ملخص
لن يرضى أستاذ الجمهوريين محمود محمد طه أن يثني عليهم “حميدتي” الذي ساءت سيرته في العالم بكسب يديه حرفياً. فإذا اشتكى الجمهوريون من الحكومة الطاغية في الإنقاذ أو ما بعدها وطمعوا في استبدالها بدولة لـ”الدعم السريع”، فأستاذهم من سبق بالقول إن الحكومة الظالمة خير من الفوضى.
حين سمع الروائي الطيب صالح أن منصور خالد، الوزير الكاتب، التحق بالحركة الشعبية للقوميين الجنوبيين بقيادة العقيد جون قرنق عام 1985 قال إن “ذلك مما لن يرضاه له أستاذه جمال محمد أحمد” السفير والوزير والكاتب.
ولا يملك المرء إلا أن يقول لصفوة من الحزب الجمهوري إن ثناء محمد حمدان دقلو “حميدتي” على حزبهم خلال خطبته الأخيرة في أوغندا ما كان ليرضاه لهم أستاذهم محمود محمد طه الذي جعلت دوائر الناشطين في العالم العربي من يوم مصرعه شنقاً في يناير (كانون الثاني) عام 1985 يوماً لحقوق الإنسان العربي.
وجاء ضمن خطاب “حميدتي” قوله إن الشريعة كانت مغيبة في دولة الإنقاذ الإسلامية، وإنه هو لأحسن ديناً “دين ربنا دا” من الإسلاميين، غير أنهم خدعوهم حين قالوا لهم إنهم جاؤوا بالشريعة وإن لها الحاكمية فينا. فحملوهم بالخديعة تلك لحرب مثل الرفيق عبدالعزيز الحلو، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان والعلماني بلا حدود، ونائبه في ميثاق تأسيس. وظل “حميدتي” يسأل هل في شريعة يا ناس؟ ليجيب أنها لم توجد إلا ما كان طبقوه على زعيم الحزب الجمهوري الأستاذ محمود محمد طه، ويقصد بذلك إعدامه كما مر في أخريات نظام الرئيس نميري (1969-1985) إعداماً قال إن ذنبه معلق لا يزال برقبة الإسلاميين.
وعرج من هنا للإشادة بالحزب الجمهوري الذي قال إنهم أضلوهم عنه. وأثنى عليه لاصطفافه معهم في “تأسيس” بينما كانوا هم ضده تحت تأثير الخداع بالشريعة حتى خلال فترة الحكومة الانتقالية التي خلفت الإنقاذ في الحكم بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) عام 2018، ومن ذلك أنهم وقفوا بوجه عمر القراي الجمهوري حين صار على سدة تغيير المناهج في تلك الحكومة، فاتهموه بأنه يريد من تغيير المناهج تبديل الدين وما أشبه. واعترف “حميدتي” بأنه كان على رأس من عادوه في وظيفته تلك وعملوا ضده. ونوه أخيراً بالحزب الجمهوري ووصفه بأنه “أكبر حزب ثوري”.
سنأتي بحديث القراي بعد عرض حظوة قوات “الدعم السريع” من رموز من الجمهوريين خلال هذه الحرب حظوة جعلتهم الحزب الأكثر ثورية في نظرهم، فوجدت “الدعم السريع” في هؤلاء الرموز من رفع عنه بصورة أو أخرى حرج ما يؤخذ عليه من إرهاب. وهذه خدمة غراء.
فالمفكر الجمهوري ومؤلف “العقل الرعوي: في استعصاء الإمساك بأسباب التقدم” (2023) النور حمد استباح الخرطوم حرفياً لـ”الدعم السريع”. فلم يقبل ممن طلب من تلك القوات إخلاء الدور التي احتلتها في المدينة. ورأى في المطلب نفسه شططاً في التفكير، بل استحالة، فقال إن احتلال الجنجويد بيوت الناس أخرج الناس من طورهم، فركبتهم العاطفة في حين صح أن يركبهم العقل. فمثل ذلك الاحتلال مما يتوقعه المرء في حرب لأن “الحرب لا تدار بأخلاق”، ولذا يعمل أهل الحكمة ألا تندلع حرب، ومتى اندلعت اندلقت شرورها.
