كما الكهرباء والغاز والخبز والخدمات العامة، وكما الانتقال السياسي والعدالة الانتقاليّة، كما كلّ مظاهر التردّي والفشل في اللوحة السوريّة العامة، تحضر الدراما السوريّة مجدداً، فيُعيد مخرجو سوريا ونجومها وكتّابها تدوير ما استُهلِك خلال سنوات الضمور والتسطيح لأكثر من عقد، من قصص وشخصيات وأنماط. تماماً كما يُعيد حكامها الجدد تدوير الابتذال السياسي والاقتصادي.
ليس غريباً أو استثنائياً انصباب اهتمام كثير من الأعمال الدراميّة السوريّة على تفاصيل مآسي السوريين خلال السنوات الأخيرة من حقبة حكم الأسد، فالألم بألوانه وتشكيلاته وأدواته يُثير شهوة المستهلك العربي عموماً منذ سقوط الطاغية وحتى اليوم. هو بضاعة تبيعها الفضائيات وقنوات السوشيال ميديا بعناوين برّاقة تستنبط من اللغة أقسى وأشد تراكيبها لتضع العناوين للوثائقيات والفيديوهات الطويلة والقصيرة، التي لا تأتي بجديد حقيقي، سوى تحفيز المستهلك وجذبه إلى المتابعة، وبيعه المزيد. لم تفعل الدراما السورية شيئاً مختلفاً عملياً سوى الإمعان في تلك السطحيّة والإتجار السريع بالمآسي. هي فقط استكملت ما بدأته مؤسسات رسمية ومنظّمات وقطاعات مختلفة ناشطة على الأرض السورية، لم تجد قانوناً أو عرفاً يردعها عن نبش القبور بشكل عشوائي وطلاء جدران السجون وبيع الوثائق بأكياس النايلون.

وقف الصانع السوري قبل أن تدور كاميراته في الاستديوهات والشوارع أمام كنز لم يعرف من أين يبدأ به. سجون وكماشات وسكاكين وحبال وجنازير وأقفال. مخدرات ودعارة وبيع أعضاء. ضباط ووزراء وقادة وحكّام. لم يَعد هناك رادع عن استثمار كل هذا، فليحمل الكتّاب والمخرجون مغارفهم، ويغرفوا من حلّة القصص الدسمة فلا حسيب ولا رقيب اليوم. وبالفعل كانت غالبيّة الأعمال تحشد كل ما يمكن حشده من تلك القصص، سواء تناسب هذا مع البناء الدرامي أم لم يتناسب، فمن الواضح أيضاً أنّ لا رقيب على الجودة، أو علّ الجودة من وجهة نظر الصانع هي قابليّة أن يقول المسلسل كل شيء.

لم يكن يوماً استحضار مآسي الشعوب في فنونها ضرباً من الإساءة لتلك المآسي، حتى وإن حمل هذا الاستحضار وجهة نظر خاصة للصانع، وجهة قد تكون مختلفة عن السائد. لكن الإساءة الحقيقية هي استخدام تلك المآسي بسويّة فنيّة وفكريّة سطحيّة حتى على صعيد الفن التجاري سريع الاستهلاك. حينها يُمكن للمأساة أن تتحوّل إلى كوميديا غير مقصودة، وهو بالضبط ما يُمكن رصده في عدد من الأعمال السورية التي تُبَث عبر فضائيات مختلفة، منها على سبيل المثال مسلسل عائلة الملك، ومسلسل القيصر، حيث تحضر قضايا كالقتل تحت التعذيب أو الاغتصاب أو الانشقاق أو تكوُّن الخلايا الثورية، أو مآسي عائلات المغيّبين قسراً، ضمن هشاشة سرديّة، ومشاهد غاية في السذاجة، تُؤدّيها شخصيات مسطّحة ذات بعد واحد، بأداءات مُتكلّفة لحوارات طفوليّة، لم يُكلّف كتّابها أنفسهم عناء تتبّع قصّة حقيقيّة يُمكن بناء النص بشكل طبيعي منها.

تبدو ملامح الانتقام من جثة نظام الأسد واضحة في غالبية الأعمال، والتي تبالغ قدر ما استطاعت في طرح ما كان محرّماً أو شبه محرّم، كاستحضار أسماء الضباط المسؤولين، أو أسماء النشطاء الثوريين، أو شتم الأسد ومحاكاة لهجته وأسلوبه. يبدو هذا جليّاً في مسلسلات مثل: سعادة المجنون، ومطبخ المدينة، ومولانا. هذا الانتقام يبدو ممجوجاً في كثير من الأحيان، مُتكلّفاً فاقداً لوظيفته الفنيّة بسبب حضوره في أغلب الأحيان في غير مكانه المناسب. هذه النقطة هي واحدة من نقاط الخلل البنيوي الفاقع في أكثر من مسلسل سوري، حيث لا تُواكِب الجمل المنطوقة الأحداث الواقعة، فتفقد بذلك قدرتها على الإقناع، وكذا انسيابيتها ضمن جسم القصة بشكل عام. أوضح الأمثلة على هذا الخلل هو مفردات وجمل الممثل تيم حسن في مولانا، والتي يبدو أنه يمتلك زمام المبادرة بها أنّى شاء، فيرمي نكاته عشوائياً دون حذر من إمكانية مناسبتها للحدث، فتبدو كنتوء واضح، يمكن اقتصاصه وتداوله عبر منصات السوشيال ميديا، واستخدامه كـ «إيموجي» وكأن الهدف منه لا يتعدّى ذلك أصلاً. وعليه يظهر ذلك واحداً من أوضح الآثار السلبية لما يمكن تسميته «سلطة الفنان على العمل». تلك مشكلة قديمة في الأعمال التي يظهر فيها النجم السوري الأبرز، لم تبدأ في مولانا، وعلّها لن تنتهي به.

