إيران ستخرج من الضربات الأميركية والإسرائيلية أضعف من أي وقت مضى، بعد خسارة قادتها وتضرر قدراتها العسكرية والنووية. لكن ضعفها لا يعني زوال خطرها، فالنظام قد يلجأ إلى الإرهاب أو تسريع برنامج نووي للردع، مما يجعل جمهورية جريحة أكثر ميلاً إلى المغامرة والانتقام.
بعد ما يقارب أسبوعين من الهجمات المدمرة، أصبحت الجمهورية الإسلامية أضعف مما كانت عليه في أي وقت مضى في تاريخها. فقد أسفرت الضربات الأميركية والإسرائيلية عن مقتل كثير من قادتها، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وتدمير جزء كبير من أسطولها البحري، وإضعاف برنامجها الصاروخي بصورة كبيرة، ودفن منشآتها النووية تحت الأنقاض. وأدت عمليات القصف إلى تدمير وزارات حكومية ومراكز شرطة ومبان عسكرية. وحتى مقر الحرس الثوري الإيراني، أقوى مؤسسات الدولة، تحول إلى أنقاض.
ولكن، على رغم أن الجمهورية الإسلامية قد تلقت ضربة قاسية، فإنها لم تهزم بعد. فقد اختار النظام مجتبى خامنئي، نجل خامنئي المتشدد، ليخلف والده كمرشد أعلى، مفضلاً الاستمرارية في أهم منصب في النظام الثيوقراطي. ويقف المسؤولون الحكوميون صفاً واحداً خلف الحملة الانتقامية التي تشنها إيران الآن ضد الولايات المتحدة وشركائها، ولا يزال الحرس الثوري فعالاً وجاهزاً للعمل. وما زالت الجمهورية الإسلامية قادرة على ممارسة العنف ضد خصومها وجيرانها، وحتى ضد شعبها.
وإذا تمكن النظام من البقاء في السلطة، فإنه سيكون بلا شك في وضع شديد الصعوبة. فالبرامج الاستراتيجية التي أمضى عقوداً في تطويرها (مثل البنية التحتية للصواريخ وتخصيب اليورانيوم) قد تضررت بشدة. وعلاقاته مع جيرانه تمر بأزمة، واقتصاده ينزف. ومع ذلك، وحتى في هذه الظروف الصعبة، من المرجح أن يتمسك المسؤولون بالنهج الذي اعتادوا عليه والمتمثل في المقاومة والعدوان. فمع ضعفهم وتراجع قدراتهم، سيعودون على الأرجح إلى عاداتهم القديمة ويقدمون على خوض أخطار جديدة. وهذا يعني أنهم قد يردون بتنفيذ مزيد من الأعمال الإرهابية، وهي أداة منخفضة الكلفة أتقنها النظام بالفعل. وعلى المدى الطويل، قد يسارع المسؤولون الإيرانيون أخيراً إلى صنع سلاح نووي. وبعبارة أخرى، فإن إيران الضعيفة ستبقى شديدة الخطورة.
كما تزرع تحصد
منذ تأسيسها عام 1979، عملت الجمهورية الإسلامية على أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. وقد ضخ قادتها مليارات الدولارات في الميليشيات الوكيلة، وبرامج الصواريخ الباليستية، والقوات البحرية، والمنشآت النووية، أملاً في قلب النظام الإقليمي الذي تمحور حول الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط ليصبح معقلاً للمقاومة الإسلامية.
ومن أجل تحقيق طموحات النظام، أنشأ قادته سلسلة من المؤسسات المتداخلة في كثير من الأحيان، وأهمها الحرس الثوري. وتحت سلطة علي خامنئي، منح الحرس صلاحية بناء شبكة الوكلاء الإيرانيين، وتأسيس قوات الصواريخ والطائرات المسيرة، وتطوير قدراته البحرية في الخليج العربي. واكتسب الحرس الثوري نفوذاً كبيراً على السياسة الخارجية الإيرانية والأمن الداخلي. وفي نهاية المطاف، أصبح يهيمن حتى على المشهد السياسي الداخلي للبلاد. فهو يقود قوات الباسيج شبه العسكرية، المكلفة ضمان بقاء الإيرانيين موالين للنظام. وفي سبيل تحقيق ذلك، أنشأت الباسيج قواعد لها في مختلف المدن والبلدات الإيرانية، وأحياناً داخل المساجد أو المباني الدينية الأخرى. وينشر عناصر الباسيج بشكل روتيني في أوقات الاضطرابات الشعبية، ليشكلوا قوة الخط الأمامي لقمع المعارضة.
