ملخص
تكتسب حادثة ميتشغان أهمية خاصة كونها الأحدث في سلسلة من الاعتداءات والتهديدات التي طاولت المعابد اليهودية واليهود خلال الأشهر الأخيرة، في ظل تصاعد العمليات العسكرية ضد إيران التي أدت إلى إحداث طفرة فورية تقريباً في مظاهر معاداة اليهود والتعليقات القائمة على نظريات المؤامرة في مختلف منصات التواصل الاجتماعي، كما عبر كامل الطيف الأيديولوجي من اليمين المحافظ إلى اليسار المتشدد.
وسط هجمات متفرقة داخل الولايات المتحدة قد تكون ذات صلة بالحرب الدائرة الآن بين واشنطن وطهران، ومع الكشف عن مذكرة أمنية صدرت من مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) خلال فبراير (شباط) الماضي تحذر من أن إيران قد تسعى إلى تنفيذ هجوم مفاجئ بطائرات مسيّرة (درونز) تطلق من سفينة غير معروفة قبالة سواحل كاليفورنيا، رداً على أي هجوم محتمل داخل الأراضي الإيرانية، يتزايد القلق في واشنطن حول انعكاسات الحرب على الداخل.
وتدور أسئلة في رؤوس المراقبين الأميركيين حول ما إذا كان النظام الإيراني قادراً على تهديد أمن الولايات المتحدة، وما أهمية امتداد خطر الحرب إلى الأراضي الأميركية؟ وهل سيكون ذلك محفزاً للإدارة الأميركية كي تواصل الحرب أم توقفها؟ وكيف تفاعلت الولايات المتحدة مع التهديدات المماثلة تاريخياً؟
جرس إنذار
على رغم أن الهجومين اللذين ضربا الولايات المتحدة أمس الخميس في ولايتي ميتشغان وفيرجينيا لم يتضح أنهما على علاقة مباشرة بإيران، كون الهجوم الأول على كنيس يهودي خارج مدينة ديترويت صُنف على أنه عمل عنيف معاد للسامية بينما جرى تصنيف الثاني الذي وقع في جامعة أولد دومينيون بولاية فيرجينيا وأدى إلى مقتل شخص وإصابة شخصين على أنه عمل إرهابي لارتباط القاتل بتنظيم “داعش” في السابق، دقت الحادثتان جرس إنذار لما يمكن أن يحدث وسط أجواء الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران في الشرق الأوسط.
تكتسب حادثة ميتشغان أهمية خاصة كونها الأحدث في سلسلة من الاعتداءات والتهديدات التي طاولت المعابد اليهودية واليهود خلال الأشهر الأخيرة، في ظل تصاعد العمليات العسكرية ضد إيران والتي أدت إلى إحداث طفرة فورية تقريباً في مظاهر معاداة اليهود والتعليقات القائمة على نظريات المؤامرة في مختلف منصات التواصل الاجتماعي، كما عبر كامل الطيف الأيديولوجي من اليمين المحافظ إلى اليسار المتشدد.
وعلى سبيل المثال، رصدت شبكة المجتمع الآمن وهي منظمة تقدم استشارات أمنية للمؤسسات اليهودية في أميركا الشمالية خلال الأيام الأربعة الأولى التي تلت بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن غارات جوية على إيران، أكثر من 4300 منشور عبر الإنترنت يستهدف اليهود بخطاب عنيف، وذكر بعضها أن المعابد اليهودية تعد أهدافاً مشروعة، وهو ما يمثل أضعاف الخطاب السائد في الأيام الأربعة التي سبقت بدء تلك الغارات.