وسخر النور من القائلين بضرورة خروج “الدعم السريع” من بيوت المدنيين بقوله “يقولوا ليك (الدعم السريع) يطلع من البيوت. هو احتلها يطلع ليك كيف؟ ما بيطلع إلا بتفاوض. ما بيطلع ليك. في زول احتل ليهو محل في معركة طلع منها ساكت لأنك أنت قلت له إطلع. بيطلع لما أنت تكون عندك قوة تطلعو. تخليه يطلع. وعملياً أنت ما عندك هذه القوة”. وجاء وقت خروج “الدعم السريع” من هذه الدور بعد استرداد القوات المسلحة للمدينة ليتهم النور هذه القوات باستخدام السلاح الكيماوي.
ونصب هؤلاء الجمهوريون من أنفسهم محامين عن قوات “الدعم السريع” درءاً لما يذاع عن انتهاكاتهم، فأمنوا على عاذرته من أن أكثر ما يؤخذ عليهم إنما هو مكائد ممن يريد بهم السوء فيرتكب الإثم وينسب نفسه لهم وهم براء. ويريد الكائدون، في قول الدكتور الجمهوري الباقر العفيف، بمثل هذه الفعلة أن يؤلبوا أبناء الشمال والوسط، ممن ورثوا عن جدودهم ذكرى انتهاكات وقعت عليهم من الدولة المهدية (1885-1898) التي ساد فيها أبناء غرب السودان الفئة الغالبة في يومنا “الدعم السريع”. فزي “الدعم السريع”، في قول العفيف، مبذول لمنظمات الإسلاميين شبه العسكرية مثل الأمن الشعبي والطلابي والاستخبارات العسكرية وقوات هيئة العمليات، بل امتلكه حتى معتادو الإجرام الذين أطلقتهم السلطات من السجون كغطاء لفك أسر المعتقلين من الإسلاميين ومن هم أمام المحاكمة. فلبست ميليشيات الإسلاميين زي “الدعم السريع” “وظلت ترتكب جرائم النهب والسلب والاغتصاب نفسها لتنسبها لـ’الدعم السريع‘ في الحرب الإعلامية والنفسية وتعبئة الشعب ضدها”.
وتأسّف القراي من جهته لإضاعة “الدعم السريع” فرصاً كبيرة لبيان أنه براء من الاعتداءات التي يقوم بها أفراد متفلتون منه، أو كتائب إخوانية تلبس لبس “الدعم السريع” لتشوه صورتها بأفعال منكرة. وبدا له أن تلك الجماعة الكائدة نجحت في تسوئة “الدعم السريع” إلى حد كبير.
ولم تكُن عداوة “حميدتي” للقراي خلال تأدية واجبه مسؤولاً عن المناهج في الحكومة الانتقالية مما يشفع فيها الاعتذار جزافاً بآخرة، فوقعت تلك العداوة في سياق سياسي خرج فيه “حميدتي” خصماً صريحاً لثورة ديسمبر 2018 ذا ملكات استثنائية في العزيمة وحشد الشعب لمشروعه. وكانت محنة القراي في المناهج، من جانب آخر، هي أول نصر لخصوم الثورة وعلى رأسهم الإسلاميون. فحملوا الحكومة على تجميد المنهج الذي وضعه القراي ورهنوا أي تغيير آخر بهم في مثل ضرورة أن يمر على مجلس الفقه الإسلامي الذي كان في طليعة المقاومين للقراي، للتصديق عليه. وفوق هذا وذاك نجحوا في اضطرار القراي، الكادر القيادي في دولة الثورة، إلى الاستقالة مغاضباً، وتنفسوا الصعداء.
