يرتبط المسرح السوري بتاريخ طويل من الإبداع على يد رواده وعدد كبير من الكتّاب والمخرجين والممثلين. تأسس رسميًا عام 1871 على يد الرائد أبو خليل القباني، الذي يُعتبر أول مؤسس للمسرح العربي، حيث قدم عروضًا غنائية وتمثيلية عديدة منها: “أنس الجليس” و”ناكر الجميل”. وقد سبقت هذه المرحلة بوادر مسرحية في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر في العاصمة السورية دمشق ومدينة حمص، وتطورت هذه التجارب المسرحية في أوائل القرن العشرين مع فرق عديدة، وصولًا لتأسيس المسرح القومي في 1959، فترة الوحدة مع مصر، والذي قدّم أول عروضه في 1960 من إخراج الدكتور رفيق الصبّان بالتعاون مع الفنان الراحل نهاد قلعي. ورغم النجاح الذي حققه المسرح في استقطاب الجمهور، فقد عانى رواده الكثير من الصعوبات والتحديات، ومنهم: إسكندر فرح الذي قدم مسرحيات مهمة في تاريخ المسرح العربي: (شهداء الغرام – صلاح الدين – مملكة أورشليم) وغيرها. بعد ذلك ظهرت فرق مسرحية عديدة ومسرحيون مبدعون، وشهد العصر الذهبي للمسرح ولادة الكاتب سعد الله ونوس الذي ألّف أكثر المسرحيات جرأة وعمقًا وإثارة للجدل: (الفيل يا ملك الزمان – حفلة سمر من أجل 5 حزيران – مغامرة رأس المملوك جابر) وغيرها. واعتُبرت مساهماته بمنزلة العهد الجديد للمسرح السوري، صوّرت مآسي الإنسان العربي والقمع والديكتاتورية التي يتعرض لها، وإجرام الاحتلال الإسرائيلي، وعذابات الشعب الفلسطيني، وخذلان الحكام العرب للقضية الفلسطينية.
وظهر المسرح العسكري قبل ذلك بأواخر الخمسينيات، وشهد نشاطًا بارزًا أوائل الستينيات، حيث ساهم بربط القضايا الوطنية بالمسرح، وضمّ ممثلين ساهموا في انطلاقته: سعد الدين بقدونس – نجاح حفيظ – منى واصف وآخرين. وبفترات تاريخية مختلفة، ظهرت فرق مسرحية خاصة وتأسست مسارح عديدة: المسرح الجوال – المسرح الجامعي – مسرح الهواة ومسرح الشبيبة. ونُظمت تظاهرات مهمة مثل: مهرجان دمشق للفنون المسرحية الذي انتقل إلى رعاية الدولة في دورته الثانية عام 1970، بعد أن أُقيمت دورته الأولى في 1969، تحت إشراف وتنظيم المسرحي سعد الله ونوس. ثم رفدت الحركة المسرحية فرقٌ أخرى قبل ذلك مثل: مسرح الشعب ومسرح حلب القومي الذي تأسس في 1967، وفيما بعد المسرح العمالي بحمص في 1973، والفرق الخاصة: فرقة محمود جبر – والأخوة قنوع وفرقة غربة. ونستطيع القول إن المسرح في سورية شهد نهضة كبيرة في مطلع السبعينيات، وكان غنيًا بقاماته الفنية الكبيرة، من الكتّاب والمخرجين والممثلين عبر سنوات طويلة، ومنهم: المخرج فواز الساجر: مؤسس المسرح التجريبي والمعهد العالي للفنون المسرحية، الذي رحل مبكرًا بعد أن ساهم في إخراج المسرحية السورية من عباءة الكلاسيكية، والذي رثاه شريكه سعد الله ونوس بقوله: “كان موته أشبه بالخيانة. توقفت المشاريع ولم تُنجز. عمّا قليل سأعود إلى دمشق لأجدها أكثر دمامة وأقل صداقة”. إضافة إلى فرحان بلبل، شيخ المسرح السوري والمؤلف البارز صاحب التوجه الماركسي. ورائد الاتجاه الوجودي الروائي وليد إخلاصي.
| فرحان بلبل، شيخ المسرح السوري والمؤلف البارز صاحب التوجه الماركسي |
ورياض شحرور رائد المسرح الكوميدي والاجتماعي، إضافة إلى الكاتب والأديب ممدوح عدوان أحد أبرز أعمدة المسرح السوري والعربي الحديث، حيث أثرى الحركة المسرحية بإنتاج غزير تميز بالجرأة والنقد السياسي والاجتماعي اللاذع، ومن أعماله المسرحية: ليل العبيد – لو كنتَ فلسطينيًا – هملت يستيقظ متأخرًا.