أما الهجوم الثاني في فيرجينيا فلم تتضح دوافعه، لكنه ربما يكون ذا صلة أيضاً بالأجواء المشحونة حول الحرب، إذ استهدف الهجوم أستاذاً للعلوم العسكرية يدعى “براندون شاه”، كان ضابطاً سابقاً في الجيش الأميركي، وقاد طائرات مروحية من طراز “أباتشي” في العراق وأفغانستان ومناطق أخرى، بينما يعكف المحققون الفيدراليون حالياً لتحديد ما إذا كان المسلح الذي خدم في قوات الحرس الوطني الأميركي ويُدعى “محمد بايلور جالو”، ودين قبل أعوام بمحاولة تقديم خدمات مادية لتنظيم “داعش”، استهدف عن قصد الطلاب الذين ينتمون إلى صفوف الجيش الأميركي وكانوا ضمن برنامج تدريب ضباط الاحتياط.
تحذير “أف بي آي”
لكن ما رفع من مستوى القلق، هو تزامن الهجومين السابقين مع الكشف عن مذكرة وجهها مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) إلى الوكالات التابعة لفرقة العمل المشتركة لمكافحة الإرهاب، ذكر فيها حصوله على معلومات تفيد بأن إيران كانت تخطط لشن هجوم مفاجئ منذ بداية فبراير (شباط) الماضي، باستخدام مسيّرات من سفينة مجهولة الهوية قبالة سواحل الولايات المتحدة، وتحديداً ضد أهداف غير محددة في كاليفورنيا، في حال شنت الولايات المتحدة ضربات ضد إيران.
غير أن خبراء في مكافحة الإرهاب، اعتبروا هذه المعلومات غير موثوقة، وصنفوا منشور (أف بي آي) بأنه كان ذا طبيعة احترازية وفي سياق الاستراتيجيات الأمنية التي طبقتها السلطات المحلية والوطنية بعد بدء الحرب، وأنه لا يوجد ما يشير إلى أن طهران تخطط لهجوم أو أنها قادرة على شنه بنجاح، وهو ما أكده حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم بأنه لا توجد تهديدات وشيكة في الوقت الراهن، إلا أن الولاية على أهبة الاستعداد لأي طارئ، مشيراً إلى أن قضايا الطائرات المسيّرة من أولويات المسؤولين بالولاية، إذ جرى تشكيل فرق عمل متخصصة في هذا الشأن.
وقال الرئيس دونالد ترمب إن الحكومة تحقق في هذا الادعاء غير المؤكد، لكنه أوضح أن هناك الكثير من الأحداث الجارية، وكل ما يمكن فعله هو التعامل معها تباعاً، وعندما سُئل عما إذا كان قد اطلع على العدد المحتمل للخلايا الإيرانية النائمة الموجودة داخل الولايات المتحدة، أجاب الرئيس بالإيجاب.
حقيقة أم خيال؟
بدا التحذير الحكومي الأميركي من استخدام طائرات مسيّرة هجومية إيرانية على الأراضي الأميركية وكأنه مشهد من فيلم، يستخدم فيه إرهابيون أسراباً من المسيّرات لمهاجمة الولايات المتحدة، وهو ما يتطابق مع فيلم خيالي عن هجوم بطائرات مسيّرة، بعنوان “سقوط الملاك” من بطولة جيرارد بتلر، لكن هل يمكن أن يحدث هجوم بطائرات مسيرة في الواقع؟
مع أن الاحتمال وارد، إلا أن هذا لا يعني أن إيران قادرة حالياً على تنفيذ مثل هذا الهجوم، أو أن السلطات الأميركية عاجزة عن إيقافه، إذ تشير نيكول غراجيفسكي، الباحثة في مركز كارنيغي للسلام الدولي، إلى أن طهران لا تملك القدرة على القيام بذلك، وحتى لو فعلت، لأسقطت الدفاعات الأميركية تلك الطائرات بسهولة بالغة، لأن معظم الطائرات المسيرة بطيئة ومزعجة بسبب الضوضاء التي تحدثها خلال تحليقها.
