغة المستخدمة لوصف السنوات الماضية.

تتضاعف حساسية هذه التوترات حين تتداخل مع تبدلات السلطة بعد سقوط نظام الأسد؛ فالمجتمع الذي يستقبل العائدين ليس هو ذاته الذي غادروه. ثمة علاقات انقطعت، وأخرى تبدّلت بفعل الخوف أو الفقر أو الولاءات، فيما أضحى بعضها محكوماً بسؤال غير معلن: من كان على حق؟ من دفع الثمن الأكبر؟ ومن يملك مشروعية التحدث باسم المكان؟ هنا تحديداً يُصبح ملف العودة أكبر من شأن إنساني أو خدمي. إنه اختبار لقدرة السوريين على منع تحوّل الذاكرة إلى محكمة يومية، والحيلولة دون أن يُنتِج الألم تراتبية جديدة بين الضحايا.

العودة بهذا المعنى، ليست استعادة للماضي، بل تفاوضٌ شاقٌ على مستقبل مشترك. ولا يكفي أن تُفتح الطرق أو يعود الناس إلى أراضيهم وبيوتهم؛ فالمطلوب هو مقاربة تُعيد بناء المجال الاجتماعي نفسه، فترى في العائدين أصحاب تجارب وحقوق وذاكرات مختلفة، لا أرقاماً في سجلات الحركة السكانية. كما ترى في المقيمين الذين عاشوا سنوات الحرب داخل المكان، جماعة أنهكها البقاء كما أنهك النزوحُ غيرها.

إن العودة السورية اليوم هي عملية «إعادة دمج» مُعقدة بين مجتمعي العائدين والمقيمين، وهما مجتمعان متفاوتان في درجة الهشاشة والقوة تبعاً لسياق كل منطقة وما يملكه كل طرف، أو كان قد فقده، من مقومات. تُضاف إلى كل ذلك السرديات المتقابلة وصدامها القائم – أو القادم لا محالة – بين خطابي النصر والتبرير، وما يُعززه ذلك من هويات حسّية وثقافية واجتماعية ودينية وسياسية. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع ملف العودة كمسألة خدمية فقط، لأن هذا الاختزال قد يُسهم – بقصد أو من دونه – في تعميق التوترات القائمة، بل ينبغي النظر إلى العودة باعتبارها مشروعاً وطنياً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، يتجاوز فكرة الرجوع إلى المكان، ليجعل منها فرصة لإعادة تعريف المكان والمجال الاجتماعي كمساحة للتلاقي والاعتراف والعيش المشترك.