عبدالكريم عمر.
كلما قرأتُ شيئًا لنزار أغري، وجدتُ نفسي أنحرف، دون قصد، عن المسار النقدي المألوف، متجهًا نحو بحثٍ شخصيّ حميم. لا أبحث عن معايير
لتقييم العمل الأدبي بقدر ما أنشغل بالتنقيب عن صلاتٍ خفية تربطني به. كأنّ القراءة، في حالتي، تتحول إلى محاولةٍ لاستعادة ذاكرةٍ مشتركة، لا إلى تفكيك نصٍّ مستقل.
ابحث عن المعادل الواقعي لشخوص الرواية، وأقارنهم بأشخاصٍ عايشتهم طويلًا، حتى يغدو النص مرآةً مزدوجة تعكس العالمين معًا: عالمه وعالمي. ومن خلال هذا المنظار الواقعي، أميل، ربما دون إنصافٍ كامل، إلى تقييم تجربة الكاتب، على الأقل بيني وبين نفسي.
ولست أبوح سراً إذا أقول إنني أتعرف، في كثيرٍ من الأحيان، إلى الامتدادات الواقعية لشخوص الرواية. أرى في «عالية» ظلًّا لشخصيةٍ حقيقية، وأكاد أميّز وجوه الرجال الذين مرّوا في حياتها: عمر، ونوري، وعبود… أشخاص حقيقيون عرفتهم عن قرب.
ولا تنفصل هذه القراءة عن المدينة التي تتحرك فيها الأحداث؛ إذ لا تظهر عامودا في الرواية بوصفها خلفية صامتة، بل ككائن حيّ نابض، تتكشف ملامحه عبر تفاصيله اليومية. في السوق، تختلط الأصوات والوجوه والطبقات، حيث يلتقي أبناء المدينة بالقادمين من الريف، حاملين تعبهم وأحلامهم الصغيرة، في مشهد يكثّف التوتر الخفي بين الهامش والمركز. ومن خلال هذه التفاصيل، لا تُروى حكاية الأفراد فحسب، بل تُكتب سيرة مدينةٍ بأكملها.
غير أن ما يمنح هذا الفضاء كثافته الأشد قتامة هو حضور السلطة الأمنية، ممثلةً في جهاز المخابرات، الذي لا يظهر بوصفه قوة خارجية فحسب، بل كشبكة متغلغلة في أدقّ تفاصيل الحياة اليومية. فالمراقبة لا تقتصر على المجال العام، بل تمتد إلى البيوت والعلاقات الشخصية، حيث يتحول الأفراد إلى موضوع دائم للرصد والاشتباه. ويجسّد أبو عصام هذا الحضور القمعي، بوصفه شخصيةً تمارس سلطة تتجاوز الاعتقال إلى إعادة تشكيل مصائر الناس، من خلال الترهيب والتدخل المباشر في شؤونهم. وتبلغ هذه السلطة ذروتها في قدرتها على تحويل الأجساد ذاتها إلى ساحات للانتهاك، كما في تجربة عالية، التي لا تتعرض للعنف بوصفه حادثة معزولة، بل كامتدادٍ لبنية قمعية شاملة.
ومن هذا المنظور، فإن هذا النص ليس سوى دعوةٍ إلى قراءة روايةٍ استمتعت بقراءتها وتألمت لما باحت به من آلام أشخاصٍ أكاد أدّعي أنني أعرفهم حق المعرفة. وأضيف إلى ذلك أنني أكاد أرى في هذه التجربة مثالًا على كيف يمكن للنقد الأدبي أن ينزلق، أحيانًا، إلى نوعٍ من التطفّل على ما لا يستطيع الناقد نفسه الإحاطة به.
أما تجربتي النقدية، إن جاز لي أن أمارسها، فتغدو تجربةَ قراءةٍ يكون فيها الفعل التأويلي مشروطًا بالموقع والانتماء، حيث لا يكون النص موضوعًا خارجيًا، بل امتدادًا لذاكرةٍ يعيشها القارئ.
بهذا المعنى، لا تقدّم الرواية حكاية عالية فحسب، بل تطرح سؤالًا أعمق حول علاقة السرد بالواقع: هل السرد وسيلة لفهم العالم، أم أنه شكلٌ آخر من أشكال إعادة إنتاجه؟ وفي الحالتين، تظل عامودا، في هذا العمل، ليست مجرد مكان، بل نصًّا مفتوحًا، تُكتب أسراره باستمرار، ولا تُقرأ إلا بقدر ما تُستعاد وتُعاش، وبقدر ما تتركه من أثرٍ في ذاكرة من يقرأها، وتظل عالية بالنسبة للكاتب حضورًا حيًّا، مهيمنًا، ومفتوحًا على كل احتمالات التأويل، وإن عالية بالنسبة للكاتب سرٌّ مؤرّق