منال حميد…..نسويات.
منال حميد….في إحدى الورش المعنية بالتوثيق النسوي تعرفتُ إلى منهج السرد الشخصي وأُعجبتُ به، لكنني تساءلت: ماذا لو قوبلَ كلامي بالاستخفاف واعتُبِرَ مجرد فضفضة؟ أو اتُّهمت بأنني أُضخّم الأمور؟ تُّهمة نابعة من جندري مرة ومن تَوجُّهي كنسوية مرة أخرى. إلا أن الحاجة وحدها هي من دفعتني إلى ضرورة تبنيه، إذ كنتُ بحاجة لأكشف البُعد الذاتي في توضيح الكيفية التي تتقاطع فيها البنى الكبرى – من عنف وطبقة ونوع اجتماعي وسلطة – لتجعل حياة الناشطات النسويات تُعاش بصعوبة، وبصوت يتم خفضه كلّما عَلا من جانب السلطة نفسها ومن التشكيلات النسوية التي ننتمي إليها أيضاً.
عندما رغبتُ في الكتابة عن تجربتي وما أرجوه منها كفائدة عملية، تصورتُ أنني قد أَكشِفُ عن ضعفي في مرحلة ما، أو أن يظن الآخر أنه تمكَّنَ مني، أو أن تعتبرني العاملات في الشأن النسوي متهورة لكوني كتبتُ عن تداعيات أزمة بَثِّ الكراهية تجاههنَّ وتجاه النسوية، بينما الحملةُ ما تزال قائمة وإن لم تكن بالضراوة نفسها، ولأنّ التوقيت قد يكون غير مناسب لنقد الحركة من الداخل.
كثيرٌ من التساؤلات، لكن الإجابة التي لدي الآن تتلخص في: حرصي على المراجعة والنقد النسوي، ورغبتي في سرد تجربة غيّرت بوصلتي في النضال النسوي وطريقتي في ممارسة الحياة الاجتماعية، هما السبب في هذه الكتابة.
أحاول أن أفحص تأثير تلك الحركة التي كنتُ جزءاً منها وما علمتني عن ذاتي، وأحاول أن أُجيبَ على سؤالي وسؤال أخريات، كيف تحولت منظماتنا إلى فضاءات طاردة، ليس في أي وقت بل في وقت الأزمات؟! ولماذا تحولت لتشبه أي مؤسسة رأسمالية لا مكان فيها لمن يتعب حقاً؟ وما الذي يجعلنا نبقى ونُنَظِّم ونتَوسَّع حتى في ظل الأزمات وشح الموارد وشدة القمع؟ وما الذي يدفعنا للرحيل؟ وما هو اسم وشكل وطعم العيش في المنطقة الفاصلة بين الانسحاب والعودة، وكيف يساعدنا هذا في إعادة تعريفنا لأنفسنا كمناضلات أو تعريف علاقتنا بالنضال على أقل تقدير؟ سواء سمحوا لنا أم لم يسمحوا بتسمية أنفسنا كمناضلاتٍ ومناضلين.
الكتابة والبحث عن إطارٍ ناظم
منذ العام 2015، ومن خلال الكتابة النسوية على شكل منشوراتٍ على مواقع التواصل وفي مجلة كُلّية القانون الأسبوعية، التي أنشأتُها مع عدد من الزملاء والزميلات، وجدتُ الطريق لمطاردة معنى حياتي. صادفتُ إحدى الزميلات، وقالت بإعجاب: «أنت فيمنست؟»؛ حينها عرفتُ أن لعملي اليومي اسم، وأنه مرئي، فصرتُ أبحث بشكل ممنهج عن القراءات النسوية وبدأتُ رحلة القراءة التخصصية لتتحول الكتابة والنسوية إلى هويةٍ أُعرِّفُ نفسي من خلالها وعدسةٍ أنظر منها إلى العالم؛ بالنسوية أرى وبالكتابة أُعبِّرُ عمّا رأيت.
