
يمكن قراءة تقرير لجنة التحقيق الدولية حول سوريا بوصفه أول مرآة أممية تعكس ملامح السنة الأولى من المرحلة الانتقالية تحت حكم الرئيس الشرع. لكنه، كما هي حال معظم تقارير الأمم المتحدة، يكشف جانباً من الصورة ويُبقي جانباً آخر في الظل. ومن هنا تأتي ضرورة التعامل معه كنص سياسي وحقوقي في آن معاً، لفهم ما يقوله التقرير صراحة، وما يلمّح إليه، وما يتجنّب الخوض فيه.
أولاً: ما الذي قاله التقرير؟
قدّم التقرير خلاصة حاسمة: أن سوريا لم تنتقل بعد من دولة قمعية إلى دولة قانون. ما حدث هو انتقال من عنف منظّم إلى عنف مفكّك، ومن جهاز أمني مركزي إلى شبكة متداخلة من القوى المحلية والمسلّحة. فالبنية التي سمحت بالانتهاكات في عهد الأسد لم تُستبدل ببنية جديدة، بل بقيت آليات العنف وذهنياته وشبكاته قائمة، وإن تغيّرت الأسماء والخطابات.
اعتمدت اللجنة في تقييمها على قاعدة واسعة من الأدلة: أكثر من خمسمئة مقابلة، وتحقيقات في وثائق وصور ومواد رقمية وصور أقمار صناعية. وقد مكّنها ذلك من رسم مشهد مركّب للسنة الأولى من حكم السلطة الجديدة، مشهد تتجاور فيه مؤشرات تقدّم مؤسسي مع استمرار بنية العنف.
فمن جهة، سجّل التقرير خطوات وصفها بالإيجابية: كإنشاء لجان وطنية للعدالة الانتقالية وللمفقودين، وفتح تحقيقات في موجات العنف، وإصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين كبار في النظام السابق، ورفع بعض القيود على الحريات العامة، وعودة ملايين اللاجئين والنازحين، وبدايات إصلاح في المنظومتين القضائية والأمنية. وهي خطوات رأى فيها التقرير أن السلطة تُظهر إرادة سياسية أولية في التعامل مع إرث الماضي.
لكن من جهة أخرى، أبرز التقرير صورة قاتمة ومقلقة عن استمرار حدوث انتهاكات جسيمة في حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، وضعف آليات الفرز والتدريب داخل الأجهزة الأمنية، خصوصاً في ما يتعلق بالقادة والعناصر الذين جرى دمجهم حديثاً من فصائل مسلحة معارضة سابقة. ووثّق أنماطاً واسعة من القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، وحالات وفاة في الحجز، وانتهاكات جسيمة لحقوق السكن والأرض والملكية، كثير منها استهدف مجتمعات يُنظر إليها على أنها موالية للنظام السابق أو تنتمي إلى أقليات بعينها.
كما أشار التقرير بوضوح إلى أن موجتي العنف الداميتين في آذار وتموز 2025، اللتين قُتل خلالهما أكثر من 2900 شخص من العلويين والدروز والبدو وغيرهم، وأكد أنهما اتسمتا بطابع طائفي وعرقي واضح، وبممارسات من قبيل الإعدامات الميدانية والنهب والحرق والتهجير القسري، وهي ممارسات قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
ولا يقتصر التقرير على ذكر الانتهاكات المرتكبة من قبل القوات الحكومية، بل سجّل أيضاً انتهاكات جسيمة من أطراف أخرى: احتجاز عشرات الآلاف من النساء والأطفال في مخيمات الهول والروج في ظروف لاإنسانية ومن دون مراجعة فردية لشرعية الاحتجاز، واحتجاز آلاف الرجال والفتيان بتهم الانتماء لداعش في ظروف قد ترقى إلى التعذيب، واستمرار تجنيد الأطفال، وانتهاكات لقوات “قسد” في الاعتقال والاحتجاز. وعلى الضفة الأخرى، يوثّق التقرير تصاعداً كبيراً في العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، برية وجوية، وتمدداً فعلياً لرقعة الاحتلال في الجنوب، مع ما رافق ذلك من تهجير وتدمير ممتلكات واعتقالات ونقل محتجزين إلى داخل إسرائيل، واستهداف متظاهرين عُزّل، وهي أنماط ترقى بدورها إلى جرائم حرب محتملة. ويضاف إلى ذلك تهديد داعش المتصاعد، ما يضاعف هشاشة البيئة الأمنية.
ثانياً: على مستوى التشخيص البنيوي، قدّم التقرير ثلاث رسائل أساسية.
1- جهاز أمني هجين وغير منضبط:
أشار التقرير إلى أن إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية جرت بطريقة هجينة وغير منضبطة. فبدلاً من تأسيس أجهزة جديدة على أسس مهنية وحقوقية، جرى دمج فصائل مسلحة محلية كاملة، بعضها ذو سجل ثقيل في الانتهاكات، في الجيش والأمن والشرطة الوليدة، من دون تدقيق فردي في خلفيات عناصرها أو هياكلها. النتيجة جهاز أمني “مرقّع”: ولاءات متضاربة، شبكات نفوذ محلية، اقتصاد ظلّ قائم على السلاح، وقدرة كبيرة على ممارسة العنف، مقابل قدرة ضعيفة على الخضوع للمساءلة. هذا الخلل كان أحد العوامل المباشرة التي غذّت موجتي العنف في الساحل والسويداء عام 2025.