غير أن سامانثا فينوغراد، المساعدة السابقة لوزير الأمن الداخلي لشؤون مكافحة الإرهاب وحماية التهديدات، ترى أن النظام الإيراني يمتلك ترسانة واسعة ومتنوعة من الطائرات المسيّرة من طراز شاهد-136 الانتحارية التي استخدمها في الهجوم على القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية، بينما سعت الحكومة الأميركية إلى منع أي نشاط تخريبي للطائرات المسيرة من قبل عصابات المخدرات لذا الخطر وارد.
أما ستيسي بيتيغون، مديرة برنامج الدفاع في مركز الأمن الأميركي الجديد، فتشير إلى أن طائرة شاهد-136، تعد نسخة بعيدة المدى، يمكنها قطع مسافة 1200 ميل تقريباً، وهو مدى يضع الطائرات المسيّرة على مسافة كبيرة من الساحل الغربي للولايات المتحدة، ويمكن للسفن الإيرانية تقريب هذه الطائرات إلى مسافة أقرب، ولكن للقيام بذلك، ستحتاج أولاً إلى المرور عبر الكثير من القواعد العسكرية الأميركية حول العالم، في المقابل عبر مسؤولو الاستخبارات الأميركية عن قلقهم في شأن إمكانية تخزين هذه الأسلحة سابقاً، سواء على البر أو البحر.
لكن إذا غامرت إيران بتوجيه ضربة على الأراضي الأميركية أو التورط في هجمات إرهابية تسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، سوف يخلق ذلك وضعاً بالغ الخطورة يستفز واشنطن ويدفعها إلى بذل جهد متواصل لاستبدال النظام في إيران، حسبما يقول أندرو بيك، مدير مبادرة أدريان أرشت لتعزيز الأمن القومي في مركز سكوكروفت.
طهرانجلوس
لعل أحد أسباب القلق من إمكانية استهداف إيران ولاية كاليفورنيا يعود إلى وجود غالبية الأميركيين من أصل إيراني في هذه الولاية، وبخاصة في ضواحي مدينة لوس أنجليس التي يطلق عليها البعض الآن اسم “طهرانجلوس” للتدليل على إحدى أكبر جاليات الشتات الإيراني في العالم، إذ تشير بعض الدراسات وبيانات التعداد السكاني إلى أن عدد الأميركيين ذوي الأصول الإيرانية في الولايات المتحدة يراوح ما بين 500 ألف و750 ألف نسمة في الفترة ما بين عامي 2024 و2026، غالبيتهم الساحقة تعيش في كاليفورنيا ولوس أنجليس بالتحديد بينما تشير تقديرات أخرى، لا سيما تلك التي تتضمن تعريفات أوسع للمجتمع في جنوب كاليفورنيا، إلى أعداد أكبر.
يتكون هذا المجتمع في معظمه من أفراد هاجروا بعد الثورة الإيرانية عام 1979، مع نسبة عالية من المهنيين الحاصلين على شهادات جامعية، وازداد عدد الأميركيين من أصول إيرانية بأكثر من 50 في المئة منذ عام 2000، في حين تعيش التجمعات الأخرى الأقل حجماً في تكساس ونيويورك وفيرجينيا وميريلاند.
ولهذا أصدرت إدارة شرطة مقاطعة لوس أنجليس بياناً مساء أول من أمس الأربعاء، قالت فيه إنه في ضوء الأحداث العالمية الراهنة، فإنهم على أهبة الاستعداد ويعملون بصورة وثيقة مع الشركاء في إنفاذ القانون على المستويين الفيدرالي والمحلي لتبادل المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الصراع الدائر في الشرق الأوسط وتقييم أي آثار محتملة على مجتمع المقاطعة وانطلاقاً من الحرص الشديد، وتقديراً للمناسبات الدينية الحالية، فقد جرى تكثيف الدوريات حول أماكن العبادة والمؤسسات الثقافية والأماكن الرئيسة في المقاطعة.