وبالعموم احتضن المسرح السوري المعاصر اتجاهات فكرية متنوعة، وهذا ما جعله يقترب من الالتزام بقضايا الشعوب وفضح السلطات والقمع والفساد، واستلهام التراث، مما أدى لظهور ما سماه النقاد “المسرح الملحمي”.
مع بداية السبعينيات وبعد الانقلاب العسكري الذي سُمي زورًا وبهتانًا بـ”الحركة التصحيحية”، شهد المسرح السوري من 1970 إلى 2000 حالة مزدوجة تراوحت بين الازدهار الفني النقدي، والخضوع لسقف الرقابة التي كانت تتدخل بشدة في كل مفاصل الحياة الثقافية. ورغم ذلك سمحت السلطة بعروض “مسرح التنفيس” الذي ينتقد الواقع المعيشي والخدمي للناس بدون المساس بموقع الرئاسة وشخص الرئيس، والخوض في الأسباب الجوهرية لما وصلت إليه البلاد على المستويات كافة، وظهر مسرح: دريد لحام – نهاد قلعي ورفيق سبيعي، ثم مسرح الأديب محمد الماغوط، الأكثر جرأة والتزامًا “مسرح أسرة تشرين”، وعرض المسرح القومي أعمالًا جادة لكنها لا تتخطى في نصوصها الهوامش المسموح بها من النظام، وذلك لتفريغ غضب السوريين والادعاء بديمقراطية الأسد الأب ونظامه الأمني العسكري.
وظهر أيضًا المعهد العالي للفنون المسرحية، وقدم عروضًا مختلفة على أيدي جيل جديد، ولكن أصبح هذا الفن محكومًا بالموافقات الرقابية والأمنية، وباضطرار صنّاعه إلى التحايل على مقص الرقيب قدر الإمكان.
استطاع النظام الأسدي ترويض المشهد المسرحي وكل الفعاليات الثقافية، وعمل على تدجين المواطنين وإجبار الجميع على الاحتفاء بانتصاراته وإنجازاته الوهمية. وأصبح المثقفون والفنانون أصحاب المواقف المبدئية ووجهات النظر المعارضة للاستبداد والحالمون بالحرية والعدالة يعيشون في وطن أضيق من أحلامهم وإمكانياتهم بكثير.
ثم شهد عهد الوريث للحكم (بشار الأسد) فيما بعد تحولات عديدة في المجال الثقافي، بدأت بمساحة نقدية محدودة لكنها أكثر اتساعًا عمّا قبل من حيث الشكل، وعُرضت مسرحيات كوميدية ناقدة كأعمال “همام حوت” وفرقته، وانقسم المسرح السوري بين تهريجي أو نخبوي أو موالٍ، وآخر يحاول التحايل على الرقابة بحدود مرسومة وصارمة، مما أدى إلى غياب المسرح الجاد وتوجه بعض العروض لخدمة أهداف السلطة، ولجوء الفنانين إلى استخدام الرموز والإشارات غير المباشرة لتمرير رسائلهم المحاصرة.
وبعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، انقسم الفنانون بين مؤيد ومعارض وحيادي. وتوقف العديد منهم عن العمل، فيما غادر آخرون البلاد إلى أماكن متفرقة، مما أدى إلى تراجع الحركة المسرحية بشكل عام، وتحوّل المسرح إلى “تهريج مبتذل” وأداة لتلميع صورة النظام المجرم، ودعم سردياته وأكاذيبه. وكانت أول مسرحية تُعرض بلا رقابة منذ أكثر من خمسين عامًا هي مسرحية “دكاكين” في 2014 لفرقة “طريق الخبز” التي أسسها المخرج الفلسطيني سلمان محمد، وذلك في القسم الخاضع لسيطرة المعارضة السورية في مدينة حلب، وتناولت أوضاع متسلقي الثورة الذين يبدّلون مواقفهم تبعًا لمصالحهم الفردية وتعليمات الممّول، على حساب الثوار والمنكوبين. وبالعموم أصيب المسرح بانتكاسة كبيرة خلال سنوات الحرب، وهرب المسرحيون إلى اقتباسات وتعريب نصوص عالمية، وتحولت سورية كلها إلى مسرح تراجيدي-عبثي للتعبئة السياسية، وسط انقسام حاد بين مسرح الداخل الموالي، ومسرح المهجر المعارض الذي قدم عروضًا في الخارج (أوروبا – لبنان) تناولت المأساة والتراجيديا السورية المؤلمة والاعتقال والقتل واللجوء بجرأة غير مسبوقة، بعيدًا عن سطوة الرقيب الذي قام نظامه الأمني باعتقال عدد من الفنانين وتهديدهم والتضييق عليهم ونهب ومصادرة ممتلكاتهم، وقتلهم تحت التعذيب، ومنهم: الفنان زكي كورديللو المعروف بمساهماته البارزة في المسرح السوري وإحيائه “لمسرح خيال الظل” الذي أصبح الوريث الحقيقي والوحيد له منذ 1993، والذي اعتُقل من منزله مع ابنه مهيار الطالب في المعهد العالي للفنون المسرحية وشقيق زوجته وصديقه، خلال مداهمة أمنية بدمشق في آب/ أغسطس 2012، وتم تغييبهم جميعًا في سجون الأسد المجرم، وبقي مصيرهم مجهولًا حتى اليوم.
| سمحت السلطة بعروض “مسرح التنفيس” الذي ينتقد الواقع المعيشي والخدمي للناس بدون المساس بموقع الرئاسة وشخص الرئيس |
بعد التحرير وسقوط النظام في 2024، شهدت البلاد حركة ثقافية محدودة أبرزها عودة العروض المسرحية والفنية إلى دمشق وبعض المحافظات السورية، بعد أن انتقلت من حقبة الرقابة والمديح للنظام إلى مسرح يتنفس حرية ويركز على القضايا العامة، وأول مسرحية عُرضت كانت بعنوان: “رح نبنيها” وقد طرحت أفكارًا لتعزيز قيم الانتماء والولاء لسورية الشعب وليس “سورية الأسد”، وتتالت بعدها عدة عروض منها: مسرحية “وردة إشبيلية” على خشبة دار الأوبرا، وهي تنتمي للمسرح الغنائي الراقص، تربط بين الماضي والحاضر، عبر حكايات عن الأندلس وحضاراتها ومأساة سقوطها، إضافة إلى قصص الهجرة والغرق في البحار التي عانى منها السوريون. إضافة إلى مسرحيتَي: “اللاجئان” و”كل عار وأنتم بخير” للأخوين ملص، وهما عن أوضاع السوريين الصعبة في دول اللجوء، وعن القهر وتداعيات استبداد النظام. وقدم الفنان زيناتي قدسية على خشبة المسرح الثقافي بحمص مسرحية “المحرقة” التي اتكأ فيها على شخصية جحا التراثية، محمّلًا إياها مقولات عن نصرة الضعفاء والفقراء في العالم، ودعوات لتحقيق المساواة والعدالة. كما عادت فرقة إنانا للمسرح الراقص الغنائي إلى سورية وشاركت في افتتاح معرض دمشق الدولي بدورته الـ62، بلوحات فنية مستمدة من تاريخ سورية وحضارتها.
ومع ذلك، ورغم حضور المسرح في سورية اليوم، يبقى عدد المسرحيات محدودًا وسط أسئلة عن مستقبله ومدى الدعم الرسمي الحقيقي له، في ضوء المتغيرات الكبيرة التي حدثت رغم الوعود التي أطلقها مؤخرًا مدير المسارح والموسيقى نوار بلبل الذي أعلن عن خطة عمل متدرجة لإحياء هذا الفن، وعن إلغاء الرقابة المسبقة، ورفع سقف الحرية والنقد، مؤكدًا أهمية الدعم الحكومي لبناء هذا القطاع، ومشيرًا إلى أن التمويل هو التحدي الأكبر.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يستطيع المسرح السوري التعبير عن التحديات الكبيرة التي تعيشها سورية المنهكة والمثقلة بأوزار مرحلة طويلة مظلمة أحرقت الأخضر واليابس، وهل بإمكانه أن يكون علاجًا “لأمراض المجتمع”؟
مراجع:
- بوابة مسرح.
- بوابة سورية.