بسبب اهتمامي بالعمل السياسي والاحتجاجي لم أكن أتخيل أن هناك حركة نسوية ناجحة بدون تنظيم، جربت الانضمام إلى عدة مؤسسات نسوية يسارية وأخرى ليبرالية، قبل أن أتوصل إلى نتيجة أنّني أستنزفُ وقتي بلا طائل، وأنّ النموذج الذي أبحث عنه في التنظيم السياسي النسوي غير موجود، وهي ليست مشكلةَ منظمةٍ أو توجهٍ نسوي بعينه، بل إنها ذات جذرٍ أعمق من ذلك.
واصلتُ نشاطي النسوي بتقديم المشورة القانونية والدعم القانوني المجّاني للنساء، والكتابة النسوية من مقالات وأبحاث، والمشاركة في الحملات وإلقاء المحاضرات وإعداد الورش والتدريبات الميدانية. اعتقدتُ أن الخاصرة الرخوة للحركة النسوية لن تؤثر عليّ، وأن المشكلة التي تعانيها الحركة في التشظي أكبر مني، وأنّ هيمنة الأسلوب الذكوري في إدارة المؤسسات النسوية لن يتغير بمجرد اعتراضي عليه أو خروجي منها، وأنّ التعويل يمكن أن يكون على إيصال التمكين المعرفي النسوي للقواعد الشعبية من النساء. ولم أُغفِل تلك النقطة في أي عمل نسوي مارستُه. حاولتُ حصرَ مَواطن الضعف والكتابةَ عنها في كتابي الذي طرحته في نيسان (أبريل) عام 2023 بعنوان أسئلة يجب علينا طرحها كنسويات، والذي تحوَّلَ بالكامل إلى تُّهمة ووصمة لاحقاً.
الحلبة الرومانية
اختارت السلطة العراقية العام 2023 ليكون العام الذي تدعي فيه المفاجأة بالأعمال التي نفذتها وأدارتها والتي كانت تتضمّنُ استخدامَ مصطلح «الجندر»، سواء في خطط أو مشاريع أو تقارير على مرأى ومسمع قوى الإسلام السياسي الشيعي، لتضرب الحركة النسوية والحراك الكويري والنشاط الاحتجاجي للنساء الذي كان آخره في انتفاضة تشرين 2019 بحجر واحد، إذ أصدرت جملة من التعليمات والقرارات التي تمنع تداول مصطلح الجندر، وهو المصطلح الذي سبقَ أن استُخدِمَ في مؤسساتها وخططها التنموية، وصادقت على الاتفاقيات التي تتضمنه، وأنشأت بسببه دوائر لتمكين المرأة مرتبطة برئاسة الوزراء، وعقدت بشأنه مئات الورش والتدريبات بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني، التي فوجئت بوجودها أيضاً على الرغم من حيازتها لتصاريح عمل استُخرِجَت من دائرة رئاسة الوزراء، لتتّهمها بالعمالة للخارج وتخريب المجتمع وحَلِّ أُسره. هذا السلوك بمجمله بدا رضوخاً لحملةٍ شعبوية واسعة، اتخذت من مناهضة الجندر و«الانحراف» عنواناً عريضاً لها.
أُطلِقَت «حملة مناهضة الجندر» من جهات ميليشياوية أَغرقت الفضاء الرقمي بالترهيب والتهديد والابتزاز لشخصيات فاعلة في المجتمع المدني، ممّن شاركوا في احتجاجات عام 2019 بشكل عام والنسويات منهم بشكل خاص على اختلاف مستويات نشاطهنّ، فخلقت موجة هلع شعبي تجاه مصطلح الجندر ليتحول إلى تُّهمة تحمل شعبياً معنى اشتهاء الأطفال والاتجار بالبشر والمثلية أو (الشذوذ) بحسب تعبيرهم، ووَصموا بالانحراف كل من يستخدم المصطلح في ورشة أو جلسة أو مقال أو مؤتمر أو أي نشاط فكري أو ميداني آخر.
