الفقر والخبز يؤرقان سكان الرقة السورية قضايا وناس الرقة أسامة الخلف. العربي الجديد

يتجاوز عدد سكان الرقة  السورية 800 ألف نسمة، وفق الإحصائيات الصادرة عن المجلس المدني، بينما يبلغ عدد العوائل النازحة المقيمة في المدينة ومخيماتها 16145 عائلة، وهي تضم 58 مخيماً، إضافة إلى النازحين المقيمين في بيوت أو مدارس.

تقول زهية العبد (66 سنة)، من سكان حيّ الفردوس في مدينة الرقة، لـ”العربي الجديد”: “منذ نشأة مركز المدينة في خمسينيات القرن الماضي، وقبل ظهور الأفران العامة، والأفران الآلية، كنا ندخر القمح الذي نزرعه في أراضينا، ونقوم بتنقيته ووضعه بأكياس قماش ضمن صناديق خشبية ضخمة في منازلنا التي كانت تضم غرفاً خاصة بالتخزين، وأتذكر القيام بطحن القمح، إذ كانت في المدينة طاحونتان: الأولى طاحونة الحاج أحمد السعيد، والثانية طاحونة عبد الله الفرج، وتخزن كل عائلة حاجتها الأسبوعية من الطحين في براميل من التوتياء والحديد، وكان هناك فرن لشخص أرمني اسمه جانو، نأخذ الطحين بعد عجنه إليه لخبزه. أما الاحتياج اليومي، فكنا نوفره عبر خبز الصاج والتنور المنزلي”.
تضيف العبد: “تطورت الأمور مع مرور الوقت، وفي مطلع الثمانينيات أصبح هناك صوامع في الرقة، ومطاحن كبرى تتبع للحكومة، بالإضافة إلى الأفران الآلية، فأصبحت مسألة الخبز هينة، لكن قبل عامين، اعتمدت الإدارة الذاتية قانون (مندوب الخبز)، وتقلصت حصة الفرد إلى رغيفين، وأصبح الحصول على الخبز صعباً، ويمثل هاجساً لأغلب الأسر لعدم القدرة على تأمينه، بالإضافة إلى التصرفات السيئة من قبل بعض المندوبين”.

تقطن هاجر محمد (65 سنة) في حارة معاوية بالرقة، وتقول لـ”العربي الجديد”: “لم نتسلّم مستحقاتنا السنوية من مازوت التدفئة، وعند مراجعة المجلس، قالوا إن المستحقات لأكثر من خمسمائة عائلة لم تأتِ بعد، وسيجري التوزيع لاحقاً”. لكنها تتابع بامتعاض: “مضى من فصل الشتاء ما يقارب الشهر، ويترتب علينا شراء برميل المازوت بالسعر الحر البالغ 425 ألف ليرة، وهذا يفوق قدرة أكثر العوائل الشرائية، خاصة في أحياء المدينة ذات نمط السكن الطابقي، التي لا يمكن تركيب مدافئ بديلة فيها. والأشد مرارة انعدام الكهرباء في حيّ معاوية، وحارتنا ما زالت من الحارات غير المؤهلة”.
وتشتكي السيدة السورية قائلة: “كان لدينا أراضٍ زراعية، وبعنا الكثير منها. لم يبق شيء تقريباً، كل ما جنيناه في السابق ذهب كمصاريف، وتأمين حاجات الحياة اليومية أصبح صعباً للغاية، فالطعام مكلف، والتدفئة مكلفة، والملابس كذلك، ولم نعد نفكر في شيء سوى هذه الأمور”.

الصورة
توفير الخبز أصعب في مخيمات النزوح السورية (دليل سليمان/ فرانس برس)

وقبل ثلاثة أعوام، خصصت الإدارة الذاتية لأهالي مدينة الرقة وريفها والمخيمات التابعة لها، بطاقات مخصصة للتدفئة المنزلية تضم 600 لتر مازوت بسعر مدعوم يبلغ 50 ألف ليرة لكل برميل، فيما حُرمت العديد من العوائل مستحقاتها لأسباب عدة، وارتفع سعر لتر المازوت بالسوق السوداء إلى 2200 ليرة.
يعمل أسعد إبراهيم (25 سنة) في بيع الخضار بمدينة الرقة، ودائماً ما يركز على شارع القوتلي، ويوضح لـ”العربي الجديد” أنه يعاني مثل أغلب سكان المدينة من ضيق المعيشة، ويقول: “الخبز بالنسبة إلينا إكسير الحياة. لا يمكنني تناول الفطور من دون الخبز، مهما كان نوعه، سواء أكان شعيراً أم قمحاً، مخبوزاً في الفرن أو في التنور، ومهما ساءت جودته، إنه بالنسبة إلينا إدمان. سابقاً، وقعت في فخ إدمان الحشيش، وكنت أنفق كل ما لدي على شرائه، وفي اعتقادي أن إدمان المخدرات مشابه لإدمان الخبز. لدي طفل لم يبلغ عامه الأول بعد، وهو أول أطفالي، وأسمع معاناة الناس عندما يشترون الخضروات مني، وهم يتحدثون عن انتشار الفقر، وأظن أني لم أشعر بعد بهول الأزمة، لكون عائلتي صغيرة، وأرجو أن تكون الأيام القادمة أفضل”.

ويوضح الناشط الإعلامي، أحمد أبو عدي لـ”العربي الجديد”، أن “أبرز الأزمات الحالية بالنسبة إلى العوائل تتمثل بالحصول على الخبز يومياً، بالإضافة إلى مواد التدفئة، لكونها أموراً أساسية، ودائماً ما يكون حديث الناس في الشارع عن تأمينها. من كان يمتلك أرضاً زراعية، أو سيارة، باعها ليأكل من ثمنها، أو يرسل أحد أبنائه إلى أوروبا عبر طرق التهريب. الفقر جعل الجميع عاجزين عن التفكير، ولم ينجُ منه إلّا قلة من العوائل التي لديها معيل يقيم في الخارج، ويرسل لها مبلغاً شهرياً”.
ويرى أبو عدي أنّ “أهالي الرقة حالياً في ذروة الأزمة، فرقعة الفقر اتسعت خلال السنوات الأخيرة، وفرص العمل باتت نادرة، والمواسم الزراعية في العام الماضي لم تكن جيدة، بينما معظم سكان المنطقة يعتمدون في دخلهم على الزراعة”.