كما العادة، أصرت السلطات الإيرانية هذه السنة على إحياء “يوم القدس”، في يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان. أرادت تأكيد أنّ المتاجرة بالقدس وفلسطين والفلسطينيين جزء لا يتجزّأ من المشروع التوسعي الإيراني الذي بدأ مع إعلان قيام “الجمهوريّة الإسلاميّة” التي أسسها آية الله الخميني بعيد عودته إلى طهران من منفاه الفرنسي في شباط – فبراير 1979. إذا أخذنا في الاعتبار ما آل إليه وضع المدينة المقدّسة، اكتشفنا أنّ “يوم القدس” يعطي فكرة واقعيّة عن الفشل الإيراني في تقديم أي شيء للفلسطينيين باستثناء الشعارات الرنانة. رفعت “الجمهوريّة” الشعارات في وقت عملت إسرائيل بشكل جدي من أجل وضع يدها على المدينة وتحويلها إلى عاصمة لها.
لا يزال يوجد رفض في طهران للاعتراف بأنّه أيا تكن نتيجة الحملة العسكريّة الأميركيّة – الإسرائيليّة، التي بدأت باغتيال “المرشد” علي خامنئي، لا يمكن لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” التي أنشأها الخميني على مقاسه البقاء لاعبا إقليميا. لا تستطيع إيران ذلك، خصوصا في ضوء حرب غزّة وما ترتّب عليها. كشفت تلك الحرب إيران وكشفت، تحديدا، نهاية الحلف غير المعلن وغير المقدّس بينها وبين إسرائيل من أجل تدمير المشروع الوطني الفلسطيني القائم على خيار الدولتين.انتهى الحلف لكنّ ما لم ينته هو التلاقي عند تدمير القضيّة الفلسطينية، أي تدمير الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة المستقلّة. إنّه تلاق تاريخي بين النظام الإيراني من جهة واليمين الإسرائيلي من جهة أخرى.
خسرت إيران “حزب الله” الذي استطاعت إسرائيل القضاء على قيادته، بمن في ذلك الأمين العام حسن نصرالله. بات عليها الآن تولي أمر الحزب مباشرة وحمله على إعادة فتح جبهة جنوب لبنان
تعتبر حرب غزّة التي بدأت في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023 نقطة تحوّل على الصعيد الإقليمي، خصوصا في ما يخصّ دور إيران خارج حدودها. يعود تراجع الدور الإقليمي لإيران، أصلا، إلى أن ما قام على باطل إنّما هو باطل، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بالمتاجرة بالقضيّة الفلسطينية. أدت المتاجرة الإيرانيّة بالقضيّة، عمليا، إلى إلحاق ضرر جسيم بتلك القضيّة وبالشعب الفلسطيني. تكفي الإشارة إلى الدور الذي لعبته إيران في مجال الدفع في اتجاه تنفيذ “حماس” و”الجهاد الإسلامي” عمليات انتحارية استهدفت مدنيين في داخل إسرائيل والقدس من أجل خلق تحوّل داخل المجتمع الإسرائيلي نحو أقصى اليمين. كان ذلك في مرحلة ما بعد توقيع اتفاق أوسلو في خريف العام 1993. كانت هناك خشية مشتركة بين اليمين الإسرائيلي والنظام الإيراني من أن يفضي الاتفاق إلى تسوية سياسيّة ما بين إسرائيل والفلسطينيين. من هذا المنطلق، عمل الجانبان معا من أجل جعل التطرّف يسود المنطقة ومن أجل منع أي تقارب فلسطيني – إسرائيلي يجعل الدولة الفلسطينية حلما قابلا للتحقيق على الأرض.
مثلما استثمر الراحل حافظ الأسد بالاحتلال الإسرائيلي للجولان بغية المحافظة على نظامه الأقلّوي، استثمرت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في كل ما من شأنه تعطيل أي عملية سلميّة في المنطقة بغية استمرار حال اللاحرب واللاسلم. إنّها حال قضت عليها حرب غزّة التي غيّرت كلّ المعطيات التي كانت تجمع بين إيران والنظام السوري السابق من جهة واليمين الإسرائيلي من جهة أخرى.
