وجدت الأنظمة العربية نفسها بين فكي كماشة، الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتطلعاته المفتوحة لبسط سيطرته على ثروات العالم بالاعتماد على قوة الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية؛ ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو و”حلمه” ببسط النفوذ الصهيوني على ما يسميها “إسرائيل الكبرى” مباشرة، باحتلال مساحات من الأرض العربية، أو غير مباشرة، عبر الهيمنة والسيطرة؛ وذلك بالتحالف مع الأول والحصول على مباركته ودعمه المباشر وتجنيد القدرات الأميركية الدبلوماسية والسياسية والعسكرية لصالح مشروع الهيمنة والسيطرة، بما في ذلك التشارك في خوض معارك خدمة لهدف الطرفين. وقد كشف العدوان الأميركي الصهيوني على إيران، ومباركة الأول عمليات الكيان الصهيوني في لبنان، وغضّه النظر عن احتلاله أراضي في الجنوب السوري وتوغلاته المتواترة فيه، وطرحه خلال المفاوضات حول الاتفاق الأمني بين السلطة السورية الجديدة والكيان الصهيوني مقارباتٍ تخدم أهداف الأخير، وتمنحه حقّ التصرف في سورية، وفق تقديراته وما يعتبرها ضروراته الأمنية.
لقد وجدت الأنظمة العربية نفسها عاجزة في مواجهة تسونامي الثنائي ترامب نتنياهو؛ لم ينفعها التزلف للأول ولا الوعود باستثمار تريليونات الدولارات في الاقتصاد الأميركي، وقد وضعها العدوان الأميركي الصهيوني على إيران وتوسيع الأخيرة دائرة ردّها بتوجيه صواريخها ومسيراتها ضد أهداف عسكرية ومدنية وبنى تحتية حساسة مثل منشآت الطاقة والموانئ ومحطات تحلية المياه في عدة دول العربية في موقف دقيق: البقاء في الدفاع وتلقي ضربات إيران العدوانية من دون رد أو الرد والانخراط في الحرب إلى جانب الكيان الصهيوني الذي لن يتوانى عن الضغط عليها وابتزازها والتدخل في سياساتها وشؤونها الداخلية في حال خرج منتصرا في هذه الحرب.
يبدو الزلزال العربي الحالي نتيجة منطقية للممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في الحياة العربية، والبحث عن مكمن الخلل يستدعي قراءة متعددة المستويات، باعتبار ما حصل وليد حالة مركّبة ومعقدة، تداخل فيها وتشابك المحلي بالإقليمي والدولي، فالأنظمة العربية، التي فشلت في اختبار حماية الوطن والمواطنين، بسبب إدارة السياسة بطريقةٍ لا تنتمي إلى منطق العصر؛ غريبة عن القواعد السياسية المتعارف عليها، حيث تجاهلت أولويات العملية السياسية وقواعدها، التي ترى أن حماية الوطن من القوى الخارجية تتطلب، بالدرجة الأولى، تحصين الجبهة الداخلية بما يستدعيه من قدرات اجتماعية واقتصادية وعسكرية، وإقامة شبكات تعاون وتحالف وتشارك عربية وإقليمية ودولية مناسبة، تحقّق نوعاً من توازن قوى يوفر مستوى من الحماية، والتخطيط لمواجهة العدوان الخارجي بالوسائل المناسبة، بعد أخذ المعطيات الكمّية والكيفية على طرفي الصراع بالحسبان.
لم تكتف الأنظمة العربية بعدم فعل هذا، بل زادت الطين بلة باعتماد سياسة عدائية إزاء بعضها بعضاً حيث نظر كل منها إلى الأنظمة الأخرى خطراً ومنافساً لمكانته العربية والإقليمية والدولية في تجاهل تام للمشتركات والمصالح والاتفاقات التي شكلت رباطا بينها في جامعة الدول العربية، وسعى كل منها بتوظيف إمكانات دولته وعلاقاتها الإقليمية والدولية لإضعاف الأنظمة الأخرى وزرع العقبات في طريق تطورها، فأضعفت بعضها بعضاً، وغدت لقمة سهلة للأعداء الإقليميين والدوليين.
