تقف روسيا موقف المتفرج على ضربات قاسية تتعرض لها إيران، مكتفية بالإدانات اللفظية على رغم شراكتهما الوثيقة. عجز الكرملين يعكس محدودية نفوذه وانشغاله بحرب أوكرانيا، لكنه في المقابل يجني مكاسب غير مباشرة، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة وتشتيت تركيز الولايات المتحدة عن الساحة الأوروبية.
في العام الماضي، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان “معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، التي تلتزم بموجبها الدولتان بمعارضة تدخل أي طرف ثالث في الشؤون الداخلية والخارجية لكل منهما. وقد احتفت موسكو وطهران بالمعاهدة بوصفها تتويجاً لتنامي العلاقات بين النظامين
ومع ذلك، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران في أواخر فبراير (شباط)، وهو الهجوم الثاني في غضون ثمانية أشهر فقط، بعد حرب الـ12 يوماً التي اندلعت الصيف الماضي، وقفت روسيا مكتوفة الأيدي في الغالب. فقد وصف بوتين اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بأنه “انتهاك صارخ لكل معايير الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي”، كذلك دعت وزارة الخارجية الروسية إلى “خفض التصعيد فوراً، ووقف الأعمال العدائية، واستئناف العمليات السياسية والدبلوماسية”، لكن أياً من البيانين لم يذكر اسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أو يطرح احتمال تدخل روسيا للدفاع عن إيران.
ربما تكون موسكو قد التزمت بحرفية المعاهدة، التي لا تتضمن بنداً للدفاع المشترك، لكنها لم تقدم مساعدة جوهرية ملموسة لحليف أساسي لها في الشرق الأوسط وشريك مهم في حرب بوتين ضد أوكرانيا. وقد أفادت صحيفة “واشنطن بوست” وشبكة “سي أن أن” بأن روسيا ربما ساعدت إيران ببيانات الاستهداف وتكتيكات متقدمة للطائرات المسيرة، إلا أن مثل هذه المساعدة المحدودة من غير المرجح أن تُحدث فرقاً كبيراً.
إن عجز الكرملين في إيران يتماشى مع نمط مألوف: فعندما يحتاج أصدقاء روسيا إلى المساعدة، تُصدر موسكو بيانات شديدة اللهجة، وبالكاد تفعل شيئاً غير ذلك. ففي أواخر عام 2023 فشلت روسيا في التدخل في حرب قصيرة بين أرمينيا، حليفتها بموجب معاهدة، وأذربيجان، ما سمح لباكو باستعادة السيطرة على إقليم ناغورنو قره باغ. وبعد عام، سمحت موسكو لقوات المعارضة بإسقاط نظام بشار الأسد في دمشق. وخلال العام الماضي، قصفت الولايات المتحدة (جنباً إلى جنب مع إسرائيل) منشآت نووية إيرانية، وقواعد عسكرية، ومصانع صواريخ؛ وقتلت مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، وقادة عسكريين، وعلماء نوويين؛ واختطفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو الشريك الرئيس لموسكو في أميركا اللاتينية، وكل ذلك تقريباً من دون أي تدخل روسي يُذكر. وتكشف هذه الحالات جميعها حدود قدرة روسيا على تشكيل النتائج في أنحاء العالم.
ومع ذلك، فإن الحرب الحالية في إيران تحمل عواقب غير مقصودة تصب في مصلحة روسيا. فكلما طال أمد الحرب، من المرجح أن تستمر أسعار الطاقة في الارتفاع، وهو ما سيساعد موسكو على تحقيق إيرادات إضافية ومعالجة العجز المتضخم في الموازنة الناجم عن حربها في أوكرانيا. وأخيراً، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أنه في محاولة لإبطاء ارتفاع الأسعار، سترفع موقتاً العقوبات عن شحنات النفط الروسي التي غادرت الموانئ وأصبحت في البحر. وفي الوقت نفسه، قد تكتشف الصين، القلقة بشأن الاستقرار طويل الأمد لإمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، حاجة أكبر إلى النفط والغاز الروسيين. وبالطبع، فإن الحرب في إيران تشكل أيضاً مصدر تشتيت آخر للولايات المتحدة، إذ تحول مواردها الثمينة وجهودها التي كان يمكن لواشنطن أن تخصصهما لشركائها الأوروبيين ولأوكرانيا. وقد تكون روسيا غير قادرة على حماية شركائها، لكنها لا تزال بارعة في التكيف مع الإخفاقات الاستراتيجية وجني مكاسب تكتيكية مهمة منها.
