في حين يخشى الأوروبيون أن يؤدي توسع الصراع إلى تهديد استقرار شرق المتوسط وارتفاع أسعار الطاقة وتحويل اهتمام الولايات المتحدة بعيداً من الحرب في أوكرانيا، يقول مراقبون إن جميع الخيارات متاحة، فيما صرّح عضو لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة إلى “اندبندنت عربية”، بأن “لا أحد يريد أن يظهر وكأنه يعارض الولايات المتحدة أو إسرائيل بصورة مباشرة”.
مع تصاعد حدة الحرب في إيران، تتحول منطقة شرق المتوسط تدريجاً إلى ساحة تمركز عسكري للقوى الغربية، حيث تتزايد التحركات البحرية والجوية في محيط المنطقة. فبعد أكثر من أسبوع من تعرض قاعدة جوية بريطانية في قبرص لهجوم بطائرة مسيّرة، أبحرت السفينة الحربية البريطانية “أتش أم أس دراغون” إلى شرق المتوسط، لتلتحق بعدد من الطائرات الحربية التي نُشرت في قاعدتها الجوية. وأرسلت فرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا وإسبانيا فرقاطات وسفناً حربية ومقاتلات، فيما تستعد هولندا لإرسال الفرقاطة “إيفرستين” وأرسلت تركيا طائرات “إف 16” وأنظمة دفاع جوي.
وبينما تبدو هذه التحركات للوهلة الأولى جزءاً من تصعيد عسكري أوسع، تشير تقديرات دبلوماسية أوروبية إلى أن الهدف الأساس منها يتمثل في إظهار الحضور والردع أكثر من التحضير لمواجهة مباشرة ضد إيران. فرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أبدى موقفاً واضحاً من رفض التورط في الحرب، إذ قال أمس الأربعاء إنه يرغب في “خفض التصعيد” في الشرق الأوسط، مما يتعلق جزئياً في رغبته تجنب التورط في الحرب في وقت يواجه حزب العمال الحاكم مشقات سياسية في الداخل، فهو يرغب في وقف ارتفاع فاتورة الطاقة وعدم مواجهة موجة جديدة من التضخم بينما تقترب الانتخابات المحلية.
وفي حين أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً داعماً لحلفائه في واشنطن وتل أبيب، عندما كتب في الأول من مارس (آذار) الجاري “هذا ليس الوقت المناسب لإلقاء المحاضرات على حلفائنا، بل للوقوف معاً بوحدة”، ظهرت بعد 10 أيام خلافات واضحة داخل الاتحاد الأوروبي، أبرزها معارضة إسبانيا الصريحة للعملية الأميركية-الإسرائيلية وانتقادات فرنسا.
وبصورة عامة فإن المزاج الأوروبي يميل نحو تجنب التورط في صراع الشرق الأوسط، إذ ينصب تركيز الأوروبيين على الحرب في أوكرانيا والتهديد الذي تمثله روسيا، وبرز ذلك ضمن تصريحات وزير الخارجية البولندي رادوسلو سيكورسكي إلى صحيفة محلية، قائلاً إن إيران لم تكن تشكل “تهديداً مباشراً” لأوروبا أو الولايات المتحدة وإسرائيل قبل الحرب، لكنه أضاف أن “الحروب الوقائية يمكن أن تكون مبررة أحياناً”، مجادلاً أنه لو حوربت ألمانيا النازية بصورة وقائية، “لكان العالم تجنب كثيراً من المعاناة”، وأوضح أن بلاده ليست لديها خطط للانضمام إلى الحرب ضد النظام الإيراني، بل تركز على الحرب القائمة على حدودها.
في هذا السياق، تبرز قبرص العضو في الاتحاد الأوروبي، بحكم موقعها الجغرافي ووجود قواعد عسكرية غربية على أراضيها، كنقطة ارتكاز لوجستية وعسكرية في شرق المتوسط، مما يجعلها في الوقت نفسه عنصراً مهماً في منظومة الانتشار الغربي، ومصدر قلق محتملاً إذا ما امتد الصراع الإقليمي إلى ما هو أبعد من حدوده الحالية. وتعرضت قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في جنوب قبرص لهجوم مسيّرة إيرانية أطلقها “حزب الله” مطلع مارس الجاري، مما دفع بريطانيا إلى إسال المدمرة “أتش أم أس دراغون”.
ويشير موقع البحرية الملكية البريطانية إلى أن “دراغون” مدمرة دفاع جوي من طراز 45 مجهزة بنظام صواريخ “سي فايبر” ورادار متطور مصمم لتتبع التهديدات الجوية وتحييدها.
