ملخص
يظل التهديد الأثقل هو الانسحاب من الناتو، وهو أمر هدد به ترمب في مناسبات سابقة، فهل هناك سقف لما يمكن أن يصل إليه الرئيس الأميركي في انتقامه من الأوروبيين بشأن تقاعسهم عن دعمه.
بدا الرئيس الأميركي دونالد ترمب حاداً عندما تحدث عن ضرورة أن يقدم حلفاؤه في حلف شمال الأطلسي (ناتو) المساعدة للولايات المتحدة في جهودها لفتح مضيق هرمز شبه المغلق منذ بدء الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، حيث استهدف النظام الإيراني عدة سفن في المضيق ومحيطه ما أدى إلى اضطراب غير مسبوق في سوق الطاقة في أنحاء مختلفة من العالم.
بشكل صريح لا لبس فيه، قال متحدث باسم المستشار الألماني فريدريش ميرتس: “لا علاقة لهذه الحرب بالناتو. إنها ليست حرب الناتو. الناتو تحالف للدفاع عن منطقة الحلف”. وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه لن “ينجر إلى حرب أوسع نطاقاً مع إيران”، مؤكداً في الوقت نفسه أنه يعمل مع الحلفاء لمعاودة فتح المضيق. وأضاف للصحافيين في لندن إننا “نعمل مع الآخرين لوضع خطة موثوقة لمضيق هرمز لضمان معاودة فتح الملاحة والمرور عبر المضيق. دعوني أكون واضحاً، لن تكون هذه مهمة لحلف شمال الأطلسي ومن غير الوارد أبداً أن تكون كذلك”.
غضب أميركي
اعتبر الرئيس الأميركي هذه الردود بأنها “خطأ أحمق”، بحسب تعبيره خلال لقائه في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الإيرلندي، قائلاً إن حلف الناتو “يرتكب خطأ أحمق للغاية”، “لطالما قلت إنني أتساءل عما إذا كان الناتو سيكون موجوداً من أجلنا أم لا. لذا كان هذا اختباراً رائعاً”.
ولا يقتصر الغضب الأميركي على الإدارة فقط، فيبدو أن ثمة حالة من الاستياء بين الجمهوريين بشأن موقف الحلفاء. فكتب ليندسي غراهام، السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب، على حسابه على منصة “إكس” معبراً عن حالة الغضب الأميركي تجاه الأوروبيين، وقال “لقد تحدثتُ للتو مع الرئيس بشأن إحجام حلفائنا الأوروبيين عن تقديم الموارد اللازمة للحفاظ على استمرار عمل مضيق هرمز، وهو ما يفيد أوروبا أكثر بكثير مما يفيد الولايات المتحدة. لم أسمعه غاضباً إلى هذا الحد في حياتي. وأنا أشارك هذا الغضب بالنظر إلى ما هو على المحك”.
وأضاف “إن غرور حلفائنا في الإيحاء بأن امتلاك إيران لسلاح نووي أمر لا يستدعي القلق، وأن العمل العسكري لمنع المرشد الأعلى من الحصول على قنبلة نووية هو مشكلتنا نحن وليس مشكلتهم، يُعد أمراً مسيئاً إلى حد بعيد. لقد أثبت النهج الأوروبي في احتواء طموحات المرشد الأعلى النووية أنه فشل ذريع. إن تداعيات تقديم قدر ضئيل من المساعدة للحفاظ على عمل مضيق هرمز ستكون واسعة وعميقة بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة”. وتابع “أعتبر نفسي من الداعمين بقوة للتحالفات، لكن في وقت اختبار حقيقي كهذا، يجعلني ذلك أعيد التفكير في قيمة هذه التحالفات. وأنا على يقين أنني لست السيناتور الوحيد الذي يشعر بهذا الشكل”.
الغضب الأميركي الذي عبر عنه السيناتور الجمهوري بكلمات واضحة، تثير العديد من التساؤلات بشأن مصير الحلف العسكري الذي تأسس عام 1949 إبان الحرب العالمية الثانية، في خضم ما يمكن وصفه شقاق جاد وخطير في جسد التحالف، فالرئيس الأميركي الذي طالما شكك في جدوى حلف شمال الأطلسي والتمويل الأميركي له، لن يتردد كثيراً في اتخاذ إجراءات من شأنها أن تؤلم شركاءه. ولطالما أبدى ترمب موقفاً متردداً، بل وانتقادياً، تجاه حلف الناتو، لكنه في الوقت نفسه أعرب عن رضاه لرؤية الحلف يزيد من التزاماته في الإنفاق الدفاعي، واعتبر ذلك نجاحاً لنهجه.