تأسَّست لاحقاً قنوات تليغرام ومجموعات فيسبوك تنتهج أسلوب (التحفيل) على شخصية معينة لمدة تتراوح من يومين إلى ستة أيام تقريباً، يجري خلالها انتهاك خصوصية المعني-ة من صور ومقاطع فيديو منشورة وغير منشورة لعرضها للناس على أنّها دليل إدانة، ثم استخدام أيّ كلمة أو نص له واقتطاعه من سياقه الأصلي وعرضه للناس، مضافاً إلى كل المنشورات التي سبق أن كتبها أو شاركها أو علَّقَ عليها في مواقع التواصل كدليلٍ على «العمالة» أو «الانحراف»، بهدف حرق المُستهدَف-ة اجتماعياً وكمّ صوته-ا إلى درجة لا تسمح له-ا بالرد أو الظهور في أي وسيلة إعلامية للدفاع عن نفسه-ا.
معظم من تعرضوا وتعرضنّ لهذا الإرهاب أَغلقوا وأغلقنَ حساباتهم-نّ على مواقع التواصل، وأوقفوا نشاطاتهم المجتمعية، ومنهم من سافر واختار وجهاتٍ غير معلنة لفترة مؤقتة. كلّ ذلك في ظل صمت حكومي مطبق وتقاعس عن حماية ضحايا الحملة، بل على العكس لعبت الحكومة دوراً مُسانداً للحملة بإصدار تعليماتٍ وقوانينَ تحظر استخدام المصطلح في الدوائر والورش والتدريبات، وحتى في الرسائل والأطروحات العلمية.
امتدت الحملة زمنياً وتوسَّعت لتشمل نواب برلمان وقادة سياسيين، هم أصلاً من الأحزاب الإسلامية الشيعية، إذ استُخدمِتَ كأداة للإحراق السياسي، وصار كل شخص منهم سبقَ له استخدام تلك المفردة، أو حضر نشاطاً تحت عنوان يتضمّنها، أو سبق أن تواجدَ مع أشخاص آخرين تم وصمهم بسبب مصطلح الجندر، مداناً هو أيضاً. صارت صورهم إلى جانب صور الناشطين، والناشطات تحديداً، تُتداوَلُ في مواقع التواصل مختومة بختم أحمر يحمل كلمة مرفوض أو «جندر»، في ظل شَللٍ للمواد القانونية الحامية للحق في التعبير وإبداء الرأي والضامنة لمحاسبة خطابات الكراهية، وكأنها لم تكن، وكأنه لا وجود لسلطةٍ تحمي مواطنيها، بل هي محض غابة تشهد عِراكاً همجياً.
هنا، بدأنا نسمع كلمات تتحول إلى تهم على المستوى الشعبي من قبيل (جندر، جنادير، جواكر، أبناء السفارات، بيدوفيليا، عاهراتك يا وطن، منحرف، منحرفة)، والقائمة تطول.
في منتصف نيسان (إبريل) عام 2024 قررت تلك المجموعات اختياري للتحفيل عَلَيّ. كنتُ في العمل عندما اتصلتْ بي مسؤولة مشروع في إحدى المنظمات النسوية التي سبق أن تعاونتُ معها، تسألني بكل قلق وتَرقُّب كيف قضيت ليلة البارحة، أجبتها ببرود: «مع طفلي بعد 7 ساعات عمل، لعبنا ثم نمنا!». عرفتُ منها أنني كنت على مدار الليلة السابقة موضوعاً لبثِّ التحريض والكراهية، إثرَ آخر ندوة قَدَّمتُها في محافظة النجف حول تعديل مواد الحضانة واستبدالها بمواد مُختلَف عليها من الفقه الجعفري. وصفتني الحملة بأنني دخيلة على المدينة، وقالت إنه يجب ألا يُسمَح لي أهلها بممارسة العمل النسوي، وأنني أتبنى أفكاراً منحرفة ومثلية أتقاضى أجراً بالدولار مقابل بثِّها بين أوساط المجتمع المسلم الشيعي، وأنني ضد دولة المهدي. قرأوا تلك المقالات كما يتمنى أي كاتب أن تُقرأ أعماله من حيث الدقة، مع فارق سوء النيّة المتعمّد. في مقالٍ أُذكِّرُ فيه العتبات الدينية المقدسة، بالأدلة والتواريخ، بعملها في مجال الجندر مع منظمات المجتمع المدني بما يتناقض مع شيطنتها له الآن، تم اقتطاع أكثر من فقرة منه في سياق تصويري كمُنحرِفة أستحق النبذ، مع أنه مقالٌ لو قُرِأ بالكامل فإنه سيُدينهم هم.
