
منذ اندلعت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ثم لبنان، كان أهم ما يصدر عن قادتها يشير إلى كونها مرنة الأهداف، لجهة التعاطي مع ردود الأفعال الصادرة عن إيران وحلفائها في المنطقة. أما الهدف الأساسي المُعلن فهو تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، مع التأكيد على أن الضربة أتت استباقية، وقد راح التأكيد يزداد ترهيباً مع ترويج روايات عن أن طهران كانت على بعد أسبوع من امتلاك السلاح النووي، بخلاف حديث المصادر نفسها عن إرجاع البرنامج النووي سنوات إلى الوراء بغارات شهر حزيران الفائت.
في الحديث عن العوامل التي قد تستعجل إنهاء الحرب تقفز كلفتها المالية على واشنطن وتل أبيب، من دون الخوض في كلفتها على إيران، ثم لبنان، فضلاً عن كلفتها على دول الخليج، والتي لا تُختزل بتوقف إمدادات النفط. والملاحظ أن ترامب لا يكفّ عن الحديث وعن إرسال الإشارات المتناقضة، إلا أنه لا يشير إلى ما بعد الحرب، تحديداً من منظور المقاول الذي لطالما كان حاضراً في حديثه. وقد أشار مرة، ضمن التناقضات، إلى جعل إيران عظيمة من جديد بعد إسقاط النظام. إلا أن كلامه لم يؤخذ على محمل الجد، لأنه لم يأت ضمن سياق يوحي بالجدية، ولأن تجارب بلاده في أفغانستان والعراق لا تشجّع على حسن الظن.
ولئن كانت إشارات ترامب إلى ما بعد الحرب غير مطمئنة، وآخرها ما طرحه لما بعد الحرب على غزة، فإن الغياب الكلي للحديث عن نهاية الحرب الحالية أسوأ، بسبب ما قد يضمره وما لا يضمره. المضمر يكون في أن تنتهي الحرب بصورتها الحالية، من دون أن تنتهي تماماً. فلا تُعلن خاتمة للاشتباك حول البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني، وحول الجناح العسكري لحزب الله، ولا تُعلن نهاية للحرب، ما يجعل احتمال تجددها قائماً في كل لحظة، ويوجب الإعداد الحثيث لجولة مقبلة لدى الأطراف المنخرطة فيها، طوعاً أو كرهاً.
السيناريو المرجَّح وفق ذلك هو أن تعمل واشنطن وتل أبيب على تحييد الخطر الإيراني الذي تتحدثان عنه، من دون تحييد التهديد الإيراني لدول الجوار، وقد امتلك منذ بدأت الحرب حجة قوية بسبب إطلاق الصواريخ الإيرانية والمسيَّرات على هذه البلدان. والتصور الكلاسيكي ينص على استفادة شركات الأسلحة الأميركية من عقود تسليح ضخمة، في وقت ليست فيه ميزانيات البلدان المعنية في أحسن أحوالها، ومن المحتمل جداً أن تؤثّر خسائر الحرب والنفقات الدفاعية التالية لها على الإنفاق الخارجي، ما قد ينتقص تالياً من الدور الإقليمي والدولي للبعض منها.
ليس الآن وقت إحصاء الخسائر الإيرانية، ومن المرجَّح بقاؤها في حيّز التخمين ما بقي النظام الحالي. المؤكد أن قدرته أيضاً على الإنفاق الخارجي ستكون متدنية جداً، وهذا ما سينعكس على نفوذه في لبنان واليمن والعراق. الأهم أن إيران نفسها ستكون في وضع كارثي بعد حصار مديد أودى باقتصادها إلى مستويات غير مسبوقة من التراجع، تلته حربان دُمِّر بهما الكثير من المرافق الحيوية. وإذا بقيت العقوبات مع بقاء النظام فمن المؤكد أنها ستؤذي الأخير، إلا أنها كالمعتاد ستؤذي الإيرانيين أولاً، وتنال حتى من قدرتهم على تغيير نظامهم.
نستطيع منذ الآن النظر إلى لوحة ما بعد الحرب، وجزء ضخم منها سابق على مجريات الحرب الأخيرة. من إيران إلى اليمن إلى سوريا ولبنان، مروراً بالعراق، ثمة لوحة للخراب الذي تم تجاهله خلال عقد ونصف أو أبعد، وقد يجعل الخرابَ المُضافَ تجاهله متعذّراً على النحو السابق. ولا خطأ في إضافة السودان وليبيا إلى بؤر الخراب نفسها، بما أن البلدين واقعين تحت ظروف مشابهة.
