داخل الفاتيكان وفي الأوساط الفكريّة الكاثوليكيّة، فتح صعود الذكاء الاصطناعيّ نقاشاً غير مألوف. يقف البابا ليون الرابع عشر في جهة، محذّراً من أنّ هذه التكنولوجيا قد تعيد تشكيل المجتمعات بطريقة تُضعف المسؤوليّة الإنسانيّة والكرامة البشريّة. في الجهة المقابلة يقف عدد من رجال التكنولوجيا والمستثمرين وبعض المفكّرين الكاثوليك المحافظين في الولايات المتّحدة، بينهم شخصيّات قريبة من الأوساط السياسيّة المرتبطة بحركة (MAGA)، الذين يرون في الذكاء الاصطناعيّ أداة قوّة استراتيجيّة لا مفرّ منها في عالم يتّجه بسرعة نحو سباق تكنولوجيّ عالميّ.
غير أنّ ما يمنح هذا النقاش طابعاً ملحّاً هو أنّه لم يعد نظريّاً. بالفعل بدأ الذكاء الاصطناعيّ يلعب دوراً متزايداً في الحرب الدائرة مع إيران. تعتمد القيادات العسكريّة أكثر فأكثر على الخوارزميّات لتحليل كمٍّ هائل من المعلومات: صور الأقمار الاصطناعيّة، بثّ الطائرات المسيّرة، والاتّصالات المعترَضة، وذلك بهدف تحديد الأهداف المحتملة وتسريع اتّخاذ قرار الضربة.
حين تخطىء التّكنولوجيا
ظهرت مخاطر هذا النمط الجديد من الحروب عندما أصاب صاروخ مدرسة شجرة طيّبة الابتدائيّة للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران، وأسفر القصف عن مقتل أكثر من 170 شخصاً، معظمهم من الأطفال. تشير التحقيقات إلى أنّ الموقع كان مدرجاً ضمن قائمة أهداف عسكريّة بُنيت على تحليل معلوماتيّ يعتمد جزئيّاً على أنظمة معالجة بيانات مؤتمتة، وعلى معلومات استخباريّة قديمة. وأثار ذلك تساؤلات لدى بعض الخبراء عن مساهمة سرعة أنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعيّ في وقوع هذه المأساة.
بالنسبة للفاتيكان، مثل هذه الحوادث هي تحديداً ما يجعل النقاش الأخلاقيّ ملحّاً. منذ انتخابه، حذّر البابا ليون الرابع عشر مراراً من أنّ الذكاء الاصطناعيّ ليس تطوّراً تقنيّاً عابراً وحسب، بل تحوُّل حضاريّ قد يقارَن بالثورة الصناعيّة في القرن التاسع عشر. وكما غيّرت المكننة آنذاك طبيعة العمل والاقتصاد، يمكن للذكاء الاصطناعيّ اليوم أن يغيّر الإطار الأخلاقيّ الذي تقوم عليه المجتمعات.
ينطلق قلق الفاتيكان من ثلاثة مبادئ أساسيّة في التعليم الاجتماعيّ الكاثوليكيّ: كرامة الإنسان، المسؤوليّة الأخلاقيّة، وحدود السلطة التكنولوجيّة. يمكن للآلة أن تساعد الإنسان في اتّخاذ القرار، لكنّها يجب أن لا تحلّ محلّ حكمه الأخلاقيّ، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالحياة والموت.
التّحليل خلال ساعات
حتّى وقت قريب بدت هذه التحذيرات نظريّة. لكنّ الحرب ضدّ إيران جعلتها ملموسة. في النزاعات الحديثة بات الذكاء الاصطناعيّ قادراً على تحليل كميّات هائلة من المعلومات خلال دقائق، وتقديم اقتراحات للأهداف العسكريّة بسرعة غير مسبوقة. ما كان يستغرق أيّاماً من التحليل بات يمكن إنجازه خلال ساعات.
يرى أنصار هذه التقنيّات أنّها قد تزيد دقّة العمليّات العسكريّة وتحدّ من الخسائر المدنيّة. لكنّ منتقديها يحذّرون من ظاهرة تُعرف بـ”الانحياز إلى الأتمتة”، أي ميل البشر إلى الثقة المفرطة بتوصيات الخوارزميّات حتّى عندما تكون البيانات التي بُنيت عليها ناقصة أو غير صحيحة.
في الوقت نفسه كشف النقاش الدائر في روما عن انقسام فكريّ أعمق داخل بعض الأوساط الكاثوليكيّة. قد ظهر ذلك بوضوح عندما ألقى المستثمر الأميركيّ بيتر ثيل سلسلة محاضرات مغلقة في روما تناولت العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة السياسيّة. ويستند ثيل في كثير من أفكاره إلى الفيلسوف الفرنسيّ رينيه جيرار، الذي درس العلاقة بين العنف والسلطة في المجتمعات البشريّة.
المسيح الدّجّال
من بين المفاهيم التي عادت إلى الواجهة في تلك النقاشات فكرة المسيح الدجّال في الفكر المسيحيّ. في اللاهوت التقليديّ، يظهر هذا المفهوم في العهد الجديد، ولا سيما في تفسيرات سِفر الرؤيا. ولا يُقدَّم الدجّال بوصفه عدوّاً للإيمان فقط، بل كقوّة تعِد بالسلام والاستقرار بينما تقوّض الحقيقة والحرّيّة تدريجاً.
يرى بعض المفكّرين اليوم أنّ هذه الفكرة يمكن قراءتها مجازيّاً بوصفها تحذيراً من أنظمة قوّة تعِد بالأمن لكنّها تنتقص من استقلال الإنسان. في عصر الذكاء الاصطناعيّ اكتسب هذا المجاز معنى جديداً. تتيح التقنيّات الرقميّة المتقدّمة للدول والشركات مراقبة المجتمعات والتأثير في تدفّق المعلومات على نطاق غير مسبوق. الخطر، كما يقول بعض الفلاسفة، ليس بالضرورة طغياناً تقليديّاً، بل مجتمع تُدار شؤونه بهدوء عبر الخوارزميّات ويزداد فيه الاستقرار لكن تتقلّص مساحة الحرّية تدريجاً.
بالنسبة لكثير من الواقعيّين في عالم التكنولوجيا، تبدو هذه المخاوف مبالغاً فيها. يرون أنّ الذكاء الاصطناعيّ بات عاملاً حاسماً في التنافس العالميّ، وأنّ إبطاء تطويره بدافع الحذر الأخلاقيّ قد يتيح لخصوم الغرب التقدّم في هذا المجال.
أمّا الفاتيكان فينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. التكنولوجيا، في نظره، يجب أن تبقى أداة في خدمة الإنسان، فلا تصبح نظاماً يعيد تشكيل سلوك البشر وفق منطقه الخاصّ.
جعلت الحرب ضدّ إيران هذا الخلاف الفلسفيّ أكثر وضوحاً. لم يعد الذكاء الاصطناعيّ عاملاً يغيّر الاقتصاد أو وسائل التواصل الاجتماعيّ وحسب، بل أصبح جزءاً من طريقة خوض الحروب واختيار الأهداف وممارسة القوّة.
هكذا تجد روما نفسها، المدينة التي شهدت قروناً من النقاشات في السلطة والأخلاق، أمام سؤال جديد. لا يتعلّق بتشكيل التكنولوجيا للمستقبل، فهذا أصبح أمراً مؤكّداً، بل ببقاء الإنسان صاحب القرار الأخلاقيّ في عالم تقوده الآلات.
اساس ميديا
