.
في أزمنة الحروب تُوضع الخرائط على طاولة القادة، فالحرب تحتاج إلى رقعةٍ جغرافية وإلا فقدت هيبتها. لكن الخرائط، في عصر التكنولوجيا، تقف في الشاشات، وليس أمام قادتها سوى توجيه الأوامر للتحكّم في المعركة. وحين ظهرت الكُتب فجأةً على مكاتب القادة، أعادت إلى الطاولةِ والورق هيبتهما.
ربّما لم يكن بنيامين نتنياهو أول من حرص على إظهار كتابٍ على مكتبه خلال خطاب سياسي، لكنّه أثار الانتباه إلى هذه البدعة أكثر من غيره، إذ ظهر في خطابٍ مصوّر له كتابُ “الحلفاء في الحرب… كيف شكّلت صراعات القوى المتحالفة الحرب والعالم”، للمؤرّخ البريطاني تيم بوفري. وبعد فترة قصيرة، وفي خطابٍ عن الحرب نفسها، ظهر كتاب “الإقامة على الأرض” للشاعر التشيلي بابلو نيرودا، على مكتب إيمانويل ماكرون في خطابه عن الوضع في الشرق الأوسط.
لماذا وضعا كتباً على مكتبيهما في أثناء خطابيهما؟ لن يتخيّل أحدُنا أن نتنياهو يقرأ في هذه الحرب، بدل أن يتابع جنرالاته وهم يقصفون المدنيين في إيران ولبنان، أو أن ماكرون يلجأ إلى الشعر بدل مراقبة الحرب بعينِ صقرٍ ينتظر فرصةً ليربح منها شيئاً. إذن “في الأمر إنّ”، لا غير. قد تُفسّر دلالةُ الكتاب الأول بأن نتنياهو يقدّم نداءً للتحالف ضدّ عدوّ مشترك، وهو الذي أعلن الحرب على إيران برفقة الحليف الأميركي، مع العلم أنهما ليسا حليفَين إذا توخّينا الدقّة، بل دولة واحدة لها فرع في الشرق الأوسط. بينما جمعت الحرب العالمية الثانية جارَين لدودَين هما فرنسا وبريطانيا ضدّ الجار الثالث المؤذي.
في حالة ماكرون الذي يُراقب الوضع، يتماشى الكتاب مع موقفه، فـ”الإقامة على الأرض” مختاراتٌ شعرية ضخمة، تتطرّق، كما في كثيرٍ من قصائد نيروداـ إلى مسائل الحرب والسلام، والعدالة والإنسانية. هذه الرسالة تتسم برمزية سياسية في خلفية الخطاب، قد تُفهم على أكثر من مستوى، لكنّها ليست الوحيدة، فقد وُضع إلى جوار الكتاب، جندي نابليوني صغير على المكتب، ونابليون كما نعرف هو الإمبراطور الجبّار الذي مثّل عهده إحدى أهم فترات المجد الفرنسي، هل يحلم ماكرون بفرنسا نابليون المهاجمة أو المدافعة؟
في الحرب العالمية الثانية، بحسب كتاب تيم بوفري، استغرقت الولايات المتحدة زمناً حتى التحقت بالحرب، بعد أن هُزمت فرنسا، والتحقت إيطاليا بألمانيا لتشكّلا محوراً نازياً فاشياً يمينياً. في الوقت الراهن، تبدو إسرائيل وأميركا في موقفيهما أقربَ إلى ألمانيا وإيطاليا، خصوصاً أن ألمانيا هي من أعلنت الحرب. لعلّ الفكرة المختارة للكتاب هي أن عُصبة الحلفاء تفوز دائماً، لكنّها في حالة الحرب الحالية عُصبةٌ صغيرة ومُفترية، هاجمت دولةً لم تؤذها بشكل مباشر، مُخاطِرةً بحربٍ شاملة في المنطقة، بينما الصراع مع ألمانيا اقتصر على المحيط الإقليمي للأطراف المتحاربة، في معظم مراحله.
يؤرّخ “الحلفاء في الحرب” للتحالف بين بريطانيا وأميركا والاتحاد السوفييتي، التي وحّدت مواردها. وهو السبب الجوهري وراء عدم انتصار هتلر وحليفه الياباني. بدأ التحالف بين بريطانيا وفرنسا، ثم وجدت بريطانيا نفسها وحيدةً إلى حين التحاق الأميركيين.
أشار بوفري إلى أن الرأي العام الأميركي، آنذاك كما هو الحال الآن، كان متخوّفاً من التورّط في شؤون خارجية. وكان تشرشل يعلم أن ألمانيا لا يمكن هزيمتها من دون مساعدة الولايات المتحدة. وبعد غزو ألمانيا الاتحاد السوفييتي في يونيو/ حزيران 1941 سارع إلى إقامة شراكة مع جوزيف ستالين. من مزايا الكتاب الذي ركّز على العلاقات بين الحلفاء؛ تشرشل وروزفلت وستالين، بحسب “الغارديان”، أنه أظهر مدى تعقيد الدبلوماسية في زمن الحرب بين “الدول الثلاث الكبرى”.
كان العدو المشترك هو ما جمع التحالف، لكن العلاقات كانت متوتّرةً في كثير من الأحيان. فيما اعتقد روزفلت خطأً أنه قادر على التعامل مع ستالين، كما يبدو أن ترامب يعتقد أنه قادر على التعامل مع بوتين. هل يرجو نتنياهو أن تنضمّ روسيا إلى الحلف ضدّ إيران أو غيرها؟ في حرب قد تصبح، إذا واصلت امتدادها، الحربَ العالميةَ الثالثةَ التي خُوِّفنا منها كلّ عام وهُدّدنا بها.
العربي الجديد