كانت التقارير الأممية تشير قبل سنوات إلى حاجة سوريا لحوالى 500 مليار دولار من أجل إعادة الإعمار وإطلاق الاقتصاد من جديد. هذا الرقم نموذج عن الاستحقاقات الموجودة في المنطقة، ويمكن القياس عليه حتى لبنانياً، فرغم عدم وقوع حرب كالتي وقعت في سوريا إلا أن الاقتصاد اللبناني تعرض لضربات كبرى أدت إلى انهيار قطاعه المصرفي، ثم لخسائر لم تُعرف بدقة تسببت بها حرب الإسناد، وصولاً إلى الخسائر الباهظة في الحرب الحالية.
لبنان يبدو مهيَّأ لحرب أهلية، قد تزاد أسباب اشتعالها مع تفاقم الخيارات الانتحارية وتراجع الحوافز المضادة، العراق أيضاً قد لا يبقى بعيداً عن سيناريو الفوضى. أي أن تضافر الخراب السياسي والاقتصادي مرشَّح للمزيد في جميع البلدان المذكورة، من دون تواجد إقليمي ودولي يضبط بؤر الفوضى على النحو الذي حدث عندما ضُبطت تأثيرات الصراع السوري ضمن الحدود السورية، وكذلك الصراع في اليمن وليبيا والسودان.
الجديد مؤخراً، وفيما لو انتهت الحرب وفق هذا السيناريو، أن اللاعبين الدوليين والإقليميين سيكونون في طور انكماش، بمن فيهم اللاعب الإسرائيلي الذي ستظهر علائم إنهاكه في الحرب على غزة والحروب على إيران ولبنان. وما يُحكى عن سيطرة إسرائيلية مقبلة على المنطقة فيه مبالغة كبيرة، باستثناء السيطرة التي يتيحها التفوق العسكري المباشر، وهي غير كافية لإحداث تغيير استراتيجي كبير في المنطقة، ويحدّ منها أيضاً عدم واقعية الإبقاء على جاهزية عسكرية مستمرة تقارب حالة الاستنفار منذ عملية طوفان الأقصى.
الحديث هو عن العديد من البلدان التي تشهد خراباً ضخماً، مع فائض من العسكرة الفاعلة داخلياً ومستوى من الاقتصاد يجعلها دون السياسة. هي عوامل تدفع بمجموعها إلى عدم توقع حلول وفق المفهوم الكلاسيكي للثورات، خصوصاً أن تجارب شعوبها مع الثورات غير مشجِّعة على التكرار ضمن المدى المنظور. وليس من مشروع عالمي يساعد هذه البلدان على السير فيه، أو اشتقاق ما يناسبها منه، فضمن المدى المنظور أيضاً تهيمن النزعات اليمينية الانعزالية على المراكز العالمية من الشمال والغرب الأوروبيين إلى الشرق الأقصى. ولعل غياب المشروع يفسّر جزئياً بقاء العديد من الجبهات والبؤر مفتوحة، رغم ما تستنزفه من مقدرات الأطراف المنخرطة فيها.
أغلب الظن أن البلدان التي كانت مشمولة بحسابات الصراع مع إيران ستلاقي الإهمال الدولي مع تدني الخطر الإيراني على إسرائيل، ولا يُستبعد أن تُترك وشأنها إلى حد كبير لتتدبر بنفسها شؤون الخراب الذي آلت إليه. بلدان مثل سوريا ولبنان واليمن من المرجَّح أن تُترك بلا اهتمام، في وقت تعاني فيه من شحّ شديد في الموارد واستحقاقات عاجلة وضرورية لإعادة القليل من الإعمار، واستعادة الحد الأدنى المقبول من التعافي الاقتصادي.
لقد اعتدنا على أن تُجَمَّل أسوأ الحروب بشعارات برّاقة، وأن لا يواكب الحرب الراهنة أي شعار، ولا أي حديث عما بعدها فهذا يُنذر بأنها أسوأ من سابقاتها. ما يظهر حتى الآن هم ضحاياها المباشرون، لكن عندما ستتوقف ستطال آثارها من يعتقدون أنهم على مقاعد المتفرجين؛ أولئك الذين يظنون أنهم بغنى عن التفكير فيما بعدها.