توازن للردع
ويقول الدبلوماسي القبرصي السابق والعضو الحالي في لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة أندرياس مافرويانيس إن في هذه المنطقة من العالم، إذا لم تكُن بعيداً جداً فأنت هدف محتمل، أو حتى أكثر من مجرد هدف محتمل. ويضيف أن “ما نراه هو تفوق عسكري هائل ومذهل لإسرائيل والولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالأسلحة في الأقل. وهذا التفوق العسكري الكبير يجعل دور إيران وحلفائها، أو أتباعها، يقتصر على محاولة إحداث الفوضى أو القيام برد فعل ما نتيجة هذا التفوق العسكري الهائل”، مؤكداً أن قبرص كدولة ليست هدفاً عسكرياً رئيساً لإيران.
ووفق تفسير مافرويانيس للتحشيد العسكري الأوروبي شرق المتوسط، يقول في حديثه إلى “اندبندنت عربية” إن الدول الأوروبية تريد أن تبدو وكأنها تقوم بشيء ما من دون التورط فعلياً في الصراع لأن لدى الأوروبيين كثيراً من التحفظات “لكن لا أحد يريد أن يظهر وكأنه يعارض الولايات المتحدة أو إسرائيل بصورة مباشرة”. ويضيف “نحن نعلم أن الهجمات التي تقوم بها إسرائيل والولايات المتحدة غير قانونية وفق القانون الدولي، لكن هذا لا يعني أننا نحب النظام الإيراني”، لذلك ترسل بريطانيا والدول الأوروبية قوات إلى المنطقة “لكن ليس لأن هناك خطراً كبيراً فعلياً على قبرص، بل إن الأمر أشبه بعرض سياسي أو استعراض للقوة. في الواقع لا يوجد خطر وشيك حقيقي”.
وفي حين يؤكد الدبلوماسي القبرصي على الموقف الأوروبي المناهض للنظام الإيراني والقلق من احتمال امتلاكه سلاحاً نووياً، يشدد في الوقت نفسه على أن “الاتحاد الأوروبي لا يمكنه دعم حرب لا تستند إلى أساس قانوني دولي”. وإضافة إلى ذلك، يستحضر الأوروبيون تجربة غزو العراق عام 2003 الذي عارضه الاتحاد الأوروبي آنذاك. لذلك “تحاول أوروبا إيجاد توازن من خلال وجود عسكري في شرق المتوسط، حيث تُعد قبرص قاعدة مناسبة لذلك بحكم عضويتها في الاتحاد الأوروبي. لكن هذا لا يعني وجود حملة عسكرية أوروبية”.
فرص وأخطار
ويمثل الصراع الإيراني تحدياً جديداً للقادة الأوروبيين، فبالنسبة إلى معظم حكومات القارة، تبقى الحرب في أوكرانيا هي الأولوية الجيوسياسية المركزية، وفي هذا السياق تتيح الحرب الأميركية- الإسرائيلية مع إيران فرصاً وأخطاراً في آنٍ واحد.
فيقول زميل مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك ماتياس ماتيس إن من جهة، كثيراً ما كانت إيران مورداً رئيساً للطائرات المسيّرة وغيرها من المعدات العسكرية لروسيا. وقد يؤدي صراع يجبر طهران على تحويل مواردها نحو دفاعها إلى تقليص هذا الدعم. ومن جهة أخرى، أسهمت الحرب بالفعل في ارتفاع أسعار الطاقة، مما يفيد عائدات التصدير الروسية ويعزز قدرة موسكو على تمويل مجهودها الحربي.
وبالقدر نفسه من الأهمية، يهدد هذا الصراع الجديد بتحويل انتباه واشنطن عن الساحة الأوروبية، وبالنسبة إلى حكومات القارة، يبقى استمرار انتظام الولايات المتحدة في الدفاع عن أوكرانيا أمراً بالغ الأهمية. ومن ثم فإنهم يرون أن حرباً طويلة الأمد في الشرق الأوسط، تشتت انتباه الولايات المتحدة ومواردها عن أوروبا. ويرجح ماتيس أن تظل استراتيجية أوروبا قائمة على الحذر والتباعد في الوقت الحالي، فتتجنب التورط المباشر في الصراع مع التركيز على الأولويات الأكثر أهمية للقارة نفسها.
تصعيد محتمل
في أول رسالة صوتية له منذ إعلانه المرشد الأعلى الجديد لإيران، تعهد مجتبى خامنئي الذي تولى المنصب خلفاً لأبيه علي خامنئي الذي قُتل في أولى الضربات الأميركية- الإسرائيلية على إيران، بالانتقام ومواصلة استهداف دول المنطقة التي تستضيف قواعد أميركية.