وقبل أن ندلف لواقعة نكسة مناهج القراي نعرض للسياق السياسي الذي وقعت فيه. فلم تكُن تلك النكسة حدثاً معزولاً عن خطة سياسية أراد عبرها “حميدتي” إلغاء الثورة نفسها وكأن لم تكُن. وجاء بحيثيات ذلك السياق قبل أسابيع الصحافي في الجزيرة فوزي بشرى بإعادة نشر رسالة له من أيام خلافات المجلس العسكري الذي انقلب على الرئيس حسن أحمد البشير في الـ11 من أبريل (نيسان) عام 2019، و”قوى الحرية والتغيير” (قحت) التي كانت على رأس الحراك الثوري منذ ديسمبر 2018 حول صورة دولة ما بعد البشير وشراكتهما فيها. وهو خلاف وصفه فوزي بأنه حوّل الثورة إلى أزمة سياسية. فرفض المجلس مساومة عرضتها إثيوبيا على الطرفين ليكرس المجلس العسكري نفسه كياناً سياسياً متجاوزاً الشراكة مع المدنيين مسؤولاً عن العملية السياسية بأسرها. ففض المجلس اعتصام الحراك الثوري حول مبنى قيادة القوات المسلحة بالخرطوم في الثاني من يونيو (حزيران) عام 2019 بالفظاعة التي سارت بها الركبان.
وكان رأس السهم في تكريس تلك الصورة “حميدتي” نائب رئيس المجلس العسكري، بل كان “حميدتي” من يسابق المجلس نفسه لتعزيز صورته كحامٍ للأمن متصدياً لفوضى الثورة. فنزع عن “قحت” شرعيتها في التفاوض وحدها من دون غيرها مع العسكريين حول ترتيبات الحكم المقبلة. فقال خلال موكب جماهيري إن تلك الشراكة هي للشعب كله من خلال زعماء العشائر والقبائل لا لـ”قحت” دونهم، واستنكر مطلب “قحت” باحتكار 67 في المئة من مقاعد المجلس التشريعي المنتظر بشرعية الثورة. وسمى ذلك تحكماً بالمزاج “والله زول يقبلها ما في. ما في عقل بقبلها”. وناشد أساتذة الجامعات (1500) الذين كان اجتمع معهم أن يجمعوا 5 آلاف منهم، قال “أقل حاجة”، لتشكيل لجان ترعى البلد الذي هم مسؤولون عنه لتحكم البلاد بالقانون.
وهكذا استغنى “حميدتي” مرة واحدة عن “الحرية والتغيير” بحشد جمهوره الذي كان عظم ظهره “الكيزان” الذي يعاديهم في يومنا، حول صورة أخرى للحكم تخلو “قحت” لولا أنها استردت نفسها بموكب مشهود للجان المقاومة في الـ30 من يونيو.
وجاءت معارضة “حميدتي” وشيعته لمنهج القراي في سياق هذه الهمة السياسية العريضة التي كان هو رأس رمحها.
دخل القراي على موضوع تغيير المناهج بالقدم الغلط كما تقول الفرنجة، فأبدى خلال لقاء تلفزيوني عابر اعتراضه على مقدار حفظ الطالب من القرآن في المنهج الموروث عن دولة الإنقاذ (1989-2019). وهذا الحفظ والإكثار منه شكوى سمعناها في أوساط دوائر الحداثة التي نشأت على استنكار “الكب”، أي الحفظ. وانتهز خصوم الحكومة خوض القراي في “المقدس” فحصرته حيث ثقفته. ونقول بـ”القدم الغلط” لأن القراي ورهطه الجمهوري من قر عند طوائف كبيرة من السودانيين أنهم ليسوا من ملة الإسلام بعد نجاح المشيخة الدينية في محاكمة أستاذهم محمود محمد طه (1909-1985) مرتين بالردة عن الإسلام عام 1968 وعام 1985 وليعدم بعد الأخيرة. وتجمعت سحب معارضة “مناهج القراي”، كما سماها خصوم الثورة، منذ أذاع اعتراضه ذاك. ولم يتأخر حتى بعض أصدقاء الثورة عن الخوض في باطل القراي. ولما بلغت معارضة تلك المناهج الذرى لم يملك رئيس الوزراء عبدالله حمدوك بدّاً من تجميدها في ما وصفه كاتب بـ”انتصار منطق الإدارة على منطق التحول” وليستقيل القراي من المنصب، وليشتكي بعدها لطوب الأرض عن رئيس الوزراء الذي أغلق بابه في وجهه.