زواج مصلحة
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، رأت موسكو وطهران مصلحة مشتركة في تطوير شراكة بينهما. فخلال عدة قرون قبل ذلك، كان البَلدان في الغالب خصمين رئيسين، يتنافسان على الأراضي في منطقة القوقاز وحول بحر قزوين. ولكن في أوائل تسعينيات القرن العشرين، سعت موسكو إلى بيع فائضها من تقنيات الدفاع والطاقة النووية المدنية المتبقية من الحقبة السوفياتية، وأثبتت إيران، التي دمرتها حربها مع العراق وعَزَلتها العقوبات الغربية، أنها مستعدة للشراء فوراً.
وخلال تسعينيات القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة، زودت روسيا إيران بأنظمة لا تزال تشكل عناصر أساسية في ترسانة طهران العسكرية، تشمل مقاتلات “ميغ-29″، وطائرات هجومية من طراز “سو-24″، وغواصات “كيلو” التي تعمل بالديزل، ودبابات “تي-72″، وأنظمة الدفاع الجوي “أس-200”. لاحقاً، أرسلت روسيا بطاريات الدفاع الجوي قصيرة المدى “تور-أم1” وأنظمة صواريخ أرض جو بعيدة المدى من طراز “أس-300”. وكانت هذه الإمدادات ذات أهمية لإيران، لكنها لم تبلغ قط حد التكامل العسكري الذي يميز التحالفات. فقد كانت شحنات الأسلحة الروسية متقطعة ومقيدة بالعقوبات الغربية، ولم تشمل أقوى الأنظمة، مثل منظومة الدفاع الجوي “أس-400″، أو أحدث الطائرات المقاتلة.
علاوة على ذلك، حتى بينما كانت روسيا تبيع أنظمة الدفاع الجوي والمروحيات لطهران، حافظت في الوقت نفسه على علاقات أمنية موازية مع مصر وإسرائيل ودول الخليج، وكلها دول منافسة لإيران أو معادية لها. ولم يغفل المسؤولون الإيرانيون عن هذا الأمر، وكان الاستياء الذي أثاره عميقاً. في عام 2010، رضخت موسكو للضغوط الغربية، وعلقت تسليم منظومة الدفاع الجوي “أس-300” إلى إيران، ووافقت على عقوبات الأمم المتحدة على رغم معارضتها لها سراً. ففي وقت كانت موسكو لا تزال ترغب في أن يُنظر إليها كعضو دائم مسؤول في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وشريك قيم للولايات المتحدة، تعاملت القيادة الروسية مع إيران لا كشريك، بل كورقة ضغط في المفاوضات مع واشنطن وبروكسل.
منذ مطلع الألفية الثانية، حاولت روسيا وإيران التعاون في قطاع النفط والغاز، الذي يُعد ركيزة اقتصادَيهما، لكن من دون نجاح يُذكر. فقد نظرت شركات النفط الروسية في بعض فرص التنقيب والإنتاج في إيران، إلا أنها لم تُبرم أي اتفاقيات. كذلك فكرت شركة “غازبروم” الروسية الحكومية في المشاركة في تطوير حقل غاز طبيعي ضخم في الخليج العربي، لكن الشروط التجارية لم تكن جذابة. وبشكل عام، ظل حجم التبادل التجاري بين البلدين منخفضاً خلال تلك الفترة، إذ تراوح بين مليار وثلاثة مليارات دولار سنوياً، وكانت موسكو تُصدر في الغالب الحبوب والوقود النووي إلى إيران، بينما كانت طهران تُصدر في الغالب الفواكه والخضراوات والمكسرات إلى روسيا.
وفي عام 2015، دفعت الحرب الأهلية السورية روسيا وإيران إلى تحالف تكتيكي لدعم نظام الأسد. فقد قدمت موسكو الدعم الجوي، فيما عززت طهران القوات البرية الموالية للنظام من خلال إرسال مستشارين عسكريين وتشجيع “حزب الله”، الميليشيات الشيعية المدعومة من طهران في لبنان، على الانضمام إلى القتال دفاعاً عن الأسد. ولكن لم تتطور العلاقة بين موسكو وطهران إلى شراكة أوثق وأكثر توازناً إلا بعد الغزو الشامل لأوكرانيا الذي شنه بوتين.
