ثائر صالح.. جريدة المدى
لم تكن المباراة بين موتسارت وسالييري في قصر شونبرون التي تحدثت عنها الأسبوع الماضي المباراة الوحيدة في تاريخ الموسيقى، فهناك العديد من المسابقات الموسيقية، لعل مبارزة باخ ومارشان أشهرها، وأكثرها تغليفاً بالأساطير في نفس الوقت. مبارزة اليوم هي تلك التي حصلت في روما سنة 1709 بين جورج فريدريك هندل (1685 – 1759) ودومينيكو سكارلاتّي (1685 – 1757).
أُقيمت المسابقة برعاية الكاردينال پيَترو أتّوبوني (1667 – 1740) في قصره پالاتزو دَلّا كانسلاريا وهو قصر بُني في عصر النهضة تابع للفاتيكان. اشتهر الكاردينال برعايته الفنون والموسيقى وقد بنى مسرحا في القصر لتقديم الموسيقى. رعى الكاردينال الموسيقار الكبير أركانجلو كوريلّي (1653 – 1713) الذي كان يقدم حفلات موسيقية مساء كل يوم اثنين. رعى كذلك السّاندرو سكارلاتي (1660 – 1725) أبو دومينيكو، كذلك ڤيڤالدي وأنتونيو كالدارا (1670 – 1736) وغيرهم من النحاتين والرسامين والمعماريين، وجمع الكثير من القطع الفنية الايطالية والأجنبية كذلك، مثل لوحات رسامي الأراضي الواطئة.
وصل هندل إلى إيطاليا في 1706 ليتعلم الفنون الموسيقية هناك، وزار عدة مدن منها روما ونابولي وفلورنسا وفينيسيا حيث استقبل بحفاوة وتقدير عال لمهاراته في العزف على الهاربسيكورد والأورغن وألّف بعض أجمل أعماله الأولى، انتقل لاحقاً ليعيش في لندن حتى وفاته.
أما سكارلاتّي فقد ولد في نابولي ودرس عند أبيه ألساندرو، ثم في فينيسا قبل أن ينتقل إلى روما ليعمل فيها. أنتقل للعمل في البرتغال سنة 1719 ثم إلى إسبانيا في 1729 حتى وفاته. اشتهر بتأليف أعمال للهاربسيكورد أسماها سوناتات، وهي أعمال من حركة واحدة تميزه هو لوحده بلغ عددها نحو 550 عمل.
كان المؤرخ الموسيقي الإنكليزي چارلز برني (1726 – 1814) أول ذكر أمر هذه المنافسة في كتابه “تاريخ الموسيقى العام” (1776 – 1789) استناداً إلى الروايات والقصص الشفاهية، بعد عقود من الحادثة. يذكر أن المنافسة كانت بشقين، هما العزف على الهاربسيكورد وعلى الأورغن. “اعترف سكارلاتّي بتفوق هندل عليه في العزف على الأورغن، لكنه شعر بأنه لم يخسر في العزف على الهاربسيكورد” وهذه طريقة تعبير إنكليزية معروفة للتهرب من قول الحقيقة بشكل مباشر بل بنفي عكسها. لهذا يخلص المرء إلى خروج الطرفين منتصرين، فقد عرف سكارلاتّي بمهراته الفائقة على الهاربسيكورد، بينما فاز هندل بالعزف على الأورغن، إذ عمل عازفاً على الأورغن في الكنيسة الرئيسية لمدينة هاله التي عزف فيها قبله وبعده عدد من ألمع عازفي الأورغن في الولايات الألمانية وأهم موسيقييها، من صمويل شايت حتى ڤلهلم فريدمان باخ. وقد عبّر العملاقان عن احترامهما لبعضهما البعض بعد تلك المنافسة طيلة حياتهما.
وقد أثارت هذه المسابقة مخيلة القدماء والمعاصرين بصدد الأعمال الموسيقية التي قدمها الموسيقارين. للأسف لا نعلم بالضبط أي الأعمال قدمت وقتها، ومن المحتمل جداً أن يكونا قد ارتجلا بعض الموسيقى إلى جانب شيء من أعمالهما الأولى الناجحة. لذلك نجد العديد من التسجيلات الموسيقية التي تخيل فيها العازفون الأعمال التي قد تكون قدمت في تلك المنافسة.