كان للعامل الإسرائيلي، من دون شك، دورٌ مهمٌّ في دفع إدارة ترامب إلى الحرب مع إيران، خصوصاً وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، جعل من إسقاط النظام الإيراني هدفاً رئيساً لحياته السياسية، منذ كان نائباً لرئيس البعثة الإسرائيلية في واشنطن، ثم سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة، في منتصف الثمانينيات. لكن جانبا آخر منها مرتبط بشدة بالمصالح الأميركية التي باتت ترى أن مستقبل الصراع في النظام الدولي سوف تحسمه السيطرة على المصادر الطبيعية، وفي مقدمتها الطاقة والمعادن النادرة، التي تشكل عماد صناعة التكنولوجيا (أشباه الموصلات خصوصا) وسباق الذكاء الاصطناعي. هناك عامل آخر لا يقل أهمية مرتبط بنرجسية ترامب ورغبته في أن يُشار إليه بأنه الرئيس الذي حل العقد العالقة في السياسة الأميركية منذ أيام الحرب الباردة، وفي مقدمتها، بطبيعة الحال، إيران وكوبا. وقد شجعه على ذلك “نجاحه” في حل عقدة فنزويلا.
العامل الأخير الذي تحكم بقرار ترامب بخصوص إيران إغراء “الضعف” الذي بدأ يلمسه في موقفها بعد عودته إلى الحكم. ومعروف عنه أنه يحترم القوة، ويتهيب مواجهتها، ويتراجع، من دون تردّد، في حال وجد مقاومة لسياساته. ولطالما عبّر ترامب عن إعجابه بمن يعدهم زعماء أقوياء، مثل الرؤساء، الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جين بينغ، والكوري الشمالي كيم جونغ أون. كما أنه تراجع عن موقفه بخصوص السيطرة على غرينلاند عندما قرّر الأوروبيون مواجهته، وأمام الصين عندما ردّت عليه بشأن الرسوم الجمركية. وعليه، من الصعب تخيّل أن يورّط الرئيس ترامب نفسه في حرب مع إيران لو أنها ظلت بقوتها التي كانت عليها خلال ولايته الأولى (2017-2021). لكن الضربات التي تعرّضت لها مصادر القوة الإيرانية، بعد عملية طوفان الأقصى، بما فيها تدمير جزء كبير من قدرات حزب الله العسكرية في لبنان، وإخراجها من سورية بعد سقوط نظام الأسد (2024)، والضربات التي تلقّاها الحوثيون (ربيع 2025) وصولا إلى الحرب الإيرانية-الإسرائيلية الأولى، صيف العام نفسه، ثم الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران (ديسمبر/ كانون الأول 2025- يناير/ كانون الثاني 2026)، أغرت ترامب بشن حرب خاطفة على إيران بطريقة قطع الرأس (نسخة أكثر عنفاً من الطريقة الفنزويلية) تؤدّي إلى شل النظام ودفعه إلى الاستسلام من دون التورّط في حرب طويلة. وقد تشجّع ترامب لتنفيذ هذه الاستراتيجية عندما بلغه خبر الاجتماع الموسع الذي يعقده خامنئي مع كبار قياداته العسكرية والأمنية صباح 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط).
يفكر الرئيس ترامب، ويتصرّف، بطريقة صائد الجوائز الأميركي (Bounty Hunter) الذي يتحيّن الفرص للانقضاض على فريسته وانتزاع جائزته بأقل جهد ممكن. هكذا دخل الحرب الإسرائيلية- الإيرانية الصيف الماضي في يومها الأخير، ووجّه ضربة يتيمة للبرنامج النووي الإيراني، وخرج من دون التورّط في حرب طويلة معها، ظاناً أن هذا يكفي لجلبها إلى الطاولة وانتزاع نصره منها. هذا لم يحصل، فقرّر أن يوجه ضربة أقوى لها. لكن إيران لم تستسلم، بل ردّت بإغلاق مضيق هرمز، ما تسبب في مضاعفة أسعار النفط.
في غياب خيار الغزو البرّي، بدأ ترامب يدرك أن الحرب مع إيران لن تحسم بالضربة القاضية. هذا يعني أنه سيبحث، إذا طالت مقاومة إيران، عن مخرج لوقف الحرب، تليها مفاوضات جديدة، ثم جولة أخرى من القتال، إذا لم تتحقق شروطه، وهو ما لن تقبل به إيران، ما يعني أن ترامب قد ينزلق إلى ما كان يحاول كل الوقت تجنّبه في سنة انتخابية، قد تفضي إذا خسرها إلى محاولة عزله في الكونغرس.