يضم حلف شمال الأطلسي في عضويته 32 دولة من جانبي الأطلسي، وهم الولايات المتحدة وكندا وتركيا والدول الأوروبية التي تشكل الكتلة الأكبر من التحالف العسكري، كذلك هي الأكثر تضرراً من غلق مضيق هرمز، إذ يمثل الخليج المصدر الرئيسي للوقود والمنتجات البترولية لأوروبا، وقد أدى تعطل حركة الشحن التجاري إلى ارتفاع أسعار هذه الامتدادات من الطاقة على الفور.
تجنب حلف شمال الأطلسي الرد على استفسارات “اندبندنت عربية” بشأن ردود الفعل الداخلية على تصريحات ترمب، وتحدثنا إلى عدد من الباحثين في أوروبا وأميركا بشأن العواقب المحتملة لتلك الأزمة الأكبر في تاريخ الحلف العسكري، والذين أكدوا على خطورة اللحظة التي يمر بها حلف شمال الأطلسي.
جميع الخيارات مطروحة
وفي حديثه لنا، قال مدير صندوق مارشال الألماني في بروكسل، إيان ليسر، إنه ينبغي أخذ تعليقات الرئيس ترمب على محمل الجد، بخاصة مع اقتراب قمة للناتو المقررة في يوليو (تموز) في أنقرة.
ثمة عدة خيارات تصعيدية يمكن لترمب أن يرد بها على امتناع حلفاء الولايات المتحدة عن دعمه في حرب إيران، فإذا كان ما شهدناه خلال العام الماضي مؤشراً، يتوقع ليسر أن يؤثر الخلاف الحالي على مفاوضات تجارية صعبة أصلاً مع الأوروبيين، كذلك قد ينعكس على الدعم الأميركي لأوكرانيا. ويتوقع مدير برنامج “الصندوق العالمي للسياسة الخارجية – الجنوب”، فرض تعريفات جمركية جديدة أو وقف الدعم لأوكرانيا، وصولاً إلى تقليص القوات الأميركية في أوروبا، فهي “جميعها خيارات محتملة كردود فعل”.
وكانت الولايات المتحدة علقت ثم قلصت بشكل كبير مساعداتها العسكرية لأوكرانيا منذ 2025، ما أدى إلى تراجع دورها كالداعم الرئيسي لكييف في حربها مع روسيا. وتصاعدت جهود الحكومات الأوروبية لضمان قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها والتفاوض مع موسكو من موقف قوة. إذ حلت أوروبا عملياً محل الولايات المتحدة كأكبر مانح لأوكرانيا، وزاد الدعم العسكري من الاتحاد الأوروبي بنسبة 67 في المئة في عام 2025، كذلك وافق الاتحاد الأوروبي على قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا لدعم الموازنة والشؤون العسكرية خلال عامي 2026–2027.
وفي حين يرى أستاذ السياسة لدى جامعة كارلتون في كندا آرون إيتينغر، أن ترمب غالباً ما يُطلق تهديدات غامضة لا تُفضى إلى شيء أو تكون أقل خطورة مما تبدو عليه، غير أنه يتفق بأنه من المرجح أن يرغب الرئيس الأميركي في تكبيد الأوروبيين ثمناً على عدم تعاونهم.
ويقول “إذا كان التاريخ يدلنا على شيء، فهو أن ترمب قد يلجأ إلى الرسوم الجمركية كوسيلة للعقاب”. ومع ذلك يقلل إيتينغر في حديثه، من تأثير إجراء مثل هذا قائلاً إن “هذه الرسوم لم تعد مخيفة كما كانت قبل عام. فقد اعتادت أوروبا على التعايش معها، كذلك فإن فعاليتها السياسية تتراجع مع اعتياد الناس عليها وارتفاع نسبها. فما الذي ستضيفه زيادة أخرى بنسبة 10 أو 20 في المئة على منتج بات أصلاً خارج نطاق المنافسة في السوق الأميركية؟”. ويضيف إنه ربما يعمل على إبطاء المفاوضات التجارية أو تعطيل القمم أو تجاهل طلبات الأوروبيين كنوع من العقاب.
