نور عويتي- صحافية فلسطينيّة سوريّة… موقع درج
ثلاثون عاماً من الوجود السوري في لبنان تركت جروحاً سياسية وأمنية عميقة، وما زالت فكرة عودة أي دور عسكري سوري إلى الداخل اللبناني تثير مخاوف من تكرار السيناريو نفسه، وكأن التاريخ يلوّح بإعادة نفسه، وكأن الكابوس الذي عاشه لبنان طوال ثلاثة عقود لم يتحول بعد إلى فصل من الماضي، بل ما زال احتمالاً قائماً في الحاضر.
يحمل مسلسل “المحافظة 15” في عنوانه شحنة سياسية كافية لفتح جرح ظلّ لسنوات طويلة خارج إطار الشاشة. عبارة “المحافظة 15” يعرفها اللبنانيون جيداً، لكنها لم تصل يوماً إلى الدراما: فكرة أن لبنان هو المحافظة الخامسة عشرة في سوريا؛ عبارة لم تكن تُقال في الإعلام الرسمي، لكنها بقيت حاضرة في خطاب غير معلن بين الجنود وبعض السياسيين السوريين خلال سنوات الوجود العسكري لنظام الأسد في لبنان، وكأنها صيغة رمزية لتبرير هذه “الوصاية/الاحتلال” التي بدأت عام 1976 واستمرت فعلياً حتى عام 2005، أي ما يقارب الثلاثين عاماً من النفوذ العسكري والسياسي والأمني الذي ترك أثراً عميقاً في تاريخ البلدين، وفي ذاكرة اللبنانيين تحديداً.
المفارقة أن هذه العبارة التي ترسخت في الوعي اللبناني، لم تكن واضحة بالقدر نفسه لدى كثر من السوريين. خارج لبنان لم تكن فكرة “المحافظة 15” جزءاً من النقاش العام، ولم تصبح دلالتها السياسية أكثر وضوحاً إلا بعد عام 2011، حين تحولت الهجرة السورية الجماعية إلى لبنان إلى تجربة احتكاك مباشر مع مجتمع يحمل ذاكرة مختلفة تماماً عن تلك المرحلة.
هنا تحديداً تكمن الجرأة الأولى للمسلسل (تأليف كارين رزق الله، وإخراج سمير حبشي، وإنتاج مروى غروب)، التي تتجاوز مجرد اختيار العنوان نحو الذهاب خطوة أبعد عبر استخدام تعبير صريح مثل “الاحتلال السوري للبنان”، الذي لطالما كانت حاضراً في الخطاب السياسي اللبناني لكنه بقي غائباً تقريباً عن الدراما التلفزيونية. وغالباً ما تُستدعى هذه العبارة اليوم أيضاً في خطاب عنصري يربط بين اللاجئين السوريين والنظام السوري، وكأن ملايين السوريين الذين هربوا من الحرب هم امتداد سياسي للنظام الذي فرّوا منه أصلاً.
سجن صيدنايا محرّكاً للأحداث
يبدأ المسلسل بمشهد له جذور في الواقع ودلالات رمزية عميقة: فتح سجن صيدنايا؛ اللحظة التي حاولت الدراما السورية هذا العام تجسيدها لكنها فشلت في التقاط حساسيتها في مسلسلات مثل “سجون الشيطان”، بينما جُسِّدت – حتى الآن – بشكل أفضل في مسلسل لبناني، وهنا كانت أولى المفارقات.
في هذا المشهد يلتقي المشاهد بطلَي العمل: “فؤاد” الذي يؤدي دوره يورغو شلهوب، وهو معتقل لبناني أمضى ثمانية وعشرين عاماً في سجن صيدنايا، و”خالد” الذي يؤدي دوره حسن خليل، معتقل سوري أمضى أربعة عشر عاماً في السجن نفسه. لكن الحرية هنا لا تبدو خلاصاً بقدر ما تبدو صدمة جديدة. فؤاد يخرج ليكتشف أن عائلته كلها ماتت، وهي كانت تعتقد أنه غرق في البحر، ولم تعرف يوماً أنه كان معتقلاً في سجون النظام السوري. أما خالد فيعود إلى منزله ليجد مكانه كومة من الحجارة، بينما أصبحت عائلته نازحة في لبنان ولا يملك أي فكرة عن مكان وجودها.
يحاول المسلسل هنا أن يلامس الأثر النفسي الطويل للاعتقال السياسي؛ فالمعتقلون الذين خرجوا من سجون مثل صيدنايا لا يعودون ببساطة إلى الحياة الطبيعية. الزمن بالنسبة إليهم توقف عند لحظة الاعتقال، بينما العالم في الخارج تغيّر بالكامل. يخافون من العتمة ومن المرايا، من الأصوات العالية ومن الضجيج المفاجئ. أجسادهم خرجت من السجن، لكن السجن لم يخرج منهم بعد. ومع ذلك، تبقى هذه الفكرة القوية غير مستثمَرة درامياً بالشكل الكافي، إذ لا تتحول دائماً إلى صراع درامي متماسك قادر على حمل ثقل الموضوع.
من هو السوري في لبنان؟
على مستوى آخر من العمل، يحاول المسلسل الابتعاد عن الصورة النمطية للسوري في لبنان، التي كرّستها أعمال مشتركة كثيرة سورية – لبنانية. ففي تلك الأعمال غالباً ما يظهر السوري إما شخصية ثرية لا تعاني من أي مشكلة قانونية، أو شخصية هامشية مرتبطة بالمخيمات والجريمة. أما هنا فتظهر العائلة السورية في سياق أقرب إلى الواقع الاجتماعي.