تمتين الروابط
بعد فبراير 2022، سعى الكرملين إلى ثلاثة أمور رئيسة من شركائه الخارجيين: الاستعداد والقدرة على دعم حملته العسكرية ضد كييف، والمساعدة في الالتفاف على العقوبات والحفاظ على صمود الاقتصاد الروسي المتعثر، والقدرة على استخدام أدوات الضغط والانتقام ضد التحالف الغربي الذي يدعم أوكرانيا. وقد استوفت إيران هذه المتطلبات الثلاثة بدرجات متفاوتة، لتصبح بذلك الشريك الرئيس لروسيا في الشرق الأوسط. وقد أثر ميل موسكو نحو طهران سلباً في علاقاتها مع إسرائيل، التي بدأت بمشاركة بعض التكنولوجيا العسكرية مع أوكرانيا، لكن الكرملين رأى أن الشراكة مع طهران تستحق هذه التكلفة.
لقد قلبت الحرب في أوكرانيا منطق العلاقة الأمنية بين إيران وروسيا رأساً على عقب. فللمرة الأولى، أصبحت إيران مورداً صافياً للأسلحة إلى روسيا. وكان أبرز إسهام مبكر لها سلسلة طائرات شاهد المسيرة الانتحارية، التي بدأت القوات الروسية باستخدامها في خريف عام 2022 لتعويض النقص في مخزونها من الصواريخ الدقيقة. وسارعت موسكو إلى توطين إنتاج هذه الطائرات، فأعادت تصميم المكونات الداخلية لتتلاءم مع سلاسل التوريد المحلية والإلكترونيات المقيدة بالعقوبات، كذلك وسعت الإنتاج إلى ما يتجاوز بكثير الكميات التي كانت إيران قد زودتها بها في الأصل.
وفي المقابل، ووفقاً لتقارير إعلامية، زودت روسيا إيران بمعدات عسكرية جديدة، شملت عدة طائرات تدريب من طراز “ياك-130” ومروحيات هجومية من طراز “مي-28″، وعشرات المركبات المدرعة من طراز “سبارتاك”، إضافة إلى أسلحة خفيفة. كذلك وقعت إيران عقوداً لشراء مقاتلات من طراز “سو-35” وأنظمة دفاع جوي محمولة، إلا أنه غير واضح إن جرى تسليمها. وربما يكون المجال الأكثر أهمية للتعاون الأمني هو الفضاء؛ إذ كانت البنية التحتية الروسية للإطلاق الفضائي وخبرتها المدارية عنصرين حاسمين في تطوير الصواريخ الباليستية الإيرانية. ففي عام 2023، حذر مدير وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك ويليام بيرنز من أن فنيين روسيي الجنسية يعملون مباشرة على برنامج مركبات الإطلاق الفضائي الإيراني وجهود تطوير الصواريخ الأوسع.
واستطراداً، ساعدت إيران الاقتصاد الروسي على الصمود أمام العقوبات الغربية. فعلى مدى العقد الماضي، أصبحت طهران رائدة في إنشاء بنية تحتية للالتفاف على العقوبات في تجارة النفط. في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أنشأت إيران “أسطول الظل”، وهو عبارة عن شبكة من ناقلات النفط التي تحمل النفط الخاضع للعقوبات، لتسريع تصدير النفط الإيراني، إلى جانب خدمات مساندة للتعامل مع التأمين وتحويل الأموال وغيرها من جوانب نقل النفط وبيعه من قبل دولة خاضعة للعقوبات. وابتداءً من عام 2022، تبنت روسيا الممارسات الإيرانية هذه. ومنذ ذلك الحين، رفعت موسكو هذه التجارة غير المشروعة إلى مستوى أعلى، إذ صدرت كميات أكبر بكثير مما تمكنت إيران من تصديره يوماً. فمن جهة، كان اعتماد روسيا لأساليب إيران في الالتفاف على العقوبات مفيداً لطهران لأنه زاد العدد الإجمالي لناقلات “أسطول الظل”، ما خفض التكاليف على أي دولة تريد تشغيل مثل هذه السفن. لكن من جهة أخرى، أصبحت روسيا منافساً لإيران إذ إنها تبيع نفطها بشكل أساسي إلى الصين والهند، وهما المشتريان نفسيهما اللذان كانت إيران تستهدفهما.
