حتى اللحظة هناك منتصران في هذه الحرب. وقد يخرج منها منتصر ثانوي. أميركا منتصرة بلا شك، وإيران أيضاً. إسرائيل من جهتها ما زالت تبحث عن انتصارها وتحديد معناه. حتى اللحظة، وبخلاف كل التحليلات السهلة والمتوارثة، لا يمكن الحديث عن انتصار إسرائيلي في هذه الحرب. والأرجح أن قادة إسرائيل يبحثون عن انتصار في لبنان، لأن الانتصار في إيران صعب التحقق.
بالنسبة لترامب يبدو انتصاره غير قابل للتشكك. لقد نجحت قواته في تدمير معظم البنية العسكرية الإيرانية، وطائراته تجوب السماء الإيرانية من دون رقيب. وهذا انتصار عسكري، بمنطق الدول، لا غبار عليه، ولا يمكن لأي كان التشكيك فيه. لكن هذا الجانب ليس الوحيد في تعريف هذا النصر. إذ نجحت هذه الحرب منذ أيامها الأولى في تحويل إيران من دولة تقيم علاقات متشابكة مع محيطها القريب والبعيد، إلى دولة لم تعد صالحة للاستثمار في استقرارها وازدهارها. فحتى لو انتهت الحرب اليوم، وامتنعت إيران عن تهديد الملاحة في مضيق هرمز، فإن فائدتها للدول التي كانت تجد فيها فائدة (الصين وروسيا والهند) لم تعد مضمونة. وقف إطلاق النار اليوم يعني أن إيران لن تكون قادرة على أن تكون مفيدة على المستوى الجيواستراتيجي لروسيا، الغارقة هي الأخرى في حرب استنزاف لا تنتهي. ولن تكون أيضاً مفيدة للصين، التي كانت ترى فيها مورداً لما تحتاج إليه من نفط منخفض التكلفة، لأن شرط استمرار تدفق النفط وإنتاجه وتكريره، يعتمد من دون شك على استقرار المنطقة أمنياً، بحيث يمكن للنفط الإيراني أن يعبر المضائق، حتى لو كانت السفن التي تنقله ترفع أعلاماً غير إيرانية (عراقية على سبيل المثال). بكلام آخر، إن شرط تصدير النفط الأهم هو زوال التهديد الأمني عن الجميع.
هذا الواقع المستجد يثبت لترامب أن انتصاره تحقق. وأن هذه الحرب أدت في ما أدت إليه من نتائج، إلى إضعاف القدرة العسكرية الإيرانية إلى حد بعيد، وتحويل سلاحها من سلاح دولة إلى سلاح عصابات. وبين الصراع مع الدولة والصراع مع العصابة ثمة فارق جوهري، يسمح لأميركا أن تتابع ضغطها العسكري والاقتصادي على إيران، من دون أن تلقى أي اعتراض.
إيران أيضاً منتصرة. ذلك أن الانتصار الإيراني، وفق ما يعلنه مسؤولوها، يعني ببساطة، أن هذه الدولة لم تستسلم. لم يعد الانتصار يعني فك الحصار الاقتصادي، ولم يعد يعني معالجة المصاعب الاقتصادية، ولم يعد يعني، أيضاً، أن تظن إيران نفسها دولة كبرى، أكبر من جيرانها طبعاً، وتوازي الصين والبرازيل والهند.
الانتصار بالتعريف الإيراني هو النجاح في تجنب الاستسلام لأقوى قوة في التاريخ. وما يترتب على هذا الانتصار والتأكيد عليه، يغذي فكرة ترامب عن الانتصار عليها. ذلك أن إيران ستحاول لوقت طويل أن تثبت أنها ما زالت قوة يحسب لها حساب، من خلال ولوغها في أعمال القرصنة التي تهدف إلى تعطيل دور الاقتصاد العالمي، على الأقل في بعض جوانبه. وهذا ما ينقلها من خانة الدولة المهزومة إلى خانة العصابة المنتصرة. لهذا لم تتأخر كثيراً في البدء بتنفيذ سياسات ما بعد انتصارها. وأعلنت بوضوح أنها ستهدد بكل ما تملكه دول المنطقة واستقرارها. ما يعني أن الخلفية التي تحكم هذا السلوك، تفترض أن فرض التوتر الأمني على المنطقة المحيطة بحدودها يعني أن الهيمنة الأميركية غير متحققة فيها. وهذا يساعدها على الظن بأنها تؤدي خدمة جليلة لمنافسي أميركا على موقع الدولة الأقوى، لكنه ينهي، بالضربة القاضية، أي أمل في عودة إيران إلى حلم الاندراج في ماكينة توازنات عالمية تلحظ لها دورا ما.
باختصار إيران منتصرة لأنها خرجت على نحو شبه تام من الانتظام العالمي، الذي يؤمن الاستقرار الهش الذي يحكم طبيعة السياسات الدولية منذ عقود.
من جهتها إسرائيل لم تحقق أي إنجاز في هذه الحرب. ذلك أن تحقيق طموحاتها يشترط إقراراً إيرانياً بالهزيمة. في هذه الحال تصبح الدولة الوحيدة التي شاركت أميركا نصرها. وعليه، فإن ذلك ينعكس حكماً على صلابة موقعها في المنطقة في مواجهة القوى الإقليمية التي تهدد هيمنتها عليها وتمنعها من تحقيقها، وفي مقدمها تركيا والمملكة العربية السعودية.
والحال، فإن النتيجة الماثلة للعيان المترتبة على هذه الحرب تثبت أن إسرائيل لم تنجح في صناعة دور أكبر مما كان عليه دورها في المنطقة. ومرة أخرى ستجد نفسها مدفوعة، بسبب هذا الإحباط المعنوي، إلى محاولة تحقيق نصر في لبنان. فإن لم تنجح في اكتساب صفة الدولة الإقليمية الكبرى، فربما تنجح في اكتساب صفة الجندي الذي ينجح في ربح معاركه، لكنه يعجز أن يصبح ملكاً. والفارق بين ربح المعركة والتنصيب الإمبراطوري لا يخفى على أحد.
يبقى أن الخاسرين في هذه الحرب لا يحصون عدداً.
لنبدأ من تركيا التي أنتجت هذه الحرب لها جارا متمرداً ومتقلقلاً، إلى الخليج العربي الذي تستهدفه النار الإيرانية، لا لسبب، إلا لأن هذه النار لا تستطيع أن تصل إلى أهدافها، فتقرر حرق ما تطاله ألسنتها. إلى الصين التي خسرت مورداً للطاقة وعليها أن تبحث من جديد على بدائل. وروسيا التي تجد نفسها اليوم على الحافة التي سقطت عنها إيران. لكن هذه القوى جميعاً، قادرة على تقليص خسائرها. في حين أن المهزوم الفعلي في هذه الحرب هو شعوب إيران ولبنان وربما العراق، الذين أصبحوا مجرد رهائن، وباتوا مهددين في سلامتهم وقوت يومهم. ذلك أن هذه الحرب نزعت عنهم كل حصانة. وجعلتهم هدفاً معلناً لطرفي هذه الحرب.