في مثل هذه الأيام من عام 2012، كنت ملقى في زنزانة ضيقة في إدارة أمن الدولة، كان رقمها «المنفردة رقم ٣». نُقلت إليها بعد جولة على فرعين أمنيين، من بينهما فرع الخطيب، حيث كنت مكدّسًا مع أكثر من مئة وخمسين معتقلًا، من مختلف المناطق والمدن السورية، مكدّسين فوق بعضنا بعضًا، نتبادل أنيننا وألمنا، لكن أيضًا أملنا في أن الثورة التي كانت قد انطلقت قبل عام سوف تحطم جدران الزنازين، وتجلب الحرية التي كنا نحلم بها.
كنت قد فقدت اسمي، وصار السجانون ينادونني «منفردة 3» كلما اقتادوني للتحقيق. لم يكن الاعتقال جديدًا عليّ؛ فقد سبق لي أن استُدعيت في مرتين سابقتين إلى فروع أمنية، وفي سنوات مختلفة، وكنت في كل مرة أُسأل عن شيء قلته مثلًا، أو مقالة كتبتها، وكانوا يُبقونني يومًا أو ليلة ثم يطلقون سراحي. لكن هذه المرة كان التحقيق مختلفًا، والاتهامات مختلفة تمامًا؛ فقد وُجّهت إليّ تهمة التآمر لقلب نظام الحكم، والمشاركة في المؤامرة التي تتعرض لها سوريا، والإساءة إلى الجيش والقوات المسلحة، والمساهمة في تسليح المجموعات الإرهابية—هكذا حرفيًا. والحقيقة أن هذه الاتهامات كلها كانت باطلة ولا أصل لها، وإلا لما كنت رأيت النور بعدها. وكل ما في الأمر أن مسؤولًا كبيرًا في وزارة الإعلام آنذاك أراد التخلص مني، فاعتُقلت من داخل الوزارة حيث كنت أعمل. وكنت قد فكرت، بعد سقوط النظام، بأن أقاضيه، لكنني، وأنا أرى مسار العدالة الانتقالية في سوريا، صار لديّ اقتناع بأن ملاحقتي القضائية له لن تؤتي نتيجة. وها أنا أترك الأمر للزمن، لعله يكون كفيلًا بمحاسبته.
خلال فترة مكوثي في زنزانتي المظلمة، التي استمرت شهرًا ونيف، قبل أن أُنقل بعدها إلى مهجع جماعي، أتيحت لي الفرصة لأفكر كثيرًا. ليس مجديًا الحديث عن التعذيب والإساءات التي تعرضت لها؛ فقد أُشبع هذا الموضوع بحثًا، وصار الناس كلهم يعرفون التفاصيل الوحشية التي مورست على السوريين على مدى عقود. لكن تفكيري الطويل قادني إلى جملة قالها لي أبي، رحمه الله، حين بدأت تظهر عليّ علامات الاهتمام بالسياسة. قال لي وقتها: «هذا نظام تافه، ولا يستحق أن يعارضه الإنسان، لأنه لا يفهم معنى السياسة؛ فهو يريد أن يكون الناس كلهم على شاكلته وخاضعين له، والدول لا تُدار بالخضوع». وكان أبي، الذي كان سياسيًا قبل انقلاب الدكتاتور الأب، قد اعتزل السياسة، وتقبّل الهزيمة، وصار يستمع إلى الأخبار ليعرف ماذا يجري في العالم من حوله فقط، شأنه شأن ملايين السوريين.
بعد سقوط النظام البائد، بدا أن السياسة تعود شيئًا فشيئًا إلى حياة السوريين؛ السياسة بمعناها الحقيقي، لا بمعناها الثوري الذي اختبرناه خلال سنوات الثورة. فعادت الأحاديث السياسية لتشغل الفضاء العام، ورغم أن الرئيس الشرع قد أصدر قرارًا بحلّ كافة الأحزاب السياسية، فإن ذلك لم يمنع السوريين من الحديث في السياسة، منفردين أو في جماعات. وتحتل النقاشات السياسية حيزًا لا بأس به من برامج قنوات التلفزيون التي تبث من سوريا، أو الصحف التي تصدر هناك، رغم أنها قليلة جدًا، للأسف، وما تزال أقل من حاجة المناخ الإعلامي السوري. وهذا مردّه أسباب كثيرة، ربما لست في وارد مناقشتها، لكن أبرزها، كما يُقال، أن وزارة الإعلام تتحفظ على منح تصاريح لبعض الصحف والمواقع الإلكترونية والإذاعات التي تقدمت بطلبات للعمل. ولا أدري ما إذا كانت ثمة قنوات تلفزيونية قادمة في الطريق أم لا.
النظام الحقيقي فقط هو النظام الذي يقبل بوجود معارضة له، لأن الدول لا تُبنى بالخضوع أبدًا.
وفي هذا الجو المشحون بالسياسة، تقف السلطة مطمئنة، حتى الآن، وقد تشكلت طبقة من المدافعين عنها، تواجه بضراوة أولئك الذين يهاجمونها. وهم يهاجمون ولا يعارضون؛ إذ يبدو أن أبجديات العمل السياسي في سوريا ما تزال في حالة ثورية غاضبة، مشحونة بالرفض، تستند في بعض ما تهاجم به السلطة إلى حوادث متفرقة، تحاول من خلالها تشكيل صورة كاملة لتقول إن هذه السلطة سلطة مستبدة، واستطرادًا فهي لا تختلف كثيرًا عن السلطة التي أزاحتها. ورغم أن هذا الكلام قد يحمل مبالغة واضحة، فإن السماح لأي سلطة بأن تراكم الأخطاء من دون محاسبتها سيجعل تلك الأخطاء تبدو وكأنها أمر مقبول، خاصة إذا وجدت جمهورًا يدافع عنها، ويعتبر أن قول «لا» قد يعني هدم كيان لم تتح له الفرصة ليتشكل أصلًا.
ولكن لماذا علينا أن نقول «نعم» إذا كانت «لا» ممكنة ومتاحة؟ ولطالما كرهت بيت الفرزدق: «ما قال لا قط إلا في تشهده، لولا التشهد كانت لاءه نعم».
إذ يبدو، ورغم كل ما يُقال، أن الحكومة السورية منفتحة على الاستماع إلى رأي يعارضها. ولا ندري ما إذا كانت ستكون منفتحة على إصدار قانون أحزاب يرضي جوع السوريين إلى السياسة وحاجتهم إليها. ما زلنا ننتظر اكتمال نصاب مجلس الشعب العتيد، لنرى إلى أين سوف تسير الأمور.
أخيرًا، سأعود إلى ما قاله أبي: فالنظام الحقيقي فقط هو النظام الذي يقبل بوجود معارضة له، لأن الدول لا تُبنى بالخضوع أبدًا. ونعم، نريد أن نعارض السلطة، ولكننا لا نريد أن يكون مصيرنا منفردة مظلمة باردة، ولا حادثة فردية تُسجَّل ضد مجهول.
تلفزيون سوريا
