
كاتبة صحفية… جريدة الثورة السورية
ماذا بعد سقوط إيران المفترض؟ من سيملأ الفراغ؟ أسئلة تدور في بال الكثيرين، من خلالها يبدو أن الموقف السوري من الحرب الإيرانية الإسرائيلية لن يكون سهلاً سياسياً وأخلاقياً، فكلا الطرفين هما عدو للشعب السوري. الجملة الأكثر تداولاً بين الناس هي الدعاء: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا سالمين”.
تبدو هذه العبارة مريحة لأنها لا تلزم بأي انحياز، لكنها أيضاً تعكس حالة الارتباك التي يعيشها السوريون بعد سنوات طويلة من الصراع والخسائر. السوري الذي عانى من تدخل إيران في بلده وإجرامها لا يمكنه أن يتعاطف معها، وفي الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل العداء التاريخي مع إسرائيل. بين هذين الشعورين يقف الكثير من السوريين صامتين، وكأن الدعاء أصبح آخر ما يمكن فعله في السياسة بعد تجربة مريرة من الخداع والحرب.
الابتعاد عن الانحياز لأي طرف يعكس إرهاق السوريين من سنوات الحرب وعمق الخسائر التي عانوا منها، ويعبّر عن شعورهم بالخذلان من جميع الأطراف المتورطة في الصراع.
قوة هذا الموقف تكمن في كونه صادقاً من منظور عاطفي وأخلاقي، فهو لا يفرض على صاحبه موقفاً عدائياً مباشراً. لكن في المقابل يبقى هذا الموقف ضعيفاً من الناحية السياسية لأنه لا يتناول حقيقة أن نتائج الحرب في المنطقة ستؤثر حتماً على مستقبل سوريا واستقرارها.
الصمت أو الابتعاد عن الوقوف مع طرف دون آخر كان سيكون ممكناً لو لم تكن الجغرافيا السورية على حدود الحرب، وقد تكون ضمن ساحة الانفجار في حال توسع الحرب إقليمياً. مما لا يمنع تداعيات الصراع من الوصول إلى بوابة السوريين، خاصة أن موقع سوريا الجغرافي يبقيها في قلب الصراع بين الطرفين.
يجد البعض أن سقوط إيران فرصة لإضعاف محور دمّر سوريا والعراق ولبنان واليمن وساهم في تدهور أوضاع هذه الدول، وكان داعماً للنظام السوري الذي تورط في قتل السوريين، خاصة أولئك الذين يحملون رفضاً عميقاً للنفوذ الإيراني، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. إن انهيار نظام إقليمي بهذه القوة قد يفتح المجال لتدخل أطراف أخرى لا سيما إسرائيل وأميركا، لإعادة رسم الخرائط والنفوذ في المنطقة.
إن لم تكن أميركا تريد إسقاط النظام الإيراني، وإنما تقويم سلوكه و إضعافه، وإخراج قواته وأذرعه العسكرية عن الخدمة وإضعافها خاصة الحرس الثوري، وبالتالي تقوية التيار الذي قد تدعمه الولايات المتحدة وخلق توازنات جديدة داخله، مع الحفاظ على شكل الدولة ومنع الفوضى، فهذا يعني تآكل المشروع الإيراني.
ما تقوم به أميركا ينسجم تماماً مع هذا الهدف. فمقتل خامنئي كان لحظة فارقة للانتقال السياسي في إيران، ولكن وصول مجتبى خامنئي قطع الطريق على قوى أخرى للوصول للحكم، بما فيها قوى معارضة للنظام. إن عدم اسقاط النظام في إيران سيعزز موقفها ومحور الممانعة، ويمهد لتوظيف الحرب سياسياً وأمنياً لمصالحها.
استراتيجياً، وحسب تجارب سابقة كما حدث في العراق، فإن إضعاف الحرس الثوري القوة الضاربة في إيران يعد مكسباً استراتيجياً لأميركا التي تتصرف وفق عملية إدارة طويلة للصراع، ويعزز موقعها التفاوضي مع أية حكومة جديدة قادمة في إيران.
هنا يأتي السؤال الأكبر: هل مصلحة السوريين تكمن في سقوط إيران مهما كان الثمن؟ أم أن الفراغ الذي ستتركه قد يكون أخطر من وجودها؟ هذا التساؤل يتجاوز الانطباع العاطفي أو الشماتة ويدعو إلى قراءة دقيقة لتوازن القوى وتأثيره على استقرار سوريا وإمكانية بناء دولة مدنية ديمقراطية جديدة، ومدى تأثرها بما يجري في المنطقة.
سقوط ايران أو اضعافها لن يبقى مسألة داخلية تخص الإيرانيين فقط بل ستؤثر انعكاساته على الشرق الأوسط برمته. فهي دولة إقليمية مؤثرة ولها نفوذها السياسي والعسكري في عدة دول في المنطقة، ولها تأثيرها الجيوسياسي في الشرق الأوسط. لذلك، إذا انهارت أو ضعفت بشدة سيظهر فراغ في النفوذ، وهذا الفراغ عادة لا يبقى فارغاً لأمد طويل، بل تتسابق قوى أخرى لملئه، مما سيخلق صراعات جديدة.
إذ ستسعى قوى دولية مثل الولايات المتحدة وقوى إقليمية مثل إسرائيل أو حتى روسيا والصين، إضافة إلى قوى محلية داخل الدول المتأثرة إلى ملء هذا الفراغ. هذا التنافس لن يكون تنافساً سلمياً بل سيتحول إلى صراعات سياسية او عسكرية أو حروب بالوكالة. وستكون سوريا من أكثر الدول المتأثرة بما يجري، فهي قد خرجت من حرب طويلة ومؤسساتها ضعيفة وبنتيها الاقتصادية والاجتماعية هشة، وبالتالي يمكن أن تعود لتكون ساحة جديدة للصراع.
إن سقوط دولة إقليمية دكتاتورية، وإن كانت عدواً للسوريين، لن يكون حدثاً بسيطاً، فوجودها كان بطريقة أو بأخرى يشكل نوعاً من التوازن المزعج لإسرائيل وأميركا، وسقوطها قد يمهد الطريق لهيمنة أميركية أكبر، وإعادة رسم ملامح المنطقة وفق رغباتهما.
وبالتالي لا ينبغي على السوري أن يكتفي بالدعاء أو بالحياد العاطفي تجاه صراع إيران وإسرائيل. ما يحدث في هذه الحرب لن يبقى بعيداً عن سوريا، وستنعكس تداعياته على استقرارها واقتصادها، وسيؤثر على فرص بناء دولة مدنية وديمقراطية.
السؤال الأهم يبقى: كيف يستطيع السوري أن يوازن بين رفضه للأنظمة التي أضرّت به وبين إدراكه أن انهيارها قد يفتح الباب لفوضى أكبر أو هيمنة خارجية جديدة؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ضرورية لفهم المستقبل الحقيقي لسوريا في صراع لا يمتلك السوريون وحدهم أدوات التحكم فيه.