على مدى عقود، كانت هذه الجهود ناجحة إلى حد كبير. فقد استغل الحرس الثوري الفوضى التي خلفتها حروب الشرق الأوسط لتشكيل جماعات مسلحة في جميع أنحاء المنطقة. واستخدم الصواريخ والطائرات المسيرة لإكراه جيرانه العرب وتهديد إسرائيل والقوات الأميركية. ولم يستفد الإيرانيون العاديون من هذه البرامج، بل على النقيض من ذلك، أدى الإنفاق العسكري والعقوبات التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني إلى إفقار الشعب الإيراني. ومع ذلك، فإن نهج الحرس الثوري حول الجمهورية الإسلامية إلى لاعب قوي، بحيث أصبحت بحلول عام 2023 تسيطر فعلياً على مساحة واسعة من الشرق الأوسط من لبنان إلى العراق.
إلا أن عناد النظام واستعداده للمخاطرة أثبتا أنهما سيف ذو حدين. فربما يكون العدوان المستمر قد وسع نفوذ إيران، لكنه أدى إلى إضعاف اقتصادها وأثار حرباً مع إسرائيل. وشكلت هجمات حركة “حماس”، حليفة إيران في غزة، على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، نقطة التحول. إذ لم تكتف إسرائيل بتوجيه أسلحتها نحو “حماس”، بل دمرت أيضاً وكلاء إيران في لبنان ومواقع الحرس الثوري الإيراني في سوريا. وردت طهران على ذلك العدوان بطائرات مسيرة وضربات صاروخية ضخمة ضد الأراضي الإسرائيلية في أبريل (نيسان) وأكتوبر 2024. لكن إسرائيل اعترضت معظم هذه الهجمات واستخدمت تفوقها العسكري لتعطيل الدفاعات الجوية الإيرانية. وفي يونيو (حزيران) 2025، شنت إسرائيل حرباً استمرت 12 يوماً ضد إيران، توجت بعملية قصف أميركية دمرت أكثر مواقع تخصيب اليورانيوم الإيرانية تحصيناً تحت الأرض.
وفي الأشهر التالية، أصلحت طهران أكبر قدر ممكن من هذه القدرات. وبمساعدة الصين، أعاد النظام تشغيل صناعة الصواريخ. علاوة على ذلك، بدأت إيران في بناء مواقع جديدة يمكن استخدامها لأنشطة نووية، بيد أن هذه التحركات بعثت برسالة خاطئة إلى خصومها، وبحلول نهاية فبراير (شباط) الماضي بدأت القوات الأميركية والإسرائيلية هجوماً واسعاً لإكمال ما بدأته، وهو التدمير الكامل للقدرات النووية والعسكرية الرئيسة لإيران.
وبما أن طهران لم تعد قادرة على الدفاع عن أجوائها (بسبب تدمير دفاعاتها الجوية)، فقد كانت غير قادرة على وقف هذه الضربات. ونتيجة لذلك، اختار النظام جر المنطقة بأكملها إلى الحرب على أمل أن تؤدي الهجمات على دول الخليج العربية وتعطيل صناعة النفط إلى الضغط على واشنطن للتراجع. لكن طهران لن تتمكن من مواصلة ضرب جيرانها إلى أجل غير مسمى، لأن لديها عدداً محدوداً من الطائرات المسيرة والصواريخ. وحتى لو نجحت استراتيجيتها، فإن الأضرار التي لحقت بها ستكون قد أضعفت الجمهورية الإسلامية بشدة.
عهد الإرهاب
تدرك إيران أنها لا تستطيع هزيمة إسرائيل والولايات المتحدة عسكرياً. ولذلك تبنت هدفاً أبسط وأكثر قابلية للتحقيق بكثير، وهو البقاء. وعلى رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعا المواطنين الإيرانيين إلى الانتفاض، فإن حملة جوية وحدها لا يمكنها القضاء على الأفراد والأسلحة الخفيفة التي يستخدمها النظام لقمع الاحتجاجات. وفي الوقت نفسه أظهر أنصار الجمهورية الإسلامية، بمن فيهم المسؤولون المدنيون وقادة قوات الأمن والجنود والمتطوعون في الباسيج، وحدة وصموداً مثيرين للإعجاب.
وإذا استطاع النظام الصمود في وجه الحملة التي تقودها الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يعلن النصر. وسيستند في هذا الإعلان إلى مبررات أخلاقية، مدعياً أنه نجح في الصمود في حرب خاضتها قوتان من أقوى الجيوش في العالم بهدف إنهاء النظام الإسلامي. ومثل هذه الادعاءات هي التي حافظت على تماسك النظام خلال حربه التي استمرت قرابة ثمانية أعوام مع العراق في ثمانينيات القرن الـ20، ومكنته من اعتبار ذلك الصراع الكارثي، الذي أودى بحياة مئات الآلاف من الإيرانيين، انتصاراً للثورة الإسلامية عام 1979.