2- الدولة لا تحتكر السلاح
أكد التقرير أن الدولة لم تحتكر السلاح بعد. فإلى جانب الجيش والأجهزة الرسمية، تواصل مجموعات عشائرية ومحلية، وفصائل مندمجة شكلياً أكثر من كونها خاضعة فعلياً للسلطة المركزية، الاحتفاظ بسلاحها ونفوذها. ومع وجود قوى خارجية كإسرائيل، تركيا، قوات التحالف، تتحرك عسكرياً وأمنياً داخل سوريا من دون موافقة واضحة من الدولة، يصبح احتكار استخدام القوة هدفاً بعيد المنال. هذه الفوضى في مراكز القوة تخلق ما يمكن تسميته “اقتصاد العنف”: شبكات تمويل وتهريب وسيطرة على الأرض والطرق والموارد، تجعل من السلاح تجارة وسلطة في آن واحد، وتحوّل أي إصلاح أمني إلى تهديد لمصالح راسخة.
3- عدالة انتقالية بلا أدوات
أما في ما يتعلق بالعدالة، فيشير التقرير إلى أن المنظومة القضائية المعاد تشكيلها لا تزال عاجزة عن القيام بدورها كضامن لحقوق الناس وكحارس ضد تكرار الجرائم. ورغم بعض التحسينات — رفع رواتب القضاة، تطهير جزئي لبعض المحاكم الخاصة — إلا أن القضاء يفتقر إلى الاستقلالية والموارد والقدرة على الوصول إلى المناطق المتوترة أو الخارجة عن السيطرة المباشرة. كما أن المساءلة ما تزال انتقائية أو محصورة بالمستويات الدنيا، فيما تبقى مسؤوليات القادة وأصحاب القرار معلّقة. إن غياب مسار عدالة فعّال يغذي شعوراً واسعاً بأن العدالة الانتقالية لا تزال إطاراً شكلياً أكثر منها تحوّلاً عميقاً في بنية الحكم.
ثالثاً: ما الذي لم يقله التقرير؟
رغم أهميته، تضمن التقرير فجوات وصمتاً مقصوداً أو غير مقصود. فهو تجنب طرح السؤال السياسي الحاسم: هل القرار السيادي بيد الحكومة الانتقالية؟ أم بيد قادة الفصائل المندمجة؟ أم بيد تحالف مصالح داخلي–خارجي يتجاوز الجميع؟ من دون الإجابة عن هذا السؤال، تبقى توصيات الإصلاح الأمني والقضائي معلّقة في الهواء.
تجنب التقرير تسمية المسؤوليات السياسية للقيادات الجديدة، واكتفى باستخدام عبارات عامة مثل “قوات حكومية” و”قادة ميدانيون” و”أطراف”. هذا الحذر مفهوم من منظور قانوني، لكنه يترك فراغاً في المساحة التي تحتاجها المجتمعات لمساءلة من يتخذ القرارات، لا من ينفّذها فقط.
كما اكتفى التقرير بالإشارة إلى النهب والمصادرات و”ضرائب الحماية”، دون أن يحلل البنية الاقتصادية التي تجعل استمرار العنف خياراً مربحاً لفئات واسعة. من دون هذا التحليل، تغيب عن الصورة واحدة من أقوى محرّكات العنف: المصالح المالية والزبائنية التي نشأت حول السلاح والحرب والتهجير.
كما تناول التقرير قضايا مثل تأخر تشكيل البرلمان وضعف تمثيل النساء وغياب الانتخابات في بعض المناطق، دون أن الدخول في النقاش الجوهري حول طبيعة النظام السياسي الذي يتبلور: مركزية السلطة، حدود اللامركزية، موقع المكوّنات المحلية والإثنية والدينية في العقد الاجتماعي الجديد.
وأخيراً، وثّق التقرير شهادات الضحايا، دون مناقشة دورهم في صياغة مسار العدالة الانتقالية وإعادة تشكيل المؤسسات، رغم أنهم أصحاب المصلحة الأولى.
مع كل تلك الملاحظات، يبقى تقرير لجنة التحقيق الدولية وثيقة بالغة الأهمية فهو من جهة أضفى طابعاً رسمياً على حقيقة يعرفها السوريون جيداً: العنف لم ينتهِ بسقوط الأسد، والدولة الجديدة لم تصبح بعد دولة قانون، والبنى التي غذّت الانتهاكات ما تزال قائمة. ومن جهة أخرى قدم التقرير بلغة قانونية حذرة، تشخيصاً بنيوياً لمصادر الخلل: أجهزة أمنية هجينة، سلاح خارج الاحتكار، وعدالة عاجزة.
وما لم يقله التقرير صراحة يجب أن يُقال في النقاش العام: من يحكم سوريا اليوم؟ وأي دولة نريدها بعد هذه التضحيات الهائلة؟ وكيف ننتقل من عدالة تُدار كملف تقني إلى عدالة تصبح بنية حكم وعقداً اجتماعياً جديداً؟
هنا يبدأ الدور الحقيقي للكتّاب والحقوقيين والفاعلين السوريين بتحويل هذه الوثيقة الأممية إلى حوار سياسي وأخلاقي واسع حول معنى الدولة والمواطنة في سوريا ما بعد الأسد.
المدن