عند تقييم أثر الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران على اقتصاد السعودية خصوصاً ودول الخليج عموماً، قد يكون التركيز على الإيرادات الحكومية أهم من الانشغال بالناتج المحلي الإجمالي، رغم الضجة التي أحدثتها توقعات مصرف غولدمان ساكس الأميركي الأخيرة بانكماش اقتصادات المنطقة هذا العام.
ذلك أن السبب الرئيسي في التراجع المتوقع يعود، وقبل كل شيء، إلى انخفاض إنتاج النفط والغاز الناتج عن الاعتداءات الإيرانية وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز. وهذا يعني أن ارتفاع الإنتاج في 2027 قد يعيد الاقتصاد إلى النمو، وهو ما يراه محللو غولدمان ساكس أيضاً في السيناريو الأساسي للصراع.
ليست الفكرة هنا التقليل من شأن التحدي الذي يواجه دول مجلس التعاون، بل قراءة أثر الحرب من زاوية تراعي طبيعة معظم اقتصادات المنطقة، والدور الكبير الذي لا تزال تلعبه إيرادات الطاقة فيها، حتى مع تنامي مساهمة القطاع الخاص والأنشطة غير النفطية خلال العقد الأخير، سواء عبر فرض ضريبة القيمة المضافة أو تطوير قطاعات مثل السياحة والخدمات اللوجيستية والنقل.
من هذا المنظور، فإن زيادة الدخل الحكومي من صادرات النفط قد يخفف أثر الصراع على المالية العامة إذا انحسرت المخاطر الرئيسية التي تشكلها الحرب خلال أسابيع، وهو السيناريو الأساسي لأغلب المحللين ووكالات التصنيف الائتماني حتى الآن.
المسألة في نهاية المطاف حسابية. فإذا انخفض إنتاج النفط 15 في المائة خلال العام، لكن متوسط الأسعار ارتفع 25 في المائة، فستكون النتيجة تراجعاً في القطاع النفطي يقابله ارتفاع في الإيرادات الحكومية، بشرط القدرة على رفع معدلات التصدير بصورة سريعة وملموسة للاستفادة من الأسعار العليا. ببساطة: قد تكون قيمة البراميل المبيعة أهم من عدد البراميل المفقودة.
كانت التقديرات قبل اندلاع الحرب تشير إلى أن متوسط سعر خام برنت بين 60 و65 دولاراً للبرميل، قبل أن ترفع معظم بيوت الخبرة الإقليمية والعالمية توقعاتها لتصل إلى 77 دولاراً (لدى بنك غولدمان ساكس) و85 دولاراً للبرميل (لدى بنك ستاندرد تشارترد).
يتفق مع هذا التحليل عدد من خبراء الاقتصاد في المنطقة الذين تحدثت إليهم في الأيام القليلة الماضية. كما أشار معظمهم إلى أن السعودية، تحديداً من بين الدول المتأثرة بتعطل الملاحة خلال مضيق هرمز، قد تستطيع جني إيرادات أكبر قد تؤدي إلى تراجع عجز الموازنة هذا العام.
تعتمد السعودية في ذلك على بنية تحتية للتصدير طورتها «أرامكو» على مدى عقود طويلة، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق – غرب الذي يمكنه نقل خمسة ملايين برميل يومياً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع إمكانية رفع هذه الكمية إلى سبعة ملايين برميل. كما تمتلك المملكة مخزونات خارجية قد تساعد في تلبية جزء من طلبات المستوردين، فضلاً عن أكبر طاقة إنتاجية فائضة في العالم، ما يمنحها القدرة على رفع الإنتاج إلى نحو 12 مليون برميل يومياً إذا لزم الأمر، بحسب خبراء النفط.
ورغم انخفاض معدلات التصدير السعودية خلال الصراع، يشير تقرير لبنك أبوظبي التجاري صدر الأسبوع الماضي إلى إمكانية تراجع عجز الموازنة في المملكة هذا العام إلى 3 في المائة – 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 5.8 في المائة في عام 2025.
يفترض هذا التحليل أن ترفع السعودية صادراتها إلى أكثر من سبعة ملايين برميل يومياً في النصف الثاني من هذا العام مع متوسط سعر 80 دولاراً للبرميل لخام برنت، وهو ما يعني أيضاً زيادة في مدفوعات شركة أرامكو للخزانة العامة، بحسب مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين لدى البنك.
أمّا تيم كالن، المسؤول السابق في صندوق النقد الدولي والمتخصص في الاقتصاد السعودي، فيرى أن سيناريو أكثر تفاؤلاً لأسعار النفط بمتوسط 95 دولاراً للبرميل مع معدل إنتاج 8 ملايين برميل يومياً قد يمكّن الحكومة من خفض عجز الموازنة بنقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بتقديرات الموازنة الرسمية التي صدرت قبل بداية الحرب.
وترى مالك أيضاً إمكانية أن تحقق دول مجلس التعاون، وخصوصاً السعودية والإمارات، إيرادات أعلى هذا العام مع ارتفاع أسعار النفط، مع التحفظ على أن مدة الصراع تبقى عاملاً حاسماً للاقتصاد ككل.
المفارقة أن بنك غولدمان ساكس يتفق مع هذه النتيجة في السيناريو الأساسي لأثر النزاع، حيث يرى أن استمرار ارتفاع الأسعار بعد عودة الإنتاج قد يعوّض الدول المصدرة عن نقص العرض «بل ويؤدي إلى تحسين أوضاع الموازنات والحسابات الخارجية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب».
أما السيناريو الأصعب الذي وضعه البنك، فيفترض استمرار الحرب بالوتيرة الحالية حتى نهاية أبريل (نيسان) المقبل. في هذه الحالة تصبح الخسائر أعمق لكنها تبقى أقل وطأة في السعودية مقارنة بالدول الأكثر اعتماداً على مضيق هرمز.
حتى الآن يستبعد معظم المحللين أن تطول مدة الحرب بالزخم نفسه. قد يكون ذلك إفراطاً في التفاؤل، أو هروباً من التفكير في سيناريو يرغب الجميع في تجنبه. المؤكد هو أن الضرر عندها لن يتوقف عند حدود الخليج!