في أعمال مثل مطبخ المدينة وسعادة المجنون، تتفوق فوضى الدراما على الواقع بأشواط، مهما حاولت الكاميرات إكساء القصص لبوس الواقعيّة، تُحاول المشاهد استخلاص عصارة الوحشية والسفالة وانعدام القانون، وتكرارها وإعادة تدويرها، بأساليب مُتسرّعة فاقدة في حالات كثيرة لإمكانية فهم الإحاطات والمبررات. في مطبخ المدينة، يظهر واضحاً أثر الاستخدام المتكلّف للتشويق، بما يفقد القصص متانتها وتركيبها الدرامي المنطقي في غير موضع.

فنيّاً لا تصبّ الحداثة والتكنولوجيا في كثير من الأحيان في مصلحة المسلسل السوري، والأمثلة كثيرة، تبدأ من الاستخدام البليد للذكاء الاصطناعي في كثير من شارات ومشاهد بعض الأعمال، ولا تنتهي باستخدام الدرون خبط عشواء سواء اقتضت المصلحة الفنية أم لم تقتضِ. في عائلة الملك تكاد الدرون تقصف المواقع بدلاً من أن تصوّرها.
أمام تلك الحداثة يُصرّ العمل التلفزيوني السوري على الاستمرار في التقليد البالي، الذي لا شك أنه واحد من الأسباب الأساسية للتردّي العام في المسلسل السوري منذ سنوات، وهو تقليد المسلسل الطويل. ثلاثون حلقة شاء من شاء وأبى من أبى. هي معضلة بات من الواضح أن محاولات التطويل وحشد القصص معاً غير قادرة على حلّها. معضلة تجاوزتها كثير من النماذج التلفزيونية العربية المجاورة، كالدراما المصرية مثلاً، والتي من الغريب أن صنّاع الدراما السوريّة لا يلتفتون إلى ما تقدمه من حلول إنتاجية وسردية على صعد مختلفة.

تتكرر وجوه الممثلين أنفسهم في عدّة أعمال، بعضهم لا يُتيح له تواضع موهبته خلق الاختلاف في لغة الجسد ونبرة الصوت والأداء بشكل عام بين دور وآخر، وهو ما يُسهم في الفوضى وتشوش المتابعة بالنسبة لمن يُتابع أكثر من عمل. حوالي 25 ممثلاً يحضر كل واحد منهم في ثلاثة أعمال على الأقل، بعضهم في أربعة أعمال، ومنهم من حضر في خمسة مسلسلات. هو أيضاً ما يلفت إلى التعطش للاستثمار السريع، فالقضايا البيّاعة اليوم، قد تكسد في الأسواق غداً.

تتساوى الأعمال الدراميّة السوريّة بمستوى فهمها للمأساة السوريّة، مستوى يُمكن وصفه بـ «الفهم الفاحش»، وهو مصطلح اقترحه المخرج الفرنسي الراحل كلود لنزمان، ذلك الفهم الذي يبدأ العمل الفني منطلقاً منه، فهمٌ يتضمن تفسيراً كاملاً يُقَدَّم بكل وضوح للمشاهد. فهم فاحش يُفسّر الإبادة دون حذر، ويُحوّل الجريمة إلى قضية مفهومة كلياً.
ليس من المطلوب، ولا من الصواب أصلاً، المطالبة بقوننة موضوعات الدراما، أو فرض شروط فكرية عليها أو على أيّ نوع من الفنون والإنتاجات الثقافية والترفيهية بشكل عام. لكن ما قدّمه موسم 2026 من دراما سورية ليس نتاجاً لسقوط الرقيب ووجود هامش حريّة، فالحريّة والجرأة بعيدتان جدّاً عن هذه الأعمال. واختبار الجرأة والحرية في موضوعات ما قبل 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، هو كاختبار الجرأة في باب الحارة في زمن الأسد. والتراجيديا السوريّة لا ينقصها أبداً مواد أرشيفية دراميّة، ولا إعادة تمثيل الجريمة، إن ما ينقصها أهم بكثير من الفنون. ينقصها بالدرجة الأولى حقوق الضحايا، وبالدرجة ما قبل الأولى أن تنتهي.