ساطع نورالدين. كاتب وباحث لبناني
إما ان يكون الزعيم الديني لايران مجتبى خامنئي مرشداً وهمياً، مؤقتاً، أقرب الى دمية في يد الحرس الثوري، على ما يقول الاميركيون والإسرائيليون، أو ان الغيب “إصطفاه” لمهمة خاصة، لا تستدعي الظهور العلني، ولا الكشف الطبي..عبرت عن نفسها في البيان الرسمي الأول الذي صدر بإسمه، يوم الخميس الماضي، وألقته سيدة إيرانية، وجرى بثه في وسائل الاعلام.
احتجاب المرشد الجديد، كان بحد ذاته أمراً غريباً. داعي الإصابة الحرجة التي تعرض لها لدى إغتيال والده المرشد السابق السيد علي خامنئي، لم يكن كافياً لتبرير تلك “الاطلالة” الخفية لمجتبى، التي كان يمكن استبدالها ببيان مكتوب وموقع بإسمه ، يذاع ويعرض على الشاشات، مثل أي بلاغ (عسكري) يحمل “الرقم واحد”، بل لعله أساء الى صورة ولي الفقيه، والى الولاية نفسها بما هي بديل لحالة الانتظار المهدوية التي يعيشها غلاة الشيعة الاثني عشريين، منذ تكوين المذهب الجعفري. والايحاء بأن المرشد الجديد سيحكم من دون ان يظهر الى العلن، يقود الى استنتاج وحيد، هو أنه مجرد عمامة رمزية يستعان بها لتغطية الانقلاب العسكري الذي ينفذه الحرس الثوري، ليس إلا.
لكن الحيرة تتفاقم لدى قراءة ذلك النص الافتتاحي لولاية المرشد الجديد، وتطرح السؤال عما إذا كان مجتبى هو من كتب البيان، من سريره في غرفة العناية الفائقة في المستشفى، أم أنه قرىء عليه وإستشير في إصداره من قبل كبار قادة الحرس، أم أنه لم يعلم به أصلا إلا بعد صدوره.. نظراً لأن مؤسسات الدولة الإيرانية، تدار هذه الأيام، عبر شبكة الانترنت، وتنعقد الاجتماعات والمشاورات على تلك الشبكة، وبينها جلسة انتخاب المرشد التي لم تكون حضورية.
ما يهم الآن أن النص ينتمي بالفعل الى عالم الغيب السياسي، الذي لا يمكن اخضاعه الى أي معايير واقعية، تساعد في تفسير مطالب الحد الأقصى التي حددها مجتبى وحملت إسمه وحده برغم أنها لم تتضمن “بصمة صوته”، وهي مناقضة لواقع “الاحتجاب” الراهن، ومنافية لوعد “الظهور” الموعود، ومتعارضة مع أبسط قراءة موضوعية لنتائج الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتصنف الردود الإيرانية على تلك الحرب، في مرتبة “الخبط العشوائي”، الذي يؤذي المصالح الإيرانية أكثر بكثير مما يؤذي المصالح الأميركية والإسرائيلية والعربية الخليجية.
المطالب الواردة في النص لا تحتمل التأويل، ولا التحوير. هي تدعو العدو الى اعلان الاستسلام، وإغلاق قواعده العسكرية في الدول الخليجية، وإلا فإن الهجمات على تلك الدول ستستمر، ومضيق هرمز سيتم إغلاقه، وسيتم تفعيل جبهات ليس للعدو خبرة فيها، وسيشمل التحرك جميع الميادين الرخوة للاعداء، الى ان تحصل إيران على التعويضات من العدو، أو تدمر ممتلكاته بالقدر نفسه.
وأمام هذه المطالب الإيرانية القصوى، التي توحي بأن الدولة الإيرانية تخوض عملية إعادة تأسيس صعبة وتبحث عن عقد سياسي جديد بين مراكز القوى المختلفة، الدينية والعسكرية، يجوز التساؤل عما إذا كان المرشد الجديد بكامل وعيه، او قادة الحرس بكامل رشدهم، أم أن احد الجانبين يورط الآخر في معركة قاضية تطيح بهما..وتفتح الباب أمام البديل الثالث من داخل الحرس وموقع المرشد.
غريزة البقاء لا تفسر أي سلوك إيراني راهن، ولا تجد حجتها إلا في الهذيان الذي يعبر عنه يومياً الرئيس الأميركي دونالد ترامب وشريكه الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ما يصدر عنهما ليس سوى تأجيج لنيران حرب لم يكن لها مبرر، ولا هدف، ولا مخرج.. لكنها تكاد تتحول الى قدرٍ يتحكم بمصير تلك البقعة المعذبة من العالم.
بيروت في 14 / 3 / 2026