دعا رئيس وزراء قطر الأسبق حمد بن جاسم إلى بناء “حلف عسكري” خليجي على غرار حلف شمال الأطلسي “الناتو”، تضطلع فيه السعودية بالدور الأهم، بحكم ثقلها الجغرافي والسياسي والعسكري.
وفي منشور لقي تفاعلا واسعا على منصة X، قال بن جاسم إن في المواجهة الدائرة مع إيران “دروس وعبر يجب على دول مجلس التعاون أن تستخلصها وأهمها التكاتف والتحالف ووحدة الكلمة والموقف”.
وطالب دول الخليج ألا تنتظر انتهاء القتال للشروع في بناء مقومات القوة الدفاعية، بل “التحرك الفوري” نحو تأسيس قاعدة صناعات عسكرية وإلكترونية متقدمة تعزز قدرة الخليج على حماية أمنه و”ردع التهديدات قبل وقوعها”.
درع الجزيرة
فكرة “الناتو الخليجي” ليست وليدة اللحظة، يقول الكاتب والباحث السياسي محمد خلفان الصوافي، “وغالبا ما يعاد طرحها كلما واجهت المنطقة أزمة أمنية”.
ويشير الصوافي إلى أن أول طرح جدي لفكرة جيش خليجي موحد جاء بعد تحرير الكويت عام 1991، حين كلف سلطان عمان الراحل قابوس بن سعيد بوضع تصور لقوة مشتركة تتولى حماية دول المجلس من أي تهديد خارجي، غير أن الفكرة لم تتطور إلى واقع عملي.
ويضيف أن الفكرة أعيد طرحها مرة أخرى في قمة المنامة عام 2000، ورغم تصديق بعض الدول الخليجية على الاتفاقية المرتبطة بها، فإنها لم تجد الحماس الكافي لدى بقية الدول، ما أدى إلى تعثرها مجددا.
وعادت الفكرة للظهور لاحقا مع تمدد النفوذ الإيراني في عدد من الدول العربية، خصوصا في اليمن، غير أن هذا الطرح لم يحقق تقدما ملموسا، حسب تقدير الصوافي.
وهذه المرة أيضا، سيكون مصير الفكرة مثل “المحاولات السابقة”.
ففي تقديره، يتراجع الحماس الخليجي لمثل هذه المبادرات مع انحسار الأزمات، فضلا عن استمرار الخلافات حول تحديد طبيعة التهديدات والعدو المشترك.
وكان مجلس التعاون الخليجي أسس في عام 1984 قوات درع الجزيرة، ومقرها السعودية، بوصفها القوة العسكرية المشتركة لدول المجلس.
وتضم هذه القوة نحو 40 ألف جندي موزعين على فرقتين، وتتمثل مهمتها الأساسية في “الاستجابة السريعة لأي عدوان خارجي”، ودعم الاستقرار الداخلي عند الحاجة.
وكان أبرز تدخل لـ”درع الجزيرة” في البحرين عام 2011. كذلك، شاركت دول خليجية، بينها السعودية والإمارات، في العمليات العسكرية في اليمن منذ مارس 2015.
وأرست اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها دول مجلس التعاون عام 2000 مبدأ الأمن الجماعي، إذ تنص على أن أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء يعد اعتداء عليها جميعا.
غير أن المواجهة الأخيرة مع إيران أعادت طرح تساؤلات حول فاعلية هذا الإطار الدفاعي، بعدما بدا أن كل دولة خليجية تعاملت مع أمنها بصورة منفردة.
لحظة فارقة
يرى د. محمد العريمي، وهو باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، أن دول مجلس التعاون تمتلك بالفعل مقومات تأسيس تحالف دفاعي متقدم.
يعدد العريمي هذه المقومات: موارد مالية كبيرة، جيوش حديثة التسليح، وموقع جيوسياسي محوري على طرق الطاقة والتجارة العالمية.
غير أن “البنية المؤسسية” لهذا الحلف “لا تزال بحاجة إلى تطوير أعمق”، خصوصا في مجالات “القيادة العسكرية المشتركة والتخطيط الاستراتيجي الموحد وتكامل الصناعات الدفاعية”.
النتيجة، وفق العريمي، هي أن “المنظومة الأمنية الخليجية في المدى المنظور مرتبطة جزئيا بالضمانات الغربية”، ليس فقط على مستوى التسليح بل أيضا “على مستوى المظلة السياسية والردعية التي توفرها القوى الكبرى”.
