الرحالة البريطاني برترام توماس (المتحف البريطاني)
ملخص
في كتابه “العربية السعيدة: عبور الربع الخالي في الجزيرة العربية”، يدون الرحالة البريطاني برترام توماس (1892-1950م) قصة الرحلة، والأبحاث التي قام بها واكتشافه تضاريس منحدر الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية والتعرف على هذا المكان وتركيبه الجيولوجي
قام المستكشف البريطاني برترام توماس بين عامي 1927 و1928 برحلة على ظهور الإبل، قطع خلالها قرابة 600 ميل، في الأراضي الحدودية الجنوبية لشبه الجزيرة العربية القريبة من الهند وانتهى في “مقاطعة ظفار”، التي أطلق عليها “العربية السعيدة”. وبين عامي 1929 و1930 قام باستكشاف منطقة السهوب إلى مسافة 200 ميل شمال ظفار، إلى أن وصل إلى حافة الرمال، وكان في هاتين المرتين يرتدي ثياباً بدوية ولا يتكلم سوى اللهجة المحلية.
في كتابه “العربية السعيدة: عبور الربع الخالي في الجزيرة العربية”، يدون الرحالة البريطاني برترام توماس Bertram Thomas (1892-1950م) قصة الرحلة، والأبحاث التي قام بها واكتشافه تضاريس منحدر الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية من ناحية، والتعرف على هذا المكان وتركيبه الجيولوجي، من ناحية أخرى. والعنوان الأصلي للكتاب الصادر عام 1932 هو Arabia Felix: Across the “empty Quarter” of Arabia.
ويعتبر الكابتن توماس أول مستشرق يعبر ما أطلق عليه صحراء الربع الخالي. شغل وظيفة ضابط سياسي في جيش الحكومة البريطانية في العراق خلال الحرب العالمية الأولى في المكتب السياسي برئاسة السير أرنولد ويلسون ، كما عمل مستشاراً للحكومة العربية في شرق الأردن عام 1922م وعين وكيلاً سياسياً في عدن. وفي عام 1924 عين وزيراً لسلطان مسقط وعمان الذي اصطحبه في عدة زيارات ورحلات إلى المناطق الشرقية لساحل عمان. واستفاد توماس من هذه الرحلات في تأليف كتب مهمة عن شبه الجزيرة العربية، استفاد منها لاحقاً عدد من الرحالة المشهورين، ومنها الكتاب الذي نعرض له هنا والذي صدر مترجماً إلى العربية بواسطة صبري محمد حسن، ضمن “سلسلة الألف كتاب”، التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، وسبق أن صدر الكتاب نفسه تحت عنوان “البلاد السعيدة” بترجمة محمد أمين عبدالله، عن وزارة التراث والثقافة في سلطنة عمان، عام 1984.
وينطلق هذا العنوان قول توماس إنه “إذا كان في شبه الجزيرة العربية منطقة أخرى تستحق وصفها بالسعيدة، غير اليمن، الذي عرف القدماء أمجاده حق المعرفة، فإن هذه المنطقة هي تلك التي يطلق عليها مقاطعة ظفار، العامرة بالمراعي والغابات التي تكسو الجبال المنحدرة التي تطل على البحر”، مشيراً إلى أنها ذكرت في سفر التكوين باعتبارها آخر العالم المعروف، كما أن قدماء المصريين كانوا يجلبون منها البخور لاستخدامه في عمليات التحنيط، وهي كذلك تعتبر السوق التقليدية للعاج وريش الطاووس. ومن ملاحظاته عن رحلتيه الاستكشافيتين في “الربع الخالي”، قوله “نظراً إلى أنني كنت وزيراً للسلطان، ونظراً أيضاً للعلاقات الودية التي كانت بيني وبين الحاكم، تمكنت من أن أكون على اتصال شخصي مع كبار العرب المؤثرين في هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية، وكنت أحظى بموقف متسامح، رغم أني كنت إنجليزياً ومسيحياً”.
وهكذا كان الكابتن توماس أول غربي يخترق جانباً من صحراء “الربع الخالي”، التي تعد أكبر صحراء رملية في العالم، انطلاقاً من مدينة صلالة. ومعروف أن “الربع الخالي”، يندر أن يرتاده الرحالة، فضلاً عن استكشاف الحياة الحيوانية، والبشر الذين يسكنون هذا المكان، هم وقراباتهم وصلاتهم العرقية واللغوية، إضافة إلى سلوكياتهم وعاداتهم وتقاليدهم وأسلوب حياتهم. ومن هنا حصل برترام توماس، مؤسس الجمعية الجغرافية الملكية، على نوط الإمبراطورية البريطانية، وعلى ميدالية بيرتون التذكارية من الجمعية الآسيوية الملكية، والميدالية الذهبية من الجمعية الجغرافية في آنتويرب. ومساحة ما يطلق عليه اصطلاحاً “الربع الخالي” تعادل نصف مساحة أوروبا.