ومع ذلك، فقد تضاعف حجم التجارة بين روسيا وإيران أكثر من مرتين منذ بداية الحرب في أوكرانيا، إذ ارتفع من نحو ملياري دولار سنوياً إلى ما يقارب خمسة مليارات دولار اليوم. كذلك ساعدت موسكو إيران بطرق أخرى. ففي عام 2023، دفع الكرملين بقوة لجعل إيران عضواً في “منظمة شنغهاي للتعاون”. وفي العام التالي، ضغطت موسكو من أجل إدراج طهران في مجموعة “بريكس” الموسعة، التي أسستها البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. وفي مايو (أيار) الماضي، رتبت روسيا لتوقيع اتفاقية تجارة حرة بين إيران و”الاتحاد الاقتصادي الأوراسي”، الذي يضم أرمينيا وبيلاروس وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا. علاوة على ذلك، أبدى الكرملين استعداداً للتعاون مع بعض وكلاء إيران، ولا سيما الحوثيين، من خلال تزويدهم بالتدريب والأسلحة.
جني الأرباح
لكن حتى مع تعميق العلاقة بين طهران وموسكو، فإن حدود نفوذ فلاديمير بوتين وقدرته على حماية شركائه باتت تتجلى بوضوح. فروسيا تمتلك ما تريده إيران أكثر من أي شيء في نزاع كبير مع إسرائيل والولايات المتحدة: طائرات مقاتلة متطورة، وأنظمة دفاع جوي، وذخائر دقيقة، وهي أسلحة تنتجها روسيا بأعداد كبيرة. لكن هذه كلها أصول تحتاج إليها روسيا في حربها الخاصة في أوكرانيا. وحتى لو أرادت موسكو تسليم هذه الأنظمة إلى إيران، فلن تتمكن من فعل ذلك بسرعة كافية. فمثلاً، إن تدريب المشغلين الإيرانيين على نظام الدفاع الجوي “أس-400” وحده قد يستغرق ما بين ستة وثمانية أشهر.
ومع انشغال الجيش الروسي بالحرب في أوكرانيا، وعدم وجود رغبة في الوقوف في وجه هجوم أميركي– إسرائيلي حازم، فالدعم المعلن من موسكو لطهران يكاد لا يتجاوز الإدانات والدعوات إلى ضبط النفس. كذلك ما يقيد موسكو أيضاً هو المفاوضات الجارية بين الكرملين وإدارة ترمب لإنهاء الحرب في أوكرانيا. فالقيادة الروسية تأمل في جني فوائد من هذه العملية الشكلية، على الأقل في ما يتعلق بالحد من الدعم الأميركي لأوكرانيا وإبطاء فرض عقوبات جديدة تستهدف روسيا. وفي ظل هذه الظروف، لا يستطيع الكرملين تحمل تقديم دعم أقوى وأكثر وضوحاً لإيران. إضافة إلى ذلك، فإن التزام موسكو تجاه طهران يتأثر أيضاً بحاجتها إلى موازنة علاقاتها في المنطقة. فدول الخليج التي تواجه الآن هجمات إيرانية تُعد بحد ذاتها من الشركاء المهمين لروسيا، لا سيما الإمارات العربية المتحدة، التي تُمثل مركزاً لوجيستياً ومالياً للمصالح الروسية، والسعودية التي تعد الشريك الرئيس للكرملين في تحالف “أوبك+”.
ولا يُستبعد أن تكون روسيا تقدّم مساعدات يصعب رصدها مقارنة بشحنات السلاح، مثل إتاحة الوصول إلى معلومات استخباراتية فضائية تتعلق بالاستطلاع والمراقبة، ما قد يحسن من دقة عمليات الاستهداف الإيرانية. هذا النوع من المساعدات يترك آثاراً أقل وضوحاً من عمليات نقل الطائرات أو بطاريات الصواريخ، الأمر الذي يجعله أصعب في التتبع وأسهل في الإنكار، لكنه يظل ذا أهمية. وقد خلص بعض المسؤولين في الإدارة الأميركية إلى أن موسكو منخرطة سراً في مثل هذه الأنشطة، كما ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” حديثاً. ومن الصعب تقدير الحجم والعمق الدقيقين لهذا الجهد في هذه المرحلة، لكن تأثيره يبقى أقل بكثير من برنامج المساعدة الاستخباراتية الأميركي الذي استمر لسنوات ومكن القوات المسلحة الأوكرانية من قتل آلاف الجنود الروس منذ بداية الغزو الشامل عام 2022.
حتى مع إخفاق موسكو في دعم طهران، فإن روسيا قد تستفيد من النتائج غير المقصودة والآثار غير المباشرة للحرب الجارية في إيران. فالولايات المتحدة تنفق صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية والذخائر الدقيقة التي تحتاج إليها أوكرانيا. كذلك فإن صواريخ “باتريوت” وأسلحة الضربات البعيدة المدى محدودة، وما يُخصص منها لإسرائيل والخليج لن يكون متاحاً لكييف.