أما مكمن الخلل الثاني فتلك السياسة الرعناء التي اعتمدتها الأنظمة، والتي هدفت إلى إضعاف المجتمعات للسيطرة عليها من طريق تفكيك بناها الوطنية ووحدتها الاجتماعية بضرب بناها السياسية ومؤسساتها الوسيطة، الأحزاب والاتحادات المهنية والنقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني والأهلي واستتباعها، وتمزيق تماسكها الوطني والاجتماعي ببعث الانتماءات والولاءات ما قبل الوطنية، وتكريس انقسامات افقية وعمودية على خلفية تمييز قومي وديني ومذهبي بين المواطنين، ما قاد إلى احتقانات قبلية وعشائرية ودينية ومذهبية، وإلى مواجهات طائفية وحروب أهلية في عدد منها، هدّدت وما زالت تُهدد بتقسيمها؛ وهذه جعلت للمواطنين مواقف متباينة من الأنظمة ومن التدخلات الخارجية، تأرجحت بين رفضها والترحيب بها، وإن بطرق ملتوية غير صريحة، علها تنقذهم من الممارسات التمييزية والقمعية، مروراً بالحياد السلبي، ما فتح ثغرات في جدار الوطنية تسمح بتسلل القوى الخارجية إلى حياض الوطن، عبر توظيف المظلوميات القومية والدينية والمذهبية واستغلالها. ولعل أول دروس هذا الزلزال وأهمها ذلك المتمثل بالارتباط الوثيق بين سيادة الحرية والكرامة ومقاومة العدوان الخارجي، فقد جاء في سيرة عنترة العبسي، وهو ابن غير شرعي من عبدة، أن سيده، أباه، شداد طلب منه الانطلاق لتحرير نساء من عبس اختطفهن اللصوص، فأجابه: أنا عبد والعبد لا يُحسن الكرّ، بل يُحسن الحلب والدّر. ولم يكر إلا بعد أن قال له سيده/ أباه: كرّ وأنت حر.
وحدهم المجتمعات الحرّة والمواطنون الأحرار يستطيعون، بما يملكون من مساحات للتصرّف الحر، وما تعوّدوا عليه من ممارسة لحقوقهم وواجباتهم باستقلالية، اجتراح المعجزات، لأنهم اعتادوا التصرّف بحرية وكرامة، في ضوء قانون الحرية الذي يحكم سلوك الإنسان ويدفعه إلى القيام بأعمال كثيرة وكبيرة تحقيقاً لتطلعاته في حياة أفضل في كنف العزة والكرامة، وسيادة العدالة والمساواة التي تجعل من المواطن شريكاً وصاحب مصلحةٍ في الدفاع عن الوطن، والتضحية من أجل حمايته. أما “العبيد”، الذين سحق الظلم والقهر روحهم وكرامتهم وإنسانيتهم، فلا ينتجون إلا المذلّة والانكسار والاستقالة واللامبالاة، يقنطون لأنهم تعودوا على انتهاك كرامتهم وامتهان إنسانيتهم وتجاهل حقوقهم ومصالحهم. وقد سبق للإمام محمد عبده الربط بين القهر والهزيمة، فقال في مجال تفسيره سرعة انهيار مقاومة جيش أحمد عرابي أمام الانكليز في معركة التل الكبير عام 1882: “إن تعوّد المواطنين على العبودية التي مارستها ضدهم أسرة محمد علي باشا قد كسر روح الكرامة والمقاومة فيهم وقادهم إلى استمراء الذلّ والخضوع فانهزموا، بينما على عكس ذلك، صمد آباؤهم وأجدادهم في وجه حملة نابليون قبل خمسة وسبعين عاماً، واستمروا في المقاومة حتى هزموا الحملة الفرنسية”.
وفي تقدير موقفٍ قدمه المستشار السياسي لقيصر ألمانيا الموحدة (1871-1888)، غليوم الأول، بشأن اختيار الأهداف العسكرية، قال: “إنك تستطيع أن تقهر جيش باريس وتحتلها ولكنك لن تستطيع البقاء فيها. ومن الصعب عليك أن تقهر جيش الأستانة، ولكنك إن قهرته تستطيع احتلال الأستانة والبقاء فيها. لماذا، لأن شعب باريس ذا الفكر الحر والقاعدة الواحدة الذي استقرت فيه الحقوق والعدالة والحرية أقوى من جيش المحتل، ولو كان جيش باريس هو الأضعف من الناحية العسكرية. ولأن شعب الأستانة المظلوم المقهور المتخلف سيستقبل الاحتلال فترة أطول، لأنك ستجلب له العدالة وتخلّصه من ظلم حاكمه واستبداده المستند إلى جيشه القوي المرتزق”.
إنها نصيحة قديمة، ولكنها تنطوي على تقدير صحيح على الطريقة المناسبة لمنع القوى الخارجية من التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد بتقوية المجتمع وتعزيز وسائل قوته وصموده بإقامة الأمور على أسس سليمة وعادلة تجعل الشعب والحكم قوة موحدة لا تقهر بالاحتلال، وإن قهرت بالتفوق العسكري، فإن القهر لن يطول لأن قدرات الشعب الموحد أقوى من جيش الاحتلال. باختصار، القوة العسكرية وحدها لا تضمن الاستقلال والسيادة بل العدالة والرضا الشعبي.
