نشرت صحيفة “الشرق الأوسط”، التي تصدر في لندن، تقريرا للكاتب نسيم رمضان، وفي ما يلي النص الحرفي للتقرير:
مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالبا ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضا موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.
تحدٍّ رقمي متزايد
يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق، أصبح تحديا رقميا متزايدا خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.
ويؤكد ماهر يموت، الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة كاسبرسكي، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.
ويشير إلى أن جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي حذرت من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة، مؤكدا أن الأخبار الزائفة تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ.
المعلومات المضللة
ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكن حجم انتشارها وسرعتها تغيّرا بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي. ففي أوقات التوتر الجيوسياسي يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من مراجعتها.
ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة، والثانية تتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة لكنها تعرض بشكل غير دقيق بسبب عدم التحقق من الوقائع أو المبالغة في بعض التفاصيل.
وفي الحالتين يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصا عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي بدلا من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.
كما بدأت السلطات في عدة دول التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.
الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي
أدخل الذكاء الاصطناعي بعدا جديدا إلى مشكلة المعلومات المضللة من خلال ما يعرف بتقنيات التزييف العميق، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي.
ويوضح يموت أن الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثا أو أفعالا لم تحدث في الواقع، وغالبا بنتائج تبدو واقعية للغاية.
وقد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث، وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقا فإن انتشارها الأولي قد يسبب القلق والارتباك لدى الجمهور.
كيفية التحقق من المعلومات
يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين يلعبون دورا أساسيا في الحد من انتشار المعلومات المضللة. ويمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.
أولى هذه الخطوات التحقق من مصدر الخبر، إذ قد تحتوي بعض المواقع التي تنشر أخبارا مزيفة على أخطاء في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات تحاكي مواقع إعلامية معروفة.
كما يُنصح بالاطلاع على قسم من نحن في المواقع غير المعروفة والاعتماد على مصادر رسمية أو مؤسسات إعلامية موثوقة، إضافة إلى التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر.
وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة، لأن المؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية.
كذلك ينبغي الانتباه إلى التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة تعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة وعرضها كما لو أنها وقعت حديثا.
التلاعب بالمشاعر
تعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر، إذ تصاغ العناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، ما يزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.
ويؤكد الخبراء أن الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ يمكن أن يساعد المستخدمين على تجنب نشر معلومات مضللة.
مؤشرات بصرية على التلاعب
قد تقدم الصور ومقاطع الفيديو مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل، مثل تشوه الخلفيات أو الظلال غير الطبيعية أو ألوان البشرة غير الواقعية.
أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائما سهلا، خصوصا عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف، فإنها قد تساعد المستخدمين على التشكيك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.
مسؤولية رقمية مشتركة
يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات يتطلب تعاونا بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم.
ويشير يموت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى فلا تشاركه. فالمشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.
ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية، خصوصا في أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب عندما تختلط الشائعات بالوقائع.