في العمل لم أكن أملك الوقت الكافي لمراجعة منشورات مطولة ومبثوثة على مدار ليلة كاملة. حاولتُ تسطيح المشكلة والانغماس في عملي حتى توالت الاتصالات من أصدقاء لا علاقة لهم بالنشاط النسوي أو المدني يطمئنون عَلَيّ فقلت: «هو شكو؟ شنو صار حتى تطمنون عليا». آخرون عرضوا خدمات الدعم القانوني، وغيرهم من المقيمين في الشتات اقترحوا عَلَيَّ قطع تذكرة لمغادرة البلاد وحذَّروني من التساهل مع الأمر (منال لهنا وكافي عندج طفل).
هنا تشكلت لدي لحظة إدراك أن الأمر جديٌ بالكامل، تناولتُ جوالي وأغلقتُ حساباتي على مواقع التواصل خشية اختراقها أو محاولة إساءة استخدام الصور والمنشورات كما حصل مع الأخريات، وحاولتُ إسكاتَ قلقي من إمكانية استخدام هذه التُّهم لسحب حضانة طفلي مني. طلبتُ والدي الذي يرعى طفلي في غيابي: «بابا لا تفتح الباب لأي أحد بين ما أرجع»، فأثرتُ خوفه وقلقه عليّ بشكل أكبر دون قصد.
بِتُّ أكثرَ حذراً في استخدام المواصلات العامة، فهذه الحملات شعبوية وجمهورها قطّاع واسع من الشريحة المتدينة من الناس، تستنفر حماسهم لنصرة الدين والمذهب. حاول والدي ذو التوجهات اليسارية طَمأنتي والتأكيد أن حدودهم لا تتجاوز مساحة الحملة على الفضاء الرقمي، وأن الغرض واضح: فرض الإخراس القسري على عمل المحاضرات والندوات والكتابة. وفعلاً تأكَّدَ قوله عندما ظهرت منشورات لاحقاً يقولون فيها: «بدل ما تحذف مقالاتها راحت سدَّت حساباتها وسكتت».
التنظيم النسوي كأزمة
بعد العام 2003 بدا وكأنّ الحركة النسوية حصرت نفسها في قالب واحد على شكل منظمات أو مشاريع نسوية ضمن منظمات، ذات مصدر شبه أحادي للتمويل، هابط من الأعلى من مانحٍ خارجي أو من حزب سياسي، وتهبط معه الأجندة المُقترَحة للعمل. وفي الغالب لا تتضمن هذه الأجندة أولويات القاعدة الجماهيرية من النساء، وتُدَار بالطريقة التقليدية المألوفة منذ قرن (وهي الطريقة الهرمية التي تضمن بقاء العضوات الأكبر سناً وذوات الأقدمية في قمة الهرم)، بكل الحذر المتوارث من قمعية نظام الحزب الواحد السابق، في ظلّ بيروقراطية على شكل مجموعات واجتماعات، ترى أن من لم تكتوِ بنار السلطة ليست مناضلة مثلهن، فالنضال الذي يخلو من الخسارات غير مقبول ولا مألوف، وهي الفكرة التي تم تمريرها إلى الناشطات اللواتي تعرّضنَ لخطاب الكراهية أو التهديد، ومنهنَّ من استسلمت لذلك التفكير واعتقدت أنها ليست نسوية فقط لأنها لم تحتمل خطاب التحريض أو التهديد وانسحبت لتلتقط أنفاسها، فتلقفَّها الشعور بالإحباط والعزلة واللاجدوى.
