مضيق هرمز هو أحد مفاصل الاقتصاد العالمي، من لم يدرك هذا الأمر قبل الحرب فقد أدركه الآن، المضيق جزء حاسم من تجارة النفط والغاز التي يرتكز عليها الإنتاج الصناعي، والنقل، والكهرباء، وسلاسل الإمداد الدولية، ولذلك فلا عجب أن قفزت أسعار النفط حال بدء الحرب، ولا غرابة في أن ترتفع أسعار السلع خلال الأشهر القادمة، حتى لو انتهت الحرب خلال الأيام القليلة القادمة بسبب إغلاق المضيق، فكيف تفسر الأرقام أهمية هذا المضيق؟ وما خصوصية هرمز عن بقية الممرات البحرية؟
في عام 2025، عبَرَ مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، وهو ما يعادل 25 في المائة من تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، كما مر عبر المضيق أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، أي نحو خُمس تجارة الغاز المسال العالمية، ونحو 29 في المائة من غاز البترول المسال، و13 في المائة من تجارة المواد الكيميائية، هذه الأرقام تدلل على أن المضيق يعمل كصمام رئيس في نظام الطاقة العالمي، وسلامته تعد جزءاً من أمن الطاقة العالمية، ولا يمكن إغفال دور هرمز في أمن الغذاء، خاصة للدول النامية، فبحسب تقرير منظمة «أونكتاد»، فإن ثلث تجارة الأسمدة البحرية يمر عبر المضيق، ونحو 16 مليون طن من الأسمدة نقلت بحراً من منطقة الخليج.
وأهمية هُرمز لا تقاس بحجم التدفقات عبره فحسب، بل بندرة ومحدودية بدائله، فقدرة المسارات البديلة عبر خطوط الأنابيب لا تكفي لتعويض كامل التدفقات، وقد قدّرت وكالة الطاقة الدولية أن الطاقة المتاحة لتجاوز المضيق تتراوح بين 3.5 و 5.5 مليون برميل يومياً، وهو رقم لا يزيد على ربع المعدل اليومي في أفضل الأحوال، وهنا تكمن الحساسية الاقتصادية لهرمز، فالتعطل فيه لا يعني مجرد تأخير زمني في الشحن أو أخذ مسار بحري أطول، بل قد يعني نشوء فجوة فعلية في الإمدادات، وهو ما يدفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر بسرعة شديدة، وهو ما يفسر سلوك أسواق النفط خلال الأسبوعين الماضيين.
ولا يعد هرمز الممر البحري الأكبر في التدفقات النفطية، فقد سجل مضيق ملقا جنوب شرق آسيا تدفقات نفطية بلغت 22.5 مليون برميل يومياً، أي أعلى قليلاً من هرمز، لكن هذه المقارنة رقمية فقط، ولا ترتبط بالحساسية الاقتصادية، فمع أهمية مضيق ملقا الاقتصادية بصفته معبراً عالمياً، إلا أن هرمز منفذ تصدير مباشر للطاقة المنتجة من دول الخليج، ولذلك فإن تعطله يضرب الإمداد نفسه، وبالطبع لا تمكن مقارنته مع أي ممر بحري آخر في العالم، فمجموع التدفقات النفطية لقناة السويس، وخط سوميد، وباب المندب، والمضائق الدنماركية والتركية، لا يزيد على 17.5 مليون برميل يومياً.
ومن هنا يمكن القول إن الفارق بين هرمز وبقية الممرات ليس فقط في حجم الحركة، بل في نوع الأثر الاقتصادي. وقد أوضح تقرير منظمة «أونكتاد» عن النقل البحري لعام 2024 أن اضطرابات الممرات البحرية ومنها البحر الأحمر وقناة بنما دفعت مؤشر شنغهاي للشحن بالحاويات إلى أكثر من الضعف بحلول منتصف عام 2024 مقارنة بأواخر 2023. وقدرت المنظمة أن استمرار ارتفاع تكاليف الشحن قد يرفع أسعار المستهلك العالمية بنسبة 0.6 في المائة في عام 2025، هذه هي تبعات الاضطرابات في الممرات الأخرى، أما هرمز، حيث تندر البدائل وتصدّر المواد الأولية ومصادر الطاقة التي تكاد تمس جميع السلع، فإن تبعات اضطراباته ستكون أكثر وضوحاً وتأثيراً.
وضمن هذه الخيارات المحدودة، يبرز خط أنابيب «بترولاين» الذي يربط الخليج العربي بالبحر الأحمر عبر المملكة العربية السعودية، كإحدى أهم الأدوات الاستراتيجية في أسواق النفط، فقد أدى هذا الخط دوراً جوهرياً في أمن الطاقة العالمي خلال الحرب، مقلّصاً المخاطر ومعززاً الأمن الاقتصادي السعودي، هذا الخط الذي قررت السعودية إنشاءه نهاية السبعينيات، وبدأ تشغيله عام 1981، كان القرار الحكيم الذي آتى أُكُلَهُ بعد أكثر من 45 عاماً، وأصبح خياراً استراتيجياً بعد أن كان مشروعاً لوجيستياً، وغدا نقطةً مضيئةً في عتمة الحرب.
الشرق الاوسط