الانسحاب من الناتو
يظل التهديد الأثقل هو الانسحاب من الناتو، وهو أمر هدد به ترمب في مناسبات سابقة؛ ففي سياق الخلاف حول جزيرة غرينلاند الدنماركية التي أعرب مراراً عن رغبته في الاستحواذ عليها، رفض الرئيس الأميركي استبعاد احتمال الانسحاب من الحلف العسكري العابر للأطلسي. فبعد أن أسفرت المحادثات بين وزيري خارجية غرينلاند والدنمارك والمسؤولين الأميركيين مطلع العام الحالي، عن عدم التوصل إلى أي نتائج، طُرح على ترمب سؤال حول خطواته المقبلة. وخلال حديثه إلى الصحافيين في المكتب البيضاوي، رفض ترمب استبعاد خيار مغادرة الناتو.
وأثناء ولايته الأولى وفي الأشهر الأولى من ولايته الثانية، عبّر ترمب عن استيائه من الناتو، بشكل رئيسي بسبب الإنفاق الدفاعي وكمية مساهمة كل دولة عضو في موازنة الدفاع. وكان يجادل بأن الولايات المتحدة لا يجب أن تدفع أكبر قدر من التمويل الدفاعي. وفي أغسطس (آب) 2018، أشار ترمب إلى محادثات أجراها مع مسؤولي الناتو في العام السابق. وقال: “سألني أحدهم: هل ستتركونا إذا لم ندفع فواتيرنا؟ لقد كرهوا إجابتي. قلت: نعم، كنت سأفكر في ذلك”.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، قبل عودته إلى البيت الأبيض لولايته الثانية، قال ترمب إن الناتو كان “يستغل” الولايات المتحدة، وأضاف أن الولايات المتحدة ستظل عضواً فقط إذا دفع الآخرون فواتيرهم.
وفي العام الماضي، نجح ترمب في دفع قادة الناتو للموافقة على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة بحلول عام 2035. وفي عام 2018، أنفقت الدول الأوروبية في المتوسط 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، مقارنة بمعدل الولايات المتحدة البالغ 3.39 في المئة.
ومع ذلك، يشير المراقبون إلى سقف لما يمكن أن يصل إليه الرئيس الأميركي في انتقامه من الأوروبيين بشأن تقاعسهم عن دعمه، فيستبعد ليسر الخيارات الأكثر تطرفاً، مثل الانسحاب من عضوية حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو تقليص المشاركة في القيادة العسكرية المتكاملة للناتو، مشيراً إلى أنها تبقى غير مرجحة لا سيما أنها ستواجه معارضة كبيرة داخل الكونغرس، بما في ذلك من العديد من الجمهوريين المؤيدين بشدة لحلف الناتو.
ويقول إيتينغر إنه في حين كان هذا الاحتمال مقلقاً خلال ولايته الأولى، فإنه أقل تهديداً الآن. ففي عام 2023، أدرج الكونغرس الأميركي بنداً في موازنة الدفاع يمنع الرئيس من الانسحاب من الناتو بشكل أحادي، وكان صاحب هذا البند السيناتور آنذاك ماركو روبيو، الذي يشغل الآن منصب وزير الخارجية. وبناء على ذلك، “يمكن القول إن ترمب لم يعد يمتلك القدر نفسه من النفوذ على أوروبا كما كان في السابق”.
الأوروبيون الأكثر تضرراً من غلق هرمز
يُعد مضيق هرمز، الواقع بين عُمان وإيران، بوابة رئيسية لصادرات دول الخليج، مثل النفط والغاز والمواد الكيماوية. ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المئة من النفط العالمي، بما في ذلك النفط الآتي من السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال من قطر. وبعد أن تحولت أوروبا عن الاعتماد على الطاقة الروسية منذ غزوها لأوكرانيا، أصبحت تعتمد بشكل أكبر على الواردات من منطقة الخليج. وتُعد بريطانيا وإيطاليا وبلجيكا وبولندا، من بين الدول الأوروبية، الأكثر اعتماداً على واردات الغاز الطبيعي المسال التي تمر عبر مضيق هرمز، وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
ويقول القائد السابق للأسطول الخامس الأميركي والزميل الحالي لدى معهد الشرق الأوسط، كيفن دونيغان، إن الولايات المتحدة بإمكانها إعادة فتح مضيق هرمز من دون مساعدة الحلفاء، لكن يشير إلى أنه من الأفضل القيام بذلك بمساعدة الحلفاء. ويوضح بالقول إن “هذه ليست مسألة أوروبية فقط، بل قضية عالمية. فالمشكلة الحقيقية هي أن الضغط على الاقتصاد العالمي كبير، وبالتالي سيتعين على الدول التحرك لإعادة تدفق التجارة. وأعتقد أن ذلك سيتم بالطريقة التي تم التدرب عليها لسنوات، أي عبر جهد مشترك بين الولايات المتحدة وحلفائها”.
اندبندنت عربية