والجائزة الأكبر لروسيا هي ارتفاع أسعار الطاقة. فقد انخفضت أسعار النفط عام 2025 بسبب قرار تحالف “أوبك+” زيادة الإنتاج. ولم تكن لدى روسيا طاقة إنتاجية فائضة كبيرة لتوسيع إنتاجها النفطي، لذا لم تتمكن من تعويض خسائرها الناجمة عن انخفاض الأسعار من خلال زيادة حجم الإنتاج. وقد أدى هذا القرار إلى فائض في السوق وبدائل للنفط الروسي لدى المشترين، وهو ما دفع، إلى جانب زيادة الضغط بسبب العقوبات الأميركية، إلى خصومات حادة على النفط الروسي. أما الآن، فإن النقص الذي سببه إغلاق مضيق هرمز يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، ما يمنح روسيا وموازنتها الحكومية المتعثرة دفعة من الإيرادات. وفي مطلع الشهر الجاري، ومن أجل تخفيف الضغط عن الأسواق، حتى وزارة الخزانة الأميركية أصدرت ترخيصاً لمدة 30 يوماً يسمح ببيع النفط الخام الروسي إلى الهند بعد أن كان خاضعاً للعقوبات. كذلك فإن الخليج مورد رئيس للغاز الطبيعي المسال؛ وأي انخفاض كبير في صادرات المنطقة يساعد روسيا على بيع غازها الطبيعي المسال، خصوصاً في آسيا.
قد تستفيد روسيا من بضعة أسابيع من تعطيل إمدادات الطاقة في الخليج، لكن ليس بشكل كبير؛ فكل زيادة قدرها عشرة دولارات في سعر برميل النفط قد تمنح روسيا نحو 95 مليون دولار يومياً، وهو مبلغ ليس كبيراً على المدى القصير. لكن إذا ألحقت الحرب أضراراً كبيرة وطويلة الأمد بالبنية التحتية للنفط والغاز في المنطقة، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار لفترة طويلة ويساعد في ملء خزائن الكرملين. وحتى الآن، امتنعت الولايات المتحدة وإسرائيل عن الإضرار بقدرة إيران على تصدير النفط أو قصف حقولها النفطية ومرافئ التصدير الخاصة بها، لكن هذا قد يتغير خلال مسار الصراع. وإذا سعت إيران اليائسة إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بجيرانها وبالاقتصاد العالمي، فقد تكون الآثار على إمدادات النفط والغاز العالمية أكثر دواماً.
في الواقع، إن إلحاق أضرار كبيرة ودائمة بالبنية التحتية للطاقة في الخليج، إلى جانب فترة طويلة محتملة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، قد يقنع الصين أخيراً ببدء مشاريع جديدة لخطوط أنابيب النفط والغاز عبر البر من روسيا. وهذا أمر حاول بوتين إقناع الرئيس الصيني شي جينبينغ به طوال العقد الماضي، خصوصاً منذ عام 2022 عندما بدأت أوروبا تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية. إن ارتفاع أسعار الطاقة من شأنه أن يجعل النفط والغاز الروسيين لا غنى عنهما. وعندئذ سيواجه صانعو السياسات في أوروبا والولايات المتحدة خياراً صعباً: إما الاستمرار في تشديد العقوبات على روسيا مع كلفة اقتصادية متزايدة، أو تخفيف موقفهم.
أما خيارات روسيا نفسها فهي أقل تعقيداً. فقد كشفت إخفاقات الكرملين الأخيرة في مساعدة شركائه، في كل من سوريا وفنزويلا وإيران، عن محدودية نفوذه كقوة عالمية. ومع تركيز مواردها على الحرب في أوكرانيا، لا تستطيع موسكو تقديم مساعدة مادية تُذكر لأصدقائها المستبدين. وما تبقى أمامها هو هدف أضيق: جني الأرباح من النتائج غير المقصودة للتدخلات الأميركية.
ألكسندر غابويف هو مدير مركز كارنيغي روسيا وأوراسيا في برلين.
نيكول غرايفسكي هي أستاذة مساعدة في جامعة “سيانس بو” وباحثة غير مقيمة في برنامج السياسة النووية في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”. وهي مؤلفة كتاب “روسيا وإيران: شريكتان في التحدي من سوريا إلى أوكرانيا”.
سيرغي فاكولينكو هو زميل بارز في مركز كارنيغي روسيا وأوراسيا في برلين.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 16 مارس (آذار) 2026
اندبندنت عربية