وهنا يمكن اعتبار استسلام النخبة السياسية والاجتماعية العربية للخيارات السهلة بالقبول بمعايير الشرعية التي فرضتها الأنظمة باسم عقائد دينية أو سياسية وبوعود اقتصادية واجتماعية، تحرّرية أو خدمية وترفيهية، عاملاً مساعداً للأنظمة في الهيمنة والسيطرة على المجتمعات وتنميط سلوك المواطنين والتحكّم بتصوراتهم وخياراتهم، كما ساعدها قبول المجتمعات العربية، تحت وطأة البؤس والحاجة، خيارات الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورشاويها الاجتماعية: التوظيف، المنح الاجتماعية، الدعم الاجتماعي لقدرات الأسر المعيشية، على إحكام السيطرة.
لقد كشف الزلزال الحالي عمق الوهم لدى الأنظمة العربية، حيث كانت انساقت وراء أوهام رسوخ الاستقلال الوطني، ومظلة الشرعية الدولية، في حين أن الثابت في التاريخ لا يشير إلا إلى القدرات الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية أساساً لحفظ السيادة ولاستمرار الاستقرار وحماية المصالح، وإن استمرار الاستقلال وحماية المصالح الوطنية تستدعي مراكمة عناصر القوة وترسيخها، من جهة، والاستمرار، من جهة ثانية، في مراقبة المتغيرات الإقليمية والدولية وتبدّلات توازن القوى والمصالح وتلمّس اتجاهها والتحرك المناسب للعمل على احتواء تبعاتها السلبية وتفاعلاتها والتصدي لها، وتواصل العمل الاجتماعي والاقتصادي لصيانة الاستقلال الوطني وتحقيق الاكتفاء الذاتي، لأن في ذلك ضمانة الاستقلال والحرية. فالدول التي لا تنتج حاجات مواطنيها من غذاء ودواء وصناعات… إلخ، وتضمن توزيعاً عادلاً للثروة بين المناطق والأفراد لا تمنح أية صدقية لدعوى تحرّرها واستقلالها، كما كشف (الزلزال) عن هشاشة الاستقلال المعتمد على حماية الجيوش الوطنية فقط وضرورة الاستناد إلى حالة وطنية تجمع الجيش والشعب، الحكم والمجتمع، وهذا غير ممكن من دون عدالة ومساواة وحريات، كما كشف تهافت الاعتماد على الحماية الخارجية.
كانت حماية السيادة الوطنية وتحقيق الأمن والاستقرار وما زالت بحاجة إلى وحدة وطنية، وهذه تستدعي حياة وطنية سليمة تسود فيها العدالة والمساواة وحكم القانون والشفافية وأنظمة حكم تشاركية لا تستثني أحدا لاعتبارات قومية أو دينية أو مذهبية. وهذه جميعها كانت وما زالت مفتقدة في الأنظمة العربية بنسب متفاوتة، لأنها (الأنظمة) فرضت عقوداً اجتماعية على شعوبها من طرف واحد؛ من دون حوار وطني أو حوار على مستوى الأطر الوسيطة، الأحزاب والاتحادات المهنية والنقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني والأهلي، عقوداً اجتماعية تقايض السكوت بالأمن، أو السكوت بالدعم الاجتماعي أو السكوت بالرفاه. كما حدّدت، مع الوقت، جمهورها الخاص، وأسبغت عليه النعمة، وحرمت الفئات الأوسع منها، فقلصت قاعدتها الاجتماعية إلى نسبة ضئيلة من أبناء المجتمع، وغدت تسلطية وتمييزية وقمعية بعيون قطاعاتٍ واسعةٍ من مجتمعاتها، ما أسّس لحالة مفاصلة وعدم اهتمام بالوطن والوطنية التي لا تعني حياة حرة وكريمة.
لو أن الأنظمة العربية شقّت طريقاً مختلفاً عما كانت تفعله، طريق إشراك المجتمع في صياغة السياسات واتخاذ القرارات عبر مؤسّسات وطنية حقيقية، لكانت حوَّلت مجتمعاتها إلى قوة موحدة، ولضمنت وقوفها خلف قراراتها في الحرب والسلم وتحمّلت تبعات الموقف التي يقتضيها إغلاق أرض الوطن في وجه التدخلات الخارجية، المباشرة وغير المباشرة، وردعت أي قوة تفكّر بالمسّ بأمن البلاد وسيادتها، والتصدي للقوات الغازية صفا واحدا، ولحصّنت نفسها بموقف دولي متعاطف هدفه حماية أنظمة شعبية منسجمة مع مجتمعاتها ومتصالحة مع محيطها.
العربي الجديد