لم يكن للمنظمة التي أعمل لديها، ولا لتلك التي تعاونتُ معها في المحاضرات الخاصة بتعديل قانون الحضانة – والتي استُخدِمت صور ملتقطة منها في خطاب الكراهية والتحريض هذا – أي دور يذكر، ولم أرَ محاولات للدفاع عن عضوة تمتد عضويتها لسنوات، سوى الرغبة في إعادة نشر كتابي المُشيِّطَن من قبل الحملة التي لم يكن مُطلِقوها على اطلاع بمحتواه، فكيف سيكون الحال إذا مددناهم بمزيد من المواد للوّكها، في ظل نار متأججة تطالب بالمزيد من الحطب أكثر مما هو متاح من مقالات ومنشورات؟ لم يكُن الكتاب لم يكن مطروحاً بنسخةٍ عمومية، بل وُزِّعَ بنُسَخٍ خاصة للنسويات والناشطات المهتمات بتنمية الحراك النسوي العراقي.
أبديتُ اعتراضي على ردة الفعل وعلى سياستهم تجاه ما تعرضتُ له، وكان جوابهم أنّ خطاب الكراهية الذي تعرضتُ له كان منصباً على مقالات لم تُكتَب لهم، وأن إلقائي لمحاضرات وجاهية بدلاً عن صيغة أونلاين هو قرارى وعَلَيَّ وحدي تحمل نتيجة هذا القرار. تابعتُ ردة فعل المنظمات النسوية التي عملتُ معها فوجدتُ أن معظمها تلتزم الصمت وتتحدث في دوائرها المغلقة، وهذا هو ما أثار غضبي. حولوا عملي النسوي إلى ذنب، واعتبروا التضامن معي مشروطاً بالعمل لهم أو معهم. حتى أنّ آخر محاضرة ألقيتُها قبل الحملة كانت بتعاون مع منظمتين التزمتَا الصمت المطبق، ولم تدافعا عني حتى ببيان تستنكران فيه ما حدث.
تجاهلتُ الخطاب التحريضي والكاره وعشتُ في حالة من اللامبالاة المريحة بدعم من والدي، وغيرتُ الطريق ووسيلة المواصلات إلى العمل، وعرفتُ من خلال خطابهم أنهم يجهلون موقعي فشعرتُ براحة أكبر، وواصلتُ الكتابة تحت اسم مستعار.
لم يكن كل هذا قادراً على إثارة استيائي بقدر ما أغضبني برود تلك المنظمات، والذي تبيَّنَ لي لاحقاً أنني لست وحدي ضحيته، فغالبية من التقيتُ بهنَّ من النسويات اللواتي شملتهنّ تلك الحملة بعد قرابة العام منها، واجهنَ الموقف نفسه من منظماتهنّ، تحت أعذار مختلفة من قبيل (هي حملة ضد الجميع نحمي مَن ونترك مَن؟ هل لدينا إمكانياتهم التكنولوجية حتى نواجههم؟ رئيسة المنظمة شخصياً مهددة وليس أنت فقط ؟).
قررتُ حينها الانسحاب من كل شيء بما يشمل المشروعات الكتابية، بعد أن لمستُ مزاجاً عاماً مُطبِّعاً مع العنف في دوائر ومؤسسات معنية، وكأنه ضريبة طبيعية للنضال النسوي بدل أن يُنظَرَ له كخطر يستحق التضامن، وبعد أن أدركتُ وجود فجوةٍ واضحة بين ما تشعر به الناشطات الواقعات تحت تهديد أو خطاب كراهية (بغض النظر عن الوصف الحرفي للفعل) وبين إدارات المنظمات، من العاملات والعاملين خلف مكاتبهم-ن وبامتيازاتهم-ن من جوازات سفر مزدوجة أو سيارات شخصية قادرة أن تقلهم مع عوائلهم على الفور في ظل أي تصعيد، أو تنفيذ لتهديد، ناهيك عن المقدرة المالية للسفر أو تغيير عنوان السكن.