بعد تلك الحرب، اتجه النظام إلى الانتقام، مستهدفاً الداخل والخارج على حد سواء. كانت البنية التحتية للبلاد تتداعى، وكان الاقتصاد في حال يرثى لها، وكان الشعب مرهقاً، لكن الحرس الثوري كان في صعود، واستغل الصراع لإضفاء الشرعية على توسيع نفوذه السياسي وقمع حركة إصلاحية ناشئة. وكان قادة إيران أيضاً مدفوعين بالتعطش للانتقام، فلجأوا إلى الإرهاب للرد. ففي عام 1994، على سبيل المثال، فجر وكلاء إيران مبنى الجمعية التعاضدية اليهودية الأرجنتينية (آميا) في بوينس آيرس، مما أدى إلى مقتل 85 شخصاً.
وقد يسلك النظام مساراً مشابهاً إذا نجا من حربه الحالية. ففي نهاية المطاف، سيكون مثقلاً بالمرارة والإهانة والرغبة في الانتقام، ولن يكون لديه كثير ليخسره. لذا قد يقدم النظام على سلسلة من الهجمات الانتقامية ضد الأميركيين، أو الإسرائيليين، أو الكنديين، أو الأوروبيين المقيمين في دول غير معنية مباشرة بالنزاع. وغالباً ما تستطيع أجهزة الاستخبارات إحباط مثل هذه المحاولات، ولكن ليس دائماً، فعلى سبيل المثال، قتل “حزب الله” سياحاً إسرائيليين في مطار بورغاس في بلغاريا عام 2012. وإذا كثف النظام محاولاته لتنفيذ هجمات إرهابية، فسينجح عدد أكبر منها. وعلى رغم مواردها المتضائلة، فمن المرجح أن إيران قادرة على تنظيم مثل هذه العمليات. وكما أظهرت هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول)، فإن الإرهابيين لا يحتاجون إلى صواريخ أو طائرات مسيرة أو أسطول بحري لارتكاب مجازر جماعية، بل يحتاجون فقط إلى الإرادة والقضية.
وهناك أيضاً خطر أن تسعى إيران جاهدة إلى امتلاك أسلحة نووية إذا احتفظت بمخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب. فقد تحدث المسؤولون الإيرانيون كثيراً عن الفتوى الدينية الرسمية التي أصدرها خامنئي لحظر التسلح النووي، باعتبارها سبباً لعدم سعي طهران إلى إنتاج قنبلة نووية. ولكن الآن، وبعد وفاة خامنئي، لم تعد تلك الفتوى ملزمة. وبدلاً من ذلك، يعود الأمر إلى مجتبى خامنئي ليصدر حكمه الخاص. ونظراً إلى ضعف إيران العسكري العميق حالياً، فقد يقرر أن الأسلحة النووية ضرورية لاستعادة قوة الردع.
أقصى درجات العدوان
ومع ذلك، ليس من المؤكد أن تكون النتيجة سيئة بالنسبة إلى إيران. فمن الممكن أن تتمكن العناصر البراغماتية داخل النظام من إقناع زملائها بعقد صفقة مع واشنطن يتخلون بموجبها عن عقود من العدوان وعن طموحاتهم النووية مقابل تخفيف العقوبات. من غير المرجح أن يكون المرشد الأعلى الجديد، الذي قتل والده ووالدته وزوجته في الحرب، متقبلاً لمثل هذا التنازل. لكن ذلك سيكون أفضل وسيلة له لتأمين نظامه وفتح الطريق نحو اكتساب قدر من الشرعية الشعبية. وربما يكون أيضاً الخيار الأكثر حكمة على المستوى الشخصي بالنسبة إليه وإلى النخب الحكومية الأخرى، الذين يواجهون جميعاً خطر القتل على يد القوات الإسرائيلية والأميركية. ومهما كان توقيت نهاية الحرب وما سيحدث بعدها، فإن أمن إيران قد تحطم بالكامل، وسيظل مسؤولو البلاد مكشوفين ومعرضين للخطر.
لكن الحكمة لم تكن يوماً من سمات الجمهورية الإسلامية. فقد أثبت النظام الثيوقراطي مراراً أن هدفه هو دفع أجندته الأيديولوجية الضيقة إلى الأمام، وليس مساعدة الشعب الإيراني. وبدلاً من التوصل إلى تسويات، أدى سلوكه إلى إفقار البلاد، وقتل آلاف من مواطنيه، والدخول في مواجهات مع جيوش أقوى بكثير منه. ومن غير المرجح أن يقوم النظام بتغييرات جوهرية إذا نجا من هذه الحملة. وبدلاً من ذلك، فإن النخبة المتبقية في الحكم والمثقلة بالمرارة قد تقود إيران إلى مسار أكثر ظلمة.
أفشون أوستوفار هو أستاذ مشارك بكلية الدراسات العليا البحرية، وزميل بارز غير مقيم في معهد أبحاث السياسة الخارجية، ومؤلف كتاب “حروب الطموح: الولايات المتحدة وإيران والصراع في الشرق الأوسط”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 12 مارس (آذار) 2026
اندبندنت عربية