ويضيف العريمي أن الاستهداف الإيراني الذي طال معظم دول الخليج أخيرا يمثل لحظة فارقة في التفكير الأمني الخليجي، إذ كشف أن وجود القواعد العسكرية الأجنبية، رغم أهميته في الردع التقليدي، لم يكن كافيا لمنع استهداف الأراضي الخليجية أو حماية بنيتها التحتية الحيوية بشكل كامل، ويرى أن هذا الواقع قد يدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم منظومتها الدفاعية، والبحث عن خيارات أكثر تنوعا وفاعلية عبر تعزيز قدراتها الذاتية وبناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالا، لافتا إلى أن التجربة أظهرت حدود الاعتماد الكامل على المظلات الأمنية الخارجية عندما تتباين حسابات القوى الكبرى مع أولويات الأمن الإقليمي.
السعودية القوية
التحالف الدفاعي الخليجي قد يبدأ بالتدريج، بين عدد محدود من الدول، مثل السعودية والبحرين، قبل أن تنضم إليه دول أخرى كقطر والكويت وربما الإمارات وعمان في مراحل لاحقة، وفق ما يرى المحلل السياسي والعسكري عبداللطيف الملحم.
يعتبر الملحم أن قيام منظومة دفاعية مشتركة لا يشترط بالضرورة مشاركة الدول الست جميعا منذ البداية، بل يمكن أن تتشكل من أربع أو خمس دول، على غرار تجارب دولية مشابهة.
يقول إن حلف الناتو نفسه شهد فترات خرجت فيها بعض الدول من هياكله العسكرية مع استمرار التعاون معها.
يشير الملحم إلى أن السعودية باتت من أكثر الدول قوة من حيث تكامل منظومتها الدفاعية وقدرتها على الحركة السريعة، وهو ما قد يجعلها محور أي ترتيبات دفاعية خليجية مستقبلية، على نحو يشبه تموضع الولايات المتحدة داخل حلف الناتو.
إلا أن دول الخليج كلها، وفق الملحم، عملت منذ سنوات الحرب العراقية الإيرانية على تطوير قدراتها العسكرية بصورة ملحوظة، خصوصا في مجالات التدريب وبناء المنظومات الدفاعية، وهو ما يظهر في مختلف أفرع القوات العسكرية.
تنافس وتهديد هجين
لكن، ماذا يعيق نشوء الحلف إذا؟
يقول الدكتور محمد العريمي إن دول الخليج لا تعاني من أي نقص في الموارد، بل أن التهديدات التي تواجهها هي تهديدات مشتركة.
لكن، العائق هو في “الاعتبارات السياسية والتنافسات البينية” بين دول المجلس، وفق ما يقول.
يشير العريمي إلى أن التجربة الخليجية أظهرت أن الخلافات السياسية قادرة على إضعاف المؤسسات المشتركة حتى عندما تتقارب المصالح الأمنية.
لكنه يستدرك: الأزمات الكبرى غالبا ما تدفع الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية.
وبرأيه، اذا أدركت العواصم الخليجية أن المخاطر الإقليمية باتت تتجاوز قدرة أي دولة منفردة على مواجهتها، فقد يشكل ذلك دافعا لبناء منظومة أمن جماعي أكثر تماسكا، شريطة القدرة على الفصل بين الخلافات السياسية ومتطلبات التعاون الأمني.
ويضيف العريمي أن الاختلال الديموغرافي بين دول الخليج وبعض القوى الإقليمية الأكبر سكانا لا يعني بالضرورة اختلال ميزان القوة، إذ لم تعد الحروب الحديثة تقاس فقط بعدد السكان أو حجم الجيوش، فدول مجلس التعاون _بحسب تقديره_ تمتلك عناصر تعويض مهمة، أبرزها التفوق التكنولوجي والقدرات المالية التي تسمح ببناء منظومات تسليح متقدمة، إضافة إلى شبكة واسعة من التحالفات الدولية.
غير أن تحقيق توازن ردع حقيقي، يقدر العريمي، يظل مرتبطا بتطوير الكفاءة البشرية العسكرية وبناء منظومات قيادة وسيطرة متكاملة بين الدول الخليجية، “لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي ما لم تُدعَم بعقيدة عسكرية مشتركة وقدرة تشغيلية موحدة”.
ويؤكد أن التحولات في طبيعة الحروب، مع صعود الحروب السيبرانية والطائرات المسيرة وأنماط الصراع غير المتكافئ، جعلت مفهوم التحالف العسكري التقليدي أقل فاعلية إذا اقتصر على التنسيق العسكري الكلاسيكي.
ويقترح العريمي أن أي تحالف دفاعي على نمط “ناتو خليجي” لن تكمن قيمته الأساسية في تشكيل جيوش تقليدية مشتركة بقدر ما ستتمثل في بناء منظومة أمن إقليمي متعددة الأبعاد تشمل الدفاع الجوي والصاروخي المشترك، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية للطاقة والممرات البحرية، إلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يفضي إلى تحالف مرن قادر على التكيف مع التهديدات الهجينة التي باتت تميز الصراعات المعاصرة.