حاولت العضوات الأخريات التواصل معي ودعمي، مُعتبِرات أن ما تفعله المنظمة شر لا بدَّ منه فهذه هي الإدارة، وكانت هذه الطبيعة الاستسلامية مُستفزَّةً في حد ذاتها، في مجال هو في الأصل متمرد ومزعج للسلطة نفسها بمفاهيمها الكبرى من هيمنة ونظام أبوي أو رأسمالي، فما فائدة نضالنا نحو نظام اجتماعي وسياسي عادل بينما تنظيماتنا تُدَار بالأساليب الذكورية والقمعية والهرمية نفسها التي نرفضها؟
اعتبروا الانسحاب الناتج عن «فراغ الفعل» الذي تسبّبوا به إزعاجاً لـ«أجواء النقد»، بينما فعلهم لم يكن ينم إلا عن نفي وتصغير لمخاوف تلك الناشطات تحت حجة: «لن يجدن طريقاً نضالياً مُعبَّداً بالورد وعليهنَّ التحمُّل»، بل أنكروا الخطر نفسه بقولهم: «هذه ليست تهديدات هذا مجرد خطاب كراهية»، معتقدين أنهم بذلك نفوا الجريمة أو خفَّفوا أثرها بتغيير وصفها.
استطاعت الحملة أن تكون مرآة كاشفة لسيرورة تَحوُّل خطاب الكراهية والتحريض إلى مشكلة فردية، وإغراقها بثقافة لومٍ للناشطة نفسها لأنها توقعت تضامناً أو أختية نسوية من منظمات تُفضِّل البيروقراطية الباردة في ظل الأزمات الواضحة. أستطيعُ حتى فهمَ امتناع الغالبية عن التضامن مع الشخص الذي يتم التحفيل عليه لأنه بمثابة دعوة للانقضاض على المُتضامن أيضاً، فيكون هو الشخصَ التالي في حفلة السعار تلك ليربطوا اسمه بالحراك الكويري، أو يقال عنه «ألوان» كأسهل تهمة؛ لكن هذه العواقب عادة ما تمسُّ الأفراد أكثر من التكتلات أو المجموعات أو الروابط والمنظمات الفاعلة في الشأن النسوي. ربما كان سقف توقعاتي عالياً حول التضامن غير المشروط والأختية النسوية، في ظل حراك لا يزال محصوراً في قالب مُنظمَّاتي بهياكلَ هرمية، يدار بأساليب أبوية غير مستجيبة ولا تُقدِّمُ بيئات آمنة وبديلة لأعضائها في أوقات الأزمات.
ارتبط اسمي الثلاثي بالنسوية في مدينة يعرف نَاسُها بعضهم بعضاً بقوة إلى درجة لم أستطع معها فَكَّهُما، فخسرتُ عملي بعد أيام من الحملة لأسباب تافهة عملياً، ثم واجهتُ الرفض في كل الشركات والمؤسسات الأخرى التي تقدّمتُ للعمل فيها. حاولتُ استخدام اسمي الأول مع اللقب فلم يُفِد كثيراً، وفي كل المقابلات التي أجريتها كانوا يسألونني عن عملي وأفكاري النسوية وطبيعة الأموال التي كنتُ أتقاضاها وكأنني في تحقيق مفتوح، في ظل تضليل الحملة الذي ركَّزَ على أن أموال المنظمات النسوية بالدولارات بسبب العمالة للخارج. حاولتُ استخدام الاسم الأول مع لقب العشيرة الأم التي تنتمي إليها عشيرتي، لكن وجهي المعروف صار هو العائق. تم رفضي في قطاع السيارات بالكامل، وعرفت لاحقاً أن ذلك بسبب التوصيات التي قدّمها مدير الشركة التي كنتُ أعمل فيها لبقية الشركات، وهو قطاع صغير في النجف، بدعوى أنني «نسوية منحرفة وتعبوية».