خطر إيران
وعلى رغم عدم وجود تهديد وشيك، يظل تاريخ إيران الطويل وخبرتها في الحروب غير المتكافئة، بما في ذلك رعايتها للإرهاب وشنها للهجمات الإلكترونية، يشيران إلى أن الجانب العسكري من هذا الصراع قد يكون مجرد بداية كما تقول إنغريد سمول، المتخصصة السابقة في الاستخبارات الأميركية، فعلى سبيل المثال، سعت طهران رداً على مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، عام 2020، إلى اغتيال كل من الرئيس ترمب ومستشار الأمن القومي آنذاك، جون بولتون، وفقاً لتقارير “أف بي آي”.
وعلى رغم عدم تحديد أي تهديدات محددة حالياً، يبدو أن مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي في حال تأهب قصوى، إذ حذرت وزارة الأمن الداخلي من هجمات محتملة من قبل أفراد منفردين، أي ذئاب منفردة يصعب تحديدها سابقاً، رداً على هذا الصراع الدائر في الشرق الأوسط والذي قد يمتد لأسابيع عدة أخرى.
وحذرت وزارة الأمن الداخلي من احتمال وقوع هجمات إلكترونية في أعقاب الضربات الأميركية الإسرائيلية لإيران في الـ28 من فبراير الماضي، وسارعت السلطات على المستويين المحلي ومستوى الولايات إلى رفع حال التأهب تحسباً لأي أعمال انتقامية قد تشن على الأراضي الأميركية. ويجري مكتب التحقيقات الفيدرالي حالياً تحقيقاً في شأن حادثة إطلاق نار وقعت في مدينة “أوستن” بولاية تكساس خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة 14 آخرين، وذلك للاشتباه في كونه عملاً إرهابياً محتملاً، مما أدى إلى تصاعد إضافي في حدة التوترات والمخاوف الأمنية التي برزت في الولايات المتحدة منذ بدء الضربات ضد إيران.
تاريخ من التهديد
وبحسب بروس هوفمان، المتخصص في شؤون مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، فقد مثلت رعاية إيران للإرهاب أداة حيوية لاستعراض القوة وتنفيذ السياسة الخارجية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979 إذ تمتلك طهران تاريخاً طويلاً في تنفيذ عمليات سرية داخل الولايات المتحدة ودول غربية أخرى بهدف تصفية خصومها.
وعلى سبيل المثال، اغتيل علي أكبر طبطبائي الذي كان ملحقاً صحافياً سابقاً في السفارة الإيرانية قبل الثورة، ومعارضاً صريحاً لنظام الخميني في إحدى ضواحي العاصمة واشنطن عام 1980، على يد مسلح مرتبط بإيران، كان قد تنكر في زي ساعي بريد.
واستعانت إيران بمحققين خاصين تحت ذرائع كاذبة لتحديد أماكن خصوم النظام ومراقبتهم، ومن بينهم الصحافية مسيح علي نجاد، التي دبروا في عام 2022 خطة لاختطافها من منزلها في حي “بروكلين” بمدينة نيويورك ونقلها قسراً إلى إيران، حيث وجه المدعون الفيدراليون تهماً رسمية لضابط في الاستخبارات الإيرانية وثلاثة شركاء له بالتآمر لارتكاب جريمة اختطاف.
وفي حادثة ثانية وقعت عام 2024، اعتقل عميل إيراني كان مسلحاً ببندقية هجومية من طراز كلاشينكوف محشوة بالذخيرة، وذلك أثناء محاولته اقتحام منزل نجاد في بروكلين بهدف قتلها، وخلال جلسة النطق بالحكم في وقت سابق من هذا العام، أشار المدعون إلى أن إيران كانت قد دفعت في السابق أموالاً لأفراد من المافيا الروسية، وقتلة مأجورين من عصابات المخدرات المكسيكية، وعضو في عصابة الدراجات النارية الكندية، في إطار حملة تهدف إلى إسكات الأصوات المعارضة.