والجدير بالذكر هنا هو أن البريطانيين هم من أطلقوا على “الربع الخالي” هذا الاسم، لكن القبائل التي تسكن تلك الصحراء مترامية الأطراف لا يستعملون هذا الاسم. ويشكل القسمان الشرقي والجنوبي، من هذه الصحراء، ثلث مساحة ما اصطلح على تسميته “الربع الخالي”. هذان القسمان اللذان يشكلان حدوة فرس، هما عبارة عن سهوب، كما هو الحال في سهوب السيح في الشمال، وجدة حراريس في الجنوب. وسكان هذه الجدة والسهوب يطلقون على هذه الصحراء اسم “الرمل”، أو “الرمال”. وقبائل هذه المنطقة يطلقون أسماء محددة على أماكن معينة من الرمال.
من هنا نجد منطقة من مناطق السهوب، كما يقول المترجم الدكتور صبري محمد حسن، تشتق اسمها من اسم القبيلة التي تعيش فيها، كما هي الحال في القراوين الذين يعيشون في جبال قارة. وأثبت برترام توماس أن الحافة الجنوبية للرمال، موازية للساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، في المنطقة من موجشين إلى شمالي حضر موت، وأنها تنحدر من الجنوب إلى الشمال ومن الغرب إلى الشرق. ويلاحظ حسن كذلك أن توماس قام برحلتيه؛ “في زمان كان عامراً بالمقاتلين الحقيقيين في مسألة شبه الجزيرة العربية، وعلى رأسهم شارلز دوتي، وولفريد سكاون بلنت، وديفيد جورج هوغارث وغرترود بل”.
ويقول توماس في تصدير كتابه الموسوعي، إنه لم يحاول أثناء كتابته تضمينه الملاحظات الوفيرة التي جاء بها الرحالة السابقون من المناطق المجاورة، والتي قد يكون أو لا يكون لها صلة بالمشكلات التي تناولها هو. ومن هنا فضل أن يحكي بصورة مباشرة عما رآه وسمعه. وتضمن الكتاب ملحقاً أنثروبولوجياً تحت عنوان “الخصائص العرقية لعرب الجنوب”، كتبه السير آرثر كيث والدكتور ولتون ماريون كروغمان.
وتضمن ملحقاً ثانياً كتبه الدكتور وليام طوماس كالمان، أمين قسم الحيوان في المتحف البريطاني، واشتمل على ملاحظات عن مجموعات التاريخ الطبيعي لأعضاء في القسم نفسه. وهناك ملحق ثالث يتضمن قائمة بالرمال المحلية وحفر المياه، إضافة إلى المصطلحات الطبوغرافية. وهناك ثلاثة ملاحق إضافية: قائمة الحياة النباتية، قائمة علامات الإبل، وقائمة الأناشيد والأغاني. ويشتمل الكتاب الذي جاءت ترجمته إلى العربية في 480 صفحة من القطع فوق المتوسط، على 20 فصلاً. كما اشتمل على تمهيد كتبه كرافتمان. ت. إي. شاو (العقيد لورانس) ذكر فيه أن توماس اختار عبر رحلتيه الاستكشافيتين أن يقامر بحياته، معتمداً في ذلك على التضامن الأمني الذي تدين به الصحراء لابن سعود”، في إشارة إلى عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية وأول ملوكها.
ويؤكد توماس في مقدمة كتابه إلى أن هاتين الرحلتين اللتين قام بهما أكدتا عدم صواب الانطباع الذي مفاده أن هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية، يمكن استكشافه على نحو فضل باستعمال الوسائل الحديثة، مثل السيارات والطائرات”، مشيراً إلى أن المهمة التي أنجزها، لم يكن ممكناً إنجازها بدقة عن طريق المسح الجوي الذي ما كان سيسمح لنا بإضافة أي اسم إلى الخريطة، ناهيك عن العجز عن تأكيد ولو مجرد ةحقيقة واحدة من الحقائق الأنثروبولوجية، أو الجيولوجية، وغيرها من الحقائق المهمة”. يزاد على ذلك، يقول توماس، إن تعدي الماكينات الغربية على الصمت العذري لهذا المكان ينطوي على شيء من الغلظة وانعدام الكياسة؛ ويجب عدم الخلط بين هذا الإحساس وهزة الفرح بالمجعول، الذي تطوقه هنا حافة الطبق السماوي المقلوب؛ كما يجب أيضاً عدم الخط بين هذا الإحساس والحافز العقلي أو الذهني الناجم عن الخطط عندما تكون في طور التحقق البطيء المتأرجح. ومن خبر هذه الأمور يعلم علم اليقين أن ظهور الإبل، هي والمسيرات الطويلة، هما اللذان يشكلان سحر الجزيرة العربية وجاذبيتها”.