المكان الثالث
استسلمتُ للبطالة القسرية وانكفأتُ في البيت، عمدتُ إلى ترتيب عالمي وأولوياتي، وكما الأخريات اللواتي تعرضنَ لهذه الخطابات فقدت الثقة بأفراد النشاط النسوي سواء كان سياسياً أو حقوقياً أو مجتمعياً، كتابياً كان أو ميدانياً، وتدريجياً توقفتُ عن الكتابة حتى تحت اسم مستعار، مرة لأن الضغط النفسي لم يسمح لي بكتابة فقرة واحدة ومرة لأن المنصّات العراقية صارت تتهيب إصدار مواد تخصُّ الشأن النسوي بوضوح وراديكالية كما في السابق. فقدانُ القدرة على الكتابة يوازي عدم الإعلان عن وجودي واحتجاجي على كل ما حدث لي أو لغيري. أودعتُ حاسوبي أدراجَ المكتب وواصلتُ حياتي اليومية بدون الكتابة، خلتُ أنها الطريقة الأمثل للتشافي من كل الخيبة والخذلان الذي تعرضت له، لكني لم أكن على حق. فبعد شهور من العزوف عن الكتابة ساءت حالتي النفسية ولم ينقذني سوى الكتابة، بها عرفتُ أن مهلة تواجدي في المكان الثالث بين النضال والانسحاب منه قد انتهت، وأنه حان وقت الاستئناف. وبمجرد العودة للكتابة، استعدتُني.
لم يكن الانسحاب هروباً، بل كشفاً لخللٍ أكبر في البيئة التنظيمية، خللٍ كان بحاجة إلى إعصار كالذي حدث حتى تتم مراجعته لتلافيه في أقرب وقت بعد تذوق مرارة غيابه، كمحاولة لاستيعاب بعضنا بعضاً في ظل الأزمات، لنبدو على الأقل ولو ظاهرياً جبهة متماسكة أمام قوى ظلامية.
مساحة الانسحاب تلك، التي صمَّمتُها لنفسي والتي ظهرت كخيار مشروعٍ وواقعيٍّ في ظل الضعف التنظيمي، مَنحتني القدرة على أعادة التفكير في تعريفنا للنضال نفسه، وعندما قابلتُ نسويات أخريات ممّن كُنَّ ضحايا لتلك الحملة وضحايا لتخلي منظماتهن عنهن، كان السؤال المشترك: «من يقرر مَن يبقى ومَن يرحل؟»، وكان سؤالي أنا: «كيف نستطيع بناء حركة تستوعب التعب والضعف كجزء من المسار لا كسبب للإقصاء؟»؛ حركة لا يملك أيٌّ من شخوصها صلاحية منح أو سحب وصف مناضل-ة من موقع أعلى كمن يُعيِّنُ أو يُقيلُ موظفاً في شركة.
الانسحاب فعلٌ لا بدَّ منه ولو لمرة واحدة في حياة أي حامل-ة لقضية، ولا يُمثل نهاية النضال بل بداية للنقد والمراجعة ومحو ما يجب محوه، والكتابة تبقى وسيلة لإعادة الوصل، للإعلان الهادئ بأن ما حدث ليس بالسوء الذي نتصوره، وأنه ربما يكون نافذة لفهم أنفسنا، لاختبار صلابة أو هشاشة حِراكاتنا، لاختبار جديّة ما نصدح به في كل مَحفَل وقد ينهار عند أول اختبار فعلي على الأرض، للمواصلة بنسخة أفضل يمكنها أن تُقرِّبَنا من أهدافنا بتحقيق حياة عادلة…..المصدر. الجمهورية .نت