ولا بد من أن القراي عاش وحشة كئيبة يصطلي نيران أصدقاء الثورة وخصومها معاً، فلقد عَدِم الزمالة حتى من صفوة الثورة، فلن تقرأ حتى للجمهوريين من خاصته يسندون ظهره بهجوم مضاد على المنهج القديم وهم من أحسن من كان نقده أيامهم في المعارضة. وانتظر مثل المؤتمر السوداني، الحزب المميز في “قحت”، تجميد المنهج ليستنكره ولم يحرك ساكناً طوال ما كانت العوة (الصوت والجلبة) واقفة. فقال الحزب إن المنهج تعرض لهجوم في منصات الرأي العام “وكان من اللازم مناقشة الجهة التي وضعت المناهج والتحري معها حول رؤيتها وحول الأخطاء ومن ثم إجراء اللازم وفق الأسس العلمية والمهنية”. ولا أعرف كيف لم يلزمهم هذا “اللازم” التدخل في الأمر خفافاً إما تربوياً من فوق رؤية تربوية اختصوا بها، أو من جهة الإجراءات في التحري فيما استثار هذه المنصات وأزعجها. ولما لم “يتب” (يثب) الحزب في عنفوان الصراع بإيجابية جاء بآخرة بعد خراب مالطا لينتقد رئيس الوزراء، بل بلغ الأمر في عزوف أرباب الثورة عن مناهج القراي بجماعة الأنصار (أنصار مهدي القرن التاسع عشر) التاريخية التي استثقلت دعوة طه الدينية طويلاً، حد الاحتفال بتجميد المنهج وأثنت على دور مجمع الفقه الإسلامي في المسعى.
وغير خافٍ أن المناهج كانت “ثغرة الدفرسوار” (ثغرة بين جيشين مصريين نفذ منها الجيش الإسرائيلي غرب القناة وطوقهما ورجّح الكفة لمصلحته بعد نصر مصر المباغت في حرب أكتوبر 1973) ركبها خصوم الثورة وحققوا منها النصرين اللذين تقدما، إجبار الحكومة أن تستغني عن موظف كبير بها مهاناً مذلولاً، وفرض أفقها المضاد لما تكون عليه المناهج وتأمين حضورهم في عملية تغييرها.
ومن أدب الدين لا قبول الاعتذار من أخيك وحسب، بل التماس العذر له إن لم يكُن له عذراً. وقبلت “قحت” من “حميدتي” أعذاراً من واقعات في جسامة انقلابه مع الفريق ركن عبدالفتاح البرهان على الحكومة الانتقالية والقضاء عليها في الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2021. فكان جاء بآخرة ليقول إنه كان مخدوعاً من البرهان فأفاق وعرف خطأه. وصح العذر بالطبع من دون أن يعفي “قحت”، أو الجمهوريين والقراي، من أخذ الواقعة المعتذر منها بقوة في تحليل فشلهم في إدارة الفترة الانتقالية. فتسمع من أطراف من “قحت” يزكون “حميدتي” مثلاً لاعتذاره من الانقلاب لا عن نبالة كما ينبغي، بل لتذنيب البرهان لأنه لا يزال في الضفة السياسية الأخرى منهم بما يشبه الابتزاز.
لن يرضى أستاذ الجمهوريين محمود محمد طه أن يثني عليهم “حميدتي” الذي ساءت سيرته في العالم بكسب يديه حرفياً. فإذا اشتكى الجمهوريون من الحكومة الطاغية في الإنقاذ أو ما بعدها وطمعوا في استبدالها بدولة لـ”الدعم السريع”، فأستاذهم من سبق بالقول إن الحكومة الظالمة خير من الفوضى.
