من “سخرية” الواقع اللبناني الراهن، أن يتوجه الجمهور إلى قاعة مسرح “مونو” في الأشرفية- بيروت، في محاولة لاستعادة شيء يشبه الحياة العادية، ومشادة عرض مسرحي بعنوان “كذبة بيضاء” يتناول الحرب اللبنانية وجبهاتها وأسلحتها وفضاءاتها، فيجد نفسه بين حربين، حرب تدور على المسرح وحرب رهيبة في الخارج.
تدور أحداث مسرحية “كذبة بيضاء” (كتابة الروائي إسكندر نجار وإخراج لينا أبيض) ، حول بدايات الحرب اللبنانية على جبهة ترسخها السينوغرافيا المسرحية لنقل القتال وأجوائه في عام 1975. دوامة واقعية سوداء قاتمة، لفتة مرة من القدر تضع الجمهور اللبناني أمام حربين، حرب قديمة تدور أحداثها على الخشبة، وحرب جديدة تدور رحاها خارج جدران المسرح. نوع من تبئير مضحكٍ- مبكٍ، mise en abyme وجودية لم يسبقنا إليها أحد، لا المسرحيين العبثيين الفرنسيين ولا الكتاب الكلاسيكيين الروس ولا من أتى قبلهم ولا بعدهم.
جبهة في الداخل وجبهة في الخارج، حرب على الخشبة وحرب في شوارع المدينة، حربان عبثيتان تصطادان الممثلين والجمهور معاً في رقصة قتال وقنص وغارات تحاوط المشاهد وتحوله إلى شخصية هو الآخر، شخصية في مسرحية لا تنتهي هي مسرحية الحروب اللبنانية التي تتغير فيها الأطراف وتتغير السنوات لكن الموت واحد، والخوف واحد، والكذب واحد.
قد يستذكر التاريخ ليلة الأربعاء 11 مارس (آذار) وهي ليلة افتتاح هذه المسرحية كليلة غرائبية سريالية، فالجمهور يشاهد القتال على الخشبة بين ممثلين يؤدون أدواراً كُتبت خصيصاً لهم، لكنه في الوقت نفسه يتلقى رسائل بأخبار عاجلة عن الحرب الفعلية القائمة بين ممثلين أكبر يؤدون بدورهم أدواراً كتبت لهم. جمهور يستذكر حرباً قديمة على الخشبة وعينه على هاتفه ليعرف الحرب الجديدة أين تضرب. حرب فنية على خشبة المسرح، وحرب عبثية على أرض الواقع، فهل من حرب تنتصر على الأخرى؟
مسرحية فرنكوفونية كوميدية
وبغض النظر عن الظروف المفجعة المحيطة بالعمل والحرب المستعرة والجنون البيروتي القائم، تتجلى مسرحية “كذبة بيضاء” أو mensonge blanc مسرحية فرنكوفونية كوميدية خفيفة بطولة أنطوني توما بدور جينو ومايا يمين (أم جينو) وجو أبي عاد (أبو جينو) وجوزيان بولس (عمة جينو) وجلال الشاعر وغاييل العايلة وعلي فرحات وجوانا خلف وجاك مارون وعلي بليبل بدور الميليشياويين.
يجد الجمهور نفسه في بداية العرض في بيت برجوازي لبناني فرنكوفوني يعيش أهله رفاهية وراحة على رغم الخلافات العائلية الكثيرة التي تظهر بين الرجل وزوجته وشقيقته. ثم يظهر جينو، الابن الوحيد للعائلة، شاب عشريني وسيم ذكي موهوب ذو صوت جميل ووريث مال وجاه. يضع والد جينو آماله بابنه بأن يتسلم من بعده إدارة المصنع وثروة العائلة. لكن الابن جينو يملك رؤية مختلفة لمستقبله، فهو يريد القتال والدفاع عن أرضه ومدينته ومثله العليا. يجسد جينو ببراءته الشباب اليافع الساذج الذي يرى في الحرب معركة قيم وعقائد ومبادئ.