وكلما طال أمد هذه الحرب، ازداد الحافز لدى إيران لتوظيف كافة أشكال الحرب غير المتكافئة أملاً في إجبار الرئيس ترمب على التخلي عن أهدافه الحربية، إذ تظل احتمالات وقوع هجمات قائمة، سواءً عبر “الخلايا النائمة”، أو الأفراد المنفردين الذين تحفزهم إيران، أو الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية الأميركية، أو الهجمات المادية المباشرة على المنشآت الحيوية.
وضع غير مسبوق
تمر الولايات المتحدة بوضع خطر غير مسبوق، حيث تطفو رغبة النظام الإيراني في الانتقام رداً على الحرب وعلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، على السطح الآن أو في أي وقت في المستقبل إذ اعتاد النظام على تنفيذ انتقامه بعد فترة من التروي والتخطيط.
وعلى سبيل المثال، ردت إيران في البداية على اغتيال إسرائيل لزعيم “حزب الله” عباس الموسوي عام 1992 عبر تفجير السفارة الإسرائيلية لدى العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، ثم نفذت هجوماً آخر في المدينة ذاتها بعد مرور أكثر من عامين، مستهدفة مركزاً للجالية اليهودية، مما أسفر عن مقتل 85 شخصاً وإصابة ما يزيد على 300 آخرين.
وقد تتيح الفعاليات المرتقبة ذات الصدى الواسع التي ستشهدها الولايات المتحدة هذا الصيف بما في ذلك مباريات كأس العالم لكرة القدم والاحتفالات المصاحبة للذكرى السنوية 275 لاستقلال الولايات المتحدة، فرصاً مثالية لإيران لتحقيق هدفين في آن واحد، الانتقام، وإحراج الولايات المتحدة.
اليابانيون والألمان
لم تكن إيران أول خصوم الولايات المتحدة التي تهدد أو تنفذ هجمات على الأراضي الأميركية، فقد تعرضت البلاد لهجمات كثيرة، أبرزها خلال الحرب العالمية الثانية، حيث شن اليابانيون عدداً محدوداً من الهجمات المتفرقة على سواحل كاليفورنيا وأوريغون، بينما نشر الألمان جواسيس ومخربين لتقويض المجهود الحربي الأميركي على نطاق أوسع لكن لم يكن لأي من هذه الهجمات تأثير ملموس على نتيجة الحرب.
ومن بين أشهر هذه المحاولات، إرسال اليابان بعد الهجوم على بيرل هاربر خلال ديسمبر (كانون الأول) عام 1941، مجموعة صغيرة من الغواصات شرقاً لتسيير دوريات على طول ساحل كاليفورنيا، وخلال الـ23 من فبراير عام 1942، تسللت غواصة يابانية إلى قناة قرب حقل إلوود النفطي، وهو بئر نفط كبير ومنشأة تخزين تقع خارج سانتا باربرا، وبعد صعودها إلى السطح، أطلقت الغواصة 16 قذيفة على شاطئ إلوود من مدفعها الوحيد على سطحها قبل أن تغوص وتفر إلى المحيط المفتوح.
لم يسفر القصف الوجيز إلا عن أضرار طفيفة في حقل النفط، لكن تداعياته كانت وخيمة، فقد كان قصف إلوود أول قصف للبر الرئيس للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، وأثار ذعراً من الغزو بين الشعب الأميركي الذي لم يكن معتاداً على التعامل مع الحرب على الجبهة الداخلية. وبعد يوم، أدت تقارير عن طائرات معادية إلى ما يعرف بمعركة لوس أنجليس، حيث قصفت المدفعية الأميركية المدينة لساعات عدة بسبب اعتقاد خاطئ بأن اليابانيين يغزون البلاد.