في النهاية، لا يمكن تجاهل أنّ إيران وجدت نفسها، في هذه المرحلة، مضطرّة للمرّة الأولى منذ العام 1988 وهو العام الذي انتهت فيه الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، إلى خوض حرب على أرضها. لم تكن “الجمهوريّة الإسلاميّة” تتخيّل يوما أنّها ستتعرّض لمثل هذه الحرب التي تأتي نتيجة طبيعيّة للتطورات التي شهدتها مرحلة ما بعد اندلاع حرب غزّة.
إيران جعلت الفلسطينيين يفوّتون كلّ الفرص التي سنحت لهم، وأكثر من ذلك جعلتهم في مواجهة المشروع التوسّعي الإسرائيلي بعدما كانوا ضحية المشروع التوسّعي الإيراني
كانت “الجمهوريّة الإسلاميّة” تعتقد أنّها ستكون المستفيد الأوّل من حرب غزّة التي بدأت بهجوم “طوفان الأقصى” الذي شنته “حماس” على مستوطنات غلاف غزّة. ظنّت طهران أنّها قادرة على امتلاك مفاتيح توسيع حرب غزّة أو لجمها في ضوء مقتل هذا العدد الكبير من الإسرائيليين واليهود نتيجة “طوفان الأقصى”، فضلا عن احتجاز عشرات الإسرائيليين.
لم تتصوّر إيران ردّ الفعل الإسرائيلي من جهة وعمق العلاقة بين الولايات المتحدة والدولة العبريّة من جهة أخرى. لم يكن هناك تصوّر إيراني لمدى ضعف “حزب الله” عسكريا وما سيسفر عنه قرار فتح جبهة جنوب لبنان. كذلك، لم يكن هناك إدراك إيراني لهشاشة تركيبة النظام العلوي في سوريا ومعنى رفع إسرائيل لغطائها عن هذا النظام. تجهل إيران، وربّما كانت تعرف جيدا، أنّ نظام الأسد الأب والأسد الإبن بقي حيّا يرزق طوال ما يزيد على نصف قرن بفضل تفاهم في العمق مع الدولة العبريّة. كان النظام السوري يضمن، بموجب التفاهم الذي توصّل إليه حافظ الأسد مع الدولة العبريّة، الأمن على طول جبهة الجولان المحتل. أكثر من ذلك، قبل النظام السوري في عهدي الأسد الأب والأسد الابن عرقلة أي عملية سياسية تستهدف استعادة الجولان المحتلّ منذ 1967.
إضافة إلى ذلك كلّه، خسرت إيران “حزب الله” الذي استطاعت إسرائيل القضاء على قيادته، بمن في ذلك الأمين العام حسن نصرالله. بات عليها الآن تولي أمر الحزب مباشرة وحمله على إعادة فتح جبهة جنوب لبنان. ستكون لنتائج الحرب التي تخوضها إيران في الوقت الحاضر نتائج تختلف كلّيا عن كلّ حروبها السابقة. كلّ ما في الأمر أن حرب غزّة كشفت حقيقة النظام الإيراني وأنّ ما لم تكشفه هذه الحرب كشفته الحملة العسكريّة الأميركيّة – الإسرائيلية التي كرست تراجع دور “الجمهوريّة الإسلاميّة”خارج حدودها، بما في ذلك في فلسطين. جعلت إيران الفلسطينيين يفوتون كلّ الفرص التي سنحت لهم منذ مطلع تسعينات القرن الماضي. أكثر من ذلك، جعلتهم في مواجهة المشروع التوسّعي الإسرائيلي بعدما كانوا ضحية المشروع التوسّعي الإيراني طوال سنوات، خصوصا في مرحلة ما بعد أوسلو، بحسناته وسيئاته.
العرب اللندنية