تعيد التحولات الإقليمية المتسارعة طرح سؤال مصير الأذرع التي بنتها إيران في المنطقة على مدى أكثر من أربعة عقود. هذه الشبكات، التي قدمت يوماً بوصفها أدوات تمدد ضمن ما عرف بـ”وحدة الساحات”، لم تعد قادرة على التحرك كما تشاء في البيئة التي فرضتها ولا ضمن التوازنات التي كانت تستفيد منها.
فالمعادلات التي سمحت بنموذج “التمدد عبر الوكلاء” تتعرض لاختبارات قاسية، فيما تتقدم أولويات داخلية وضغوط خارجية تدفع إيران لإعادة رسم واقعها الإقليمي الجديد وحركة أذرعها معاً.
تكشف ارتدادات التطورات على الجبهة الإيرانية، بشقيها الداخلي والخارجي، عن انتقال سريع لتأثيراتها إلى جبهات الأذرع في العراق ولبنان واليمن وإعادة تموضع داخل الدولة في بعض الساحات، وإعادة تعريف للدور في ساحات أخرى، وتكريس قوة موازية في ساحات ثالثة. لذلك لم يعد ممكناً التعامل مع هذه الأذرع ككتلة واحدة أو كأداة نفوذ ذات اتجاه واحد.
في ضوء ذلك، تبرز بعض الأسئلة الجوهرية الواجب التعامل معها:
هل ما زال منطق “وحدة الساحات” قائماً فعلياً، أم أنه دخل مسار التفكك؟ وهل نحن أمام تراجع في نفوذ الأذرع، أم إعادة صياغة لدور إيران نفسها؟ وما الذي يفسر التباين بين الساحات في العراق ولبنان واليمن: اختلاف البيئات المحلية أم تحول في طبيعة القرار الإيراني؟
جملة من الحقائق أولاً:
-
لم تعد إيران تدير شبكة الأذرع التابعة لها بوصفها منظومة متجانسة تعمل ضمن إيقاع واحد، بل باتت تواجه واقعاً أكثر تعقيداً يتمثل في تباين متزايد في سلوك هذه الأذرع داخل ساحاتها المختلفة. هذا التحول لا يعكس مجرد اختلاف في الظروف المحلية، بل انتقالاً تدريجياً من منطق المحور الموحد إلى منطق شبكة متعددة الإيقاعات.
-
تتعامل طهران مع معادلة مركبة: الحفاظ على حد أدنى من التنسيق الاستراتيجي من جهة، مقابل تصاعد نزعات محلية لدى فاعلين يطورون حساباتهم الخاصة من جهة أخرى، ما يعكس انتقالاً من منطق التوسع المنظم إلى منطق إدارة التباين تحت ضغط بيئة إقليمية ودولية أكثر تعقيداً.
-
يضعف هذا التحول تدريجياً فكرة وحدة الساحات بوصفها إطاراً تشغيلياً موحداً، ويعيد تعريف العلاقة بين المركز الإيراني وهذه الشبكة، من علاقة توجيه مباشر إلى إدارة توازنات متعددة، لكل ساحة فيها منطقها وحدودها.
من هنا، تشير التطورات الميدانية إلى أن هذه الأذرع لم تعد تتحرك ضمن نموذج واحد، بل ضمن أنماط متباينة:
ففي العراق، تتجه بعض الفصائل المحسوبة على إيران نحو إعادة الاندماج داخل مؤسسات الدولة أو تقنين وجودها ضمنها، في مقابل استمرار فصائل أخرى في حالة ازدواج بين الدولة والبنية الموازية.
وفي لبنان، يبقى السلاح الإيراني مرتبطاً بوظيفة سياسية وأمنية ذات بعد إقليمي، لكنه يواجه ضغطاً متزايداً لإعادة تعريف موقعه داخل الدولة.
أما في اليمن، فقد تطور النموذج إلى مستوى أكثر تركيباً يقوم على إدارة سلطة سياسية–عسكرية خارج إطار الدولة التقليدية بانتظار القادم.