وخلال الـ21 من يونيو (حزيران) 1942، على ساحل ولاية أوريغون، وقع الهجوم الوحيد على موقع عسكري أميركي على البر الرئيس خلال الحرب العالمية الثانية بعدما تتبعت غواصة يابانية سفن الصيد الأميركية لتجنب حقول الألغام، وشقت طريقها إلى مصب نهر كولومبيا، ثم ظهرت على السطح قرب حصن ستيفنز، وهو قاعدة عسكرية قديمة تعود إلى الحرب الأهلية، وأطلقت 17 قذيفة على الحصن.
وخلال سبتمبر (أيلول) عام 1942 عادت الغواصة نفسها إلى ساحل ولاية أوريغون لتنفذ أول غارة جوية معادية على الولايات المتحدة القارية، فيما عرف لاحقاً باسم غارات لوك آوت الجوية، حيث أطلقت طائرة يوكوسوكا المائية التي أسقطت قنبلتين حارقتين على أمل إشعال حريق غابات، لكن بفضل الرياح الخفيفة والاستجابة السريعة لدوريات الإطفاء، فشل القصف في تحقيق هدفه.
عملية باستوريوس
غير أن أكبر غزو للأراضي الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية كان على يد ثمانية مخربين نازيين، جميعهم مواطنون أميركيون بالتجنس، كانوا يقيمون في ألمانيا عند اندلاع الحرب وأرسلوا إلى الولايات المتحدة في مهمة محكوم عليها بالفشل، عرفت باسم عملية باستوريوس، فقد جرى تكليف هؤلاء الرجال بتخريب المجهود الحربي وإضعاف معنويات السكان المدنيين من خلال أعمال إرهابية.
وخلال يونيو 1942، أنزلت غواصات ألمانية سراً طاقمين، كل منهما مؤلف من أربعة رجال، على ساحل ولايتي نيويورك وفلوريدا، وحمل كل فريق ما يصل إلى 84 ألف دولار نقداً وكمية كافية من المتفجرات لشن حملة تخريب طويلة تشمل مهاجمة مراكز النقل ومحطات توليد الطاقة الكهرومائية والمنشآت الصناعية، ولكن قبل أن تُنفذ أي عملية تخريب، انكشفت المهمة عندما قرر جورج جون داش وهو أحد المخربين من مجموعة نيويورك، تسليم نفسه إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي، وبعد أسبوعين، جرى اعتقال بقية المخربين، وأعدم ستة منهم بتهمة التجسس، بينما سجن داش وشريكه لمدة ستة أعوام.
القنابل البالونية
لكن أغرب العمليات العسكرية في الحرب العالمية الثانية هي استخدام اليابان للقنابل البالونية، أو ما يُعرف بـ”فوغو”، التي استهدفت الولايات المتحدة، حيث قام الجيش الياباني عام 1944، ببناء وإطلاق أكثر من 9000 بالون على ارتفاعات عالية، كل منها محمل بما يقارب 23 كيلوغراماً من المتفجرات المضادة للأفراد والمتفجرات الحارقة، والمثير للدهشة أن هذه البالونات غير المأهولة انطلقت من اليابان على بعد 8 آلاف كيلومتر محملة بالهيدروجين لترتفع إلى 30 ألف قدم، وتستغل التيار النفاث لعبور المحيط الهادئ وصولاً إلى البر الرئيس للولايات المتحدة على أمل أن تسقط فوق مدينة أو منطقة حرجية قابلة للاشتعال.
نجحت نحو 350 قنبلة في عبور المحيط الهادئ، واعترض الجيش الأميركي عدداً منها أو أسقطها، وخلال الفترة من 1944 إلى 1945، رصدت قنابل البالونات في أكثر من 15 ولاية، وكانت الخسائر البشرية الوحيدة ناجمة عن حادثة واحدة في ولاية أوريغون، حيث قتلت امرأة حامل وخمسة أطفال في انفجار بعد عثورهم على أحد البالونات المتساقطة، وتعد هذه الوفيات هي الخسائر القتالية الوحيدة التي وقعت على الأراضي الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية.
اندبندنت عربية
