
أثار قرار تعيين القائد العسكري الكردي سيبان حمو، معاوناً لوزير الدفاع السوري لشؤون المنطقة الشرقية، موجة واسعة من الجدل السياسي والشعبي.
يأتي ذلك، في ظل تباين واضح في المواقف بين الأوساط الكردية والعشائرية والحكومية السورية، حول دلالات هذه الخطوة وتداعياتها على مستقبل التوازنات شرقي سوريا.
وكانت وزارة الدفاع السورية قد أعلنت رسمياً، قبل أيام، عن تعيين قائد وحدات حماية الشعب الكردية سيبان حمو في المنصب الجديد، في خطوة قال مدير الإعلام والاتصال في الوزارة عاصم غليون، إنها تأتي ضمن تنفيذ آلية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، وفق الاتفاق المبرم بين الجانبين في 18 كانون الثاني/ يناير الماضي.
ويهدف الاتفاق إلى دمج القوات العسكرية والإدارية التابعة لـ”قسد” ضمن بنية الدولة، بعد سنوات من الإدارة الذاتية التي شهدتها منطقة الجزيرة السورية.
لكن الإعلان عن تعيين حمو، لم يمر من دون ردود فعل غاضبة، إذ شهدت محافظة الرقة احتجاجات شعبية رفضاً لهذا القرار، في وقت تصاعدت فيه الانتقادات في الأوساط العشائرية التي اعتبرت الخطوة مثيرة للجدل بسبب خلفية الشخصية المعينة وتاريخها العسكري والسياسي.
خطوة في مسار دمج “قسد”
ويرى مراقبون، أن قرار تعيين حمو يأتي في إطار مسار سياسي وأمني أوسع، يهدف إلى إنها الازدواجية العسكرية شرقي سوريا.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم مديرية إعلام الحسكة إبراهيم الحلبي، لـِ “المدن”، إن التعيين يندرج ضمن تطبيق الاتفاقيات التي جرى التوصل إليها بين الحكومة السورية و”قسد”، والتي تنص على دمج القوات العسكرية والمؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وأوضح الحلبي أن الحكومة السورية بدأت بالفعل اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، من بينها تعيين محافظ جديد للحسكة، إلى جانب تسريع عملية دمج المؤسسات الأمنية والعسكرية، في محاولة لتخفيف الاحتقان الشعبي الذي تراكم خلال سنوات الصراع، وفق تعبيره.
ومع ذلك، أشار الحلبي إلى أن هذه القرارات لم تحظَ بإجماع داخل المجتمع المحلي، سواء في الأوساط العربية أو حتى داخل بعض الدوائر الكردية، حيث ما تزال هناك تحفظات على الشخصيات التي يجري اختيارها للمناصب الجديدة.
جدل سياسي وشعبي
الجدل الذي رافق تعيين حمو، بحسب محللين، هو طبيعة المرحلة الانتقالية المعقدة التي تمر بها مناطق شرقي سوريا، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية والسياسية والاجتماعية.
وقال الباحث في مركز عمران للدراسات علي عبد المجيد، لـ”المدن”، إن هذه الخطوة يمكن قراءتها ضمن مقاربة الواقعية السياسية، التي تتبناها الحكومة السورية في التعامل مع ملف دمج “قسد”.
وأضاف أن استيعاب قوة عسكرية داخل بنية الدولة، يتطلب أحيانا ترتيبات سياسية ورمزية، تسمح بانتقال هذه القوة من الفاعل المسلح إلى العمل المؤسسي، مشيراً إلى أن منح مناصب قيادية لبعض القادة السابقين، قد يكون جزءاً من هذه المعادلة.
ورغم الاعتراضات الشعبية، يرى عبد المجيد أن الحكومة السورية تراهن على أن يؤدي هذا المسار إلى تفكيك البنية العسكرية الموازية واحتواء التوترات شرقي سوريا، خصوصاً في ظل التعقيدات الإقليمية المتصاعدة في المنطقة.
قراءة مختلفة داخل الأوساط الكردية
في المقابل، يرى بعض الباحثين أن دمج شخصيات كردية بارزة في مؤسسات الدولة، قد يسهم في تعزيز الشراكة الوطنية بين المكونات السورية المختلفة. وقال الحقوقي والباحث السياسي خالد جبر، لـِ “المدن”، إن سيبان حمو يُعد من القادة العسكريين الذين اكتسبوا خبرة ميدانية كبيرة خلال سنوات الحرب السورية، خصوصاً في المعارك ضد تنظيم “داعش”.
وأضاف أن مشاركته في العمليات العسكرية الكبرى، مثل معركة “كوباني” والمعارك في الرقة ودير الزور، أكسبته خبرة عسكرية وأمنية مهمة، معتبراً أن إشراك شخصيات تمتلك هذه الخبرة داخل مؤسسة الدفاع السورية، يمكن أن بُنظر إليه كخطوة نحو الاعتراف بدور المكونات الكردية في محاربة الإرهاب.
كما يرى جبر أن تمثيل المكونات المختلفة داخل مؤسسات الدولة، يعزز الثقة بين الحكومة السورية والمناطق الكردية، وهو أمر ضروري في مرحلة إعادة بناء الدولة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.
اعتراضات عشائرية
لكن هذه القراءة الإيجابية لا تحظى بقبول واسع لدى بعض الأوساط العشائرية شرقي سوريا، والتي ترى أن التعيين جاء في توقيت حساس، وسط أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة.
وأشار الشيخ خالد الحماد، المشرف العام على مركز وسط للبحوث والدراسات الفكرية، في حديثه لـِ “المدن”، إلى أن الجدل حول التعيين لا يرتبط فقط بشخص حمو، بل أيضا بالظروف التي تعيشها مناطق الجزيرة السورية بعد انسحاب “قسد” من بعض المناطق.
وأوضح أن كثيراً من شباب المنطقة الذين انشقوا عن قوات “قسد” وانضموا إلى مؤسسات الدولة، لم يجدوا فرص عمل أو دعماً اقتصادياً بديلاً، في وقت ارتفعت فيه أسعار المواد الأساسية والمحروقات مقارنة بما كان متوفراً خلال فترة الإدارة الذاتية. وأضاف أن هذه الظروف خلقت حالة من الإحباط لدى السكان، ما جعل أي قرار سياسي أو إداري جديد عرضة لردود فعل غاضبة.
شخصية مثيرة للجدل
ويُعد سيبان حمو من أبرز الشخصيات العسكرية التي برزت خلال سنوات الحرب السورية. وينحدر من منطقة عفرين شمالي سوريا، وبدأ نشاطه العسكري ضمن صفوف حزب العمال الكردستاني خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، قبل أن يبرز لاحقا كأحد المؤسسين لوحدات حماية الشعب.
ومع توسع العمليات العسكرية ضد تنظيم “داعش”، لعب حمو دوراً قيادياً في عدد من المعارك البارزة، ما جعله أحد الوجوه العسكرية المعروفة في صفوف “قسد”.
غير أن اسمه ظلّ أيضاً محل جدل واسع، سواء بسبب مواقفه السياسية التي دعت إلى تبني نموذج “اللامركزية” في سوريا، أو بسبب الاتهامات التي وجهها له معارضون بارتكاب انتهاكات خلال سنوات الصراع.