يعكس هذا التباين تحولاً بنيوياً في طبيعة العلاقة نفسها: من بنية أقرب إلى التوحيد النسبي إلى شبكة متعددة المسارات والوظائف يصعب إخضاعها لإيقاع واحد ثابت. كما أن هذا التشظي لم يعد يقتصر على اختلاف البيئات المحلية أو شروط كل ساحة على المستويين الداخلي والخارجي، بل يعكس تحولاً أعمق يتعلق بقدرة المركز على ضبط الإيقاع العام للشبكة. وبذلك، تنتقل العلاقة بين إيران وأذرعها من نموذج التنسيق المركزي الصلب إلى نموذج أكثر تشابكاً وتعقيداً، تتسع فيه هوامش الحركة المحلية على حساب الانضباط التقليدي.
لم يعد التحدي مرتبطاً فقط بقدرة إيران على التأثير في هذه الساحات، بل بقدرتها على إدارة شبكة تتحرك بإيقاعات متباينة وتنتج ديناميكيات محلية مستقلة نسبياً. فكل ساحة باتت تعيد تعريف علاقتها بالدولة وموقع السلاح ووظيفة الفعل السياسي والأمني، بما يجعل إدارة هذه المنظومة أقرب إلى موازنة مستمرة بين مستويات مختلفة من القرار، لا إلى قيادة مركزية تقليدية ذات اتجاه واحد.
وبذلك، يصبح التحول الجاري أقل ارتباطاً بمسألة تراجع النفوذ، وأكثر ارتباطاً بإعادة تشكيل طبيعة هذا النفوذ نفسه: من نفوذ مركزي مباشر إلى نفوذ شبكي متعدد الطبقات تتداخل فيه الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية.
لم تعد الساحات الثلاث المرتبطة بالأذرع الإيرانية تعكس مجرد اختلاف في البيئات المحلية، بل أصبحت مؤشراً على مستوى أعمق من التحول في بنية النموذج نفسه.
فالتباين بين مسارات الاندماج التدريجي داخل الدولة في بعض الحالات، وإعادة تعريف الوظيفة السياسية والأمنية في حالات أخرى، وصولاً إلى تكريس سلطات أمر واقع خارج الإطار التقليدي للدولة، لا يشير فقط إلى اختلاف في الأداء، بل إلى إعادة تشكيل في وظيفة هذه الأذرع داخل المنظومة الإقليمية.
هذا الواقع يطرح سؤالاً يتجاوز توصيف الساحات إلى اختبار اتجاهها العام: هل نحن أمام انتقال تدريجي من نموذج الضبط المركزي إلى نموذج الإدارة غير المتجانسة؟ أم أن ما يجري لا يزال ضمن حدود إعادة التموضع داخل منظومة قادرة على استعادة توازنها عند الحاجة؟
لا يبدو أن التحول الجاري مجرد تعديل في أدوات إدارة النفوذ، بل هو انعكاس لتغير أوسع في البيئة الإقليمية التي لم تعد تسمح باستمرار نموذج الأذرع المتمددة بالشكل التقليدي. فارتفاع كلفة الصراعات المفتوحة، وتبدل أولويات القوى الدولية، وتصاعد اعتبارات الاستقرار الداخلي في أكثر من ساحة، كلها عوامل تدفع نحو إعادة تعريف وظيفة هذه الشبكات بوصفها فواعل تتكيف مع بيئاتها وتعيد إنتاج أدوارها ضمن حدود جديدة.
فالمعادلة التي حكمت طويلاً منطق “الذراع الطويلة” لم تعد قادرة على تفسير سلوك فواعل باتت تتحرك في بيئات تفرض شروطها.
ولم يعد النقاش يدور حول قوة النفوذ أو تراجعه، بل حول طبيعة هذا النفوذ نفسه في بيئة تعيد صياغة قواعدها ومعالمها، بما يعيد تعريف حدود التأثير ومجال الحركة.