قبل 23 عاماً، عندما غزت الولايات المتحدة العراق، اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفاً مناهضاً للحرب، لكن لم يكُن الأمر كذلك في لندن، إذ أيد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الموقف الأميركي وذهب لدعمه، وهو الموقف الذي أعرب بلير عن أسفه عنه لاحقاً، بعد انتقادات قاسية وجهها له رئيس لجنة التحقيق البريطانية حول حرب العراق جون شيلكوت، معتبراً أن اجتياح العراق عام 2003 حدث قبل استنفاد كل الحلول السلمية، وأن خطط لندن لفترة ما بعد الحرب لم تكُن ملائمة.
وتظل تجربة حرب العراق إرثاً ثقيلاً بالنسبة إلى البريطانيين، لذا اكتفت لندن بنشر قوات لحماية قواعدها العسكرية وأفرادها وحلفائها في الخليج. فأقرب ما وصلت إليه بريطانيا من عمل عسكري هجومي كان السماح للطائرات الأميركية باستخدام قواعد مشتركة لتنفيذ ضربات جوية ضد مخازن الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها.
لكن الجمعة الماضي أشار نائب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لامي إلى أن تنفيذ ضربات استباقية لسلاح الجو الملكي على قواعد الصواريخ الإيرانية يمكن اعتباره عملاً دفاعياً، في تحول مهم ضمن سياسة الحكومة، إذ كان ستارمر استبعد تنفيذ ضربات هجومية داخل إيران.
ومنذ ذلك الحين هدد الحرس الثوري الإيراني بشن مزيد من الضربات على القواعد في قبرص، مدعياً أن الولايات المتحدة نقلت معظم طائراتها إلى الجزيرة. كما أن الرسالة الغاضبة للمرشد الإيراني الجديد اليوم الخميس تشير إلى تصعيد كبير في اتجاه الحرب.
جميع الخيارات متاحة
ويرى مراقبون أن العامل الأكثر احتمالاً لدفع بريطانيا إلى الحرب هو طلب المساعدة من حلفائها في الخليج إذا قرروا توجيه ضربات لإيران. فإذا استمرت الهجمات الإيرانية، أو قُتل أفراد بريطانيون أو مدنيون، أو انضم حلفاء إلى القتال، قد تضطر لندن إلى اتخاذ موقف هجومي. وأفاد مسؤول غربي صحيفة “ذا تايمز” البريطانية قبل أسبوع بأن لندن لا تستبعد المشاركة في ضربات تهدف إلى تقليص مخزون إيران من الصواريخ، مضيفاً أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة “لأننا لا نعرف ما الذي قد يحدث يوماً بيوم أو أسبوعاً بأسبوع مع تطور الصراع”.
وإضافة إلي قاعدة أكروتيري الجوية في قبرص التي تستخدمها بريطانيا كنقطة انطلاق للعمليات الخارجية في الشرق الأوسط وتضم نحو 4 آلاف جندي وعائلاتهم، وهي الأكبر لسلاح الجو الملكي خارج المملكة المتحدة، فإن للمملكة ثلاثة مواقع عسكرية دائمة في الشرق الأوسط.
وتستضيف البحرين منشأة الدعم البحري البريطانية، حيث يعمل مئات البحارة والضباط ومشاة البحرية الملكية في قيادة العمليات البحرية متعددة الجنسيات وتدريب القوات البحرية الحليفة على تنفيذ عمليات إنزال برمائي. وتتمركز السفينة الحربية البريطانية “أتش أم أس ميدلتون” هناك بعد سحب آخر فرقاطة العام الماضي، وتعد السفينة البريطانية الوحيدة العاملة في المنطقة.
ويتمركز مشاة البحرية الملكية في منشأة دعم بحرية مشتركة في الدقم بسلطنة عمان افتُتحت عام 2018، وتُعد قاعدة بحرية دائمة خارج الخليج ومرفق صيانة يدعم حاملات الطائرات البريطانية عندما تكون في المحيط الهندي. ومنذ مارس عام 2024 يعمل أفراد من سلاح الجو الملكي من منشأة “دونلي لاينس” العسكرية في قاعدة المنهاد الجوية في الإمارات، وسُميت على اسم طيار في الحرب العالمية الثانية، وهي منشأة عسكرية صغيرة نسبياً تضم مقراً لدعم العمليات عبر الشرق الأوسط.
تظل منطقة شرق المتوسط نقطة ساخنة محتملة ولا تملك قبرص الاعتراض على استخدام بريطانيا قاعدتها العسكرية لديها لتوجيه ضربات لإيران. ووفق مافرويانيس فإن المملكة المتحدة تعتبر قواعدها العسكرية هناك أراضي ذات سيادة بريطانية، بالتالي لا تحتاج إلى إذن الحكومة القبرصية لاستخدامها.