على أن والديه يجبرانه على السفر إلى اسكوتلندا للتعلم في الخارج، يقرر جينو البقاء في لبنان والقتال على الجبهة خفية عن والديه. فتبدأ عندها الكذبة البيضاء التي تكون فاتحة سبحة من الكذبات البيض الأخرى. فجينو يكذب على والديه ويدعي أنه في اسكوتلندا، ووالداه يكذبان عليه مدعيين أن البلاد بخير والحرب بعيدة وغير خطرة.
كذبات بيض لحماية الآخر من الواقع المر، كذبات بيض لتقويض الواقع وتحويله إلى ما نريده أن يكون، كذبات بيض تفضح قلقاً داخلياً واضطراباً ودوامات من الخوف والتزعزع. كلها كذبات تؤم النص وتمنحه الكثير من الكوميدية والخفة والقدرة على الإضحاك.
وبعد البيت البرجوازي الأنيق الفخم، ينتقل جينو إلى الجبهة ليتعرف إلى المقاتلين الآخرين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الممثلين الشباب جميعهم في هذا العمل أبدعوا أيما إبداع في تمثيلهم وفي حركتهم على المسرح وفي خفة دمهم التي حملت النص ورفعته وسندته، حتى أنه يمكن القول إنهم تخطوا أداء الممثلين الأقدم واللذين يؤديان دور أم جينو وأبيه ورئيس شعبة القتال بأشواط. من الممثلين الشابين الاثنين جلال الشاعر وعلي بليبل إلى الممثلتين الشابتين الاثنتين غاييل العايلة وجوانا خلف، أداء رائع ومتين ومتماسك وقوي ومتوهج وواعد يمنح العرض تميزه وفرادته.
حرب واحدة وأسباب كثيرة
يكتشف جينو على الجبهة أن دوافع الشباب للقتال على الجبهة ليست واحدة وليست كلها مثالية، فعلى الجبهة من أتى للانتقام ومن أتى لمحو الآخر ومن أتى لجني المال، ونادراً ما تكون القضايا الكبرى في أذهان المقاتلين. كذلك يكتشف جينو ردود الفعل والأفعال والتصرفات والكلمات على حقيقتها، على قباحتها، ففي الحرب كل شيء يتغير، حتى الإنسان. وبخاصة الإنسان.
يكتشف جينو أن الجبهة مأزق، وأن الحرب حفرة تبتلع أهلها وأن الحرب شر كبير يعجن الشباب على الخوف والكره والغضب. يصبح جينو الشاب المدلل المتعلم في أفضل المدارس والجامعات، أزنافور الجبهة. يأكل الجبنة بدل الستايك، يشرب الماء العكر بدل النبيذ، ينام على الأرض بدل السرير الفخم، ويروح يغني لأصدقاء الجبهة بدلاً من أن يغني لوالده الوجيه ووالدته الأرستقراطية وعمته الصحافية.
فضاءان متعارضان: بيت وجبهة، أمان وحرب، رفاهية وشارع. وعلى أن اللغة الفرنسية غير المبررة تماماً في مواضع متعددة من العمل، كما في مكتب رئيس الجبهة الذي يؤدي دوره جاك مارون، تبقى أساسية في جو البيت وفضائه اللذين أراد نجار تجسيدهما. أما الإخراج الذي قامت به لينا أبيض فهو مميز وممتاز كالعادة وقد تمت الإفادة من معطيات النص ومن مساحة المسرح وفضائه بطريقة جميلة وشيقة ورشيقة.
“كذبة بيضاء” مسرحية النفق الأسود الذي يعيشه لبنان منذ عقود، فهي تكتسب قيمتها من أنها تتناول الحرب في زمن الحرب، كذلك هي تطرح السؤال اللبناني الأزلي، هل نبقى أم نرحل؟ الذهاب إلى الجبهة أو السفر والهجرة؟ “كذبة بيضاء” هي مسرحية الكذب حباً بالحياة والثقافة، هي مسرحية حب الفن والفرح والجمال إن من حيث موضوعها أو توقيتها أو مكانها.
اندبندنت عربية