نلمس ذلك في عائلة خالد: فوالده كان محامياً في سوريا، لكنه يعمل في لبنان عامل أرض لدى عائلة لبنانية. انتقال طبقي قاسٍ يختصر تجربة كثر من السوريين الذين فقدوا حياتهم المهنية والاجتماعية بعد اللجوء. كما يحضر في المسلسل ما أصبح جزءاً من الحياة اليومية للاجئين: مشاكل الإقامة، وصعوبة العمل وتأمين الأدوية، إضافة إلى الاحتكاك اليومي مع خطاب عنصري متصاعد في المجتمع اللبناني.
حتى العلاقات العاطفية في المسلسل تعكس هذا الواقع المتوتر. حين يقع خالد في حب الصحافية “نغم”، التي تؤدي دورها نور الغندور، تأتي ردة فعل والدتها مباشرة وقاسية: “معقول تحبي لاجئ سوري؟”، لتختزل بحوار واقعي طبقة كاملة من الأحكام المسبقة التي باتت تحكم العلاقة بين المجتمعين في السنوات الأخيرة.
الذاكرة كأداة تغذّي العنصرية
المفارقة التي يحاول المسلسل الإشارة إليها أن الذاكرة السياسية اللبنانية حول الوجود السوري تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة في الخطاب العنصري ضد اللاجئين السوريين. فالتاريخ السياسي للنظام السوري في لبنان يُستدعى اليوم أحياناً كحجة لتبرير العداء للسوريين أنفسهم، على الرغم من أن هؤلاء هم أيضاً ضحايا ذلك النظام.
يلمس المسلسل هذه المفارقة عبر شخصياته، ولا سيما شخصية “منية” التي تؤديها كاتبة المسلسل كارين رزق الله، وهي نائبة في البرلمان اللبناني وكانت في مرحلة سابقة مرتبطة بالنظام السوري، ضمن سياق يرمز إلى العلاقات المعقدة التي ربطت جزءاً من الطبقة السياسية اللبنانية بدمشق خلال سنوات الوصاية.
في المقابل، تظهر شخصية “سلاف”، شقيقة خالد التي تؤدي دورها سوناتا سكاف، والتي هربت مع عائلتها من مخيم للنازحين في لبنان بعد تعرضها للاغتصاب على يد عنصر أمن لبناني مسؤول عن المخيم. الطفلة التي وُلدت نتيجة هذا الاعتداء بقيت بلا أوراق رسمية، في صورة تختصر هشاشة الوجود القانوني للاجئين السوريين في لبنان.
وما بين حكايات الشخصيات ترتسم ملامح العلاقة بواقعية، بدون انحيازات واضحة؛ فلا ينحاز المسلسل إلى مظلومية لبنانية في سياق العلاقة مع السوريين، ولا ينحاز أيضاً إلى صف السوريين. ما يحدث هو التقاط معاناة الضحايا من الطرفين.
أهمية التوقيت و”الزمن الدرامي”
المفارقة أن توقيت عرض المسلسل يأتي في لحظة سياسية حساسة. ففيما يستعيد العمل ذاكرة الوجود العسكري السوري في لبنان، تتداول أخبار عن تحشيد قوات سورية على الحدود اللبنانية، مع حديث عن احتمال تدخل عسكري سوري داخل لبنان تحت عنوان المساعدة في مواجهة عناصر حزب الله.
بالنسبة إلى كثر من اللبنانيين، يعيد هذا الحديث فتح ذاكرة لم تُغلق بعد. ثلاثون عاماً من الوجود السوري في لبنان تركت جروحاً سياسية وأمنية عميقة، وما زالت فكرة عودة أي دور عسكري سوري إلى الداخل اللبناني تثير مخاوف من تكرار السيناريو نفسه، وكأن التاريخ يلوّح بإعادة نفسه، وكأن الكابوس الذي عاشه لبنان طوال ثلاثة عقود لم يتحول بعد إلى فصل من الماضي، بل ما زال احتمالاً قائماً في الحاضر.
وعلى الرغم من الجرأة السياسية الواضحة في المواضيع التي يطرحها المسلسل، تبقى المشكلة الأساسية درامية. فالإيقاع بطيء، والأحداث لا تتصاعد بما يخدم القضايا الثقيلة التي يتناولها العمل. مشاهد كثيرة تبدو مطوّلة أو غير مكتملة درامياً. حتى قصة الحب بين فؤاد ومنية، التي يفترض أن تشكل محوراً عاطفياً للعمل، تبدو عاجزة عن خلق توتر درامي حقيقي. فالمشاهد التي تستعيد ماضيهما أقرب إلى استعادة نوستالجية منها إلى عنصر يدفع السرد إلى الأمام.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر في العمل: المسلسل يقترب من واحدة من أكثر المواد السياسية والإنسانية كثافة في المنطقة — السجون، والاحتلال، واللجوء، والذاكرة المشتركة — لكنه لا ينجح دائماً درامياً في استثمار هذا الثقل بالكامل.
ومع ذلك يبقى له فضل واضح في كسر أحد أكبر التابوهات في الدراما السورية – اللبنانية؛ فالحديث الصريح عن الاحتلال السوري للبنان، وعن سجن صيدنايا، وعن العلاقة المعقدة بين السوريين واللبنانيين، هو خطوة نادرة في الإنتاج التلفزيوني في المنطقة. قد لا يكون العمل ناجحاً درامياً بالقدر الذي تفرضه جرأة مواضيعه، لكنه يفتح باباً ظلّ مغلقاً طويلاً: باب مواجهة ذاكرة مشتركة بين بلدين لم يتفقا بعد على رواية واحدة لتاريخهما.
موقع درج