تتّكئ رواية “بخلاف ما سَبَق، لا شيء تجدر الإشارة إليه” لـفْرانْشِسْكا فالِنْتِه المترجَمة مِنْ طَرَفِ نجلاء والي، (صادرة عن دار المتوسّط، 2025)، على رزنامة تقارير طبّيّة، لدفاتر مَرضى مصحّة نفسيّة، في ماوْريتْسيانو في تورينو، مؤرَّخة في الفترة ما بين 1980 و1984، وهي السّنوات نفسها الّتي اشتغل فيها الطّبيب لوتْشانو سورنتينو في قسم التّشخيص والعلاج النّفسيّين. احتفظ هذا الطّبيب بالدّفاتر ثلاثين سنة، إلى أنْ آنَ أوانُ عرْضها على الرّوائيّة فْرانْشِسْكا فالِنْتِه، كمُقترح عمليّ لتحوّل مادّتها إلى نصّ روائيّ، فجمعتْهما جلسات مطوّلة، لأشْهُر، بغية الإحاطة بمشروع العمل السّرديّ، المؤسَّس على تجارب هؤلاء النُّزَلاء. وهي الأشْهُر الّتي عقِبَت إغلاق المصحّات العقليّة في إيطاليا بقرار صادر عام 1978، بإيعاز مِن الطّبيب النّفسي فرانكو بازاليا، وشكّل ذلك مُنعطفًا ثوريًّا لصالح إنسانيّة المريض النّفسيّ، بإخراجه مِن إهاب السّجن الضّيّق، المغلق، كمحجور عليه، إلى فضاء مفتوح ينتصر لقيمته كإنسان، مع ضمان حقوقه، ومنها قراره الشّخصيّ، بأن يوافق على العلاج أو يرفضه، وضمن ذلك جملة أساليب التّعامل معه، خارج أنماط الاحتجاز والعنف، والانسلاخ بذلك مِن قسريّة وإجباريّة المؤسّسة الطّبّيّة، مع توفير شروط اجتماعيّة حميمة لوضعه المتغيّر. استنادًا إلى هذه السّجلّات، الحافلة بمدوّنات حالات المَرضى، تقارير كانت أو ملاحظات تلغرافيّة، مع ما خطّهُ الممرّضون مِن شكاوى أيضًا، مِن جهة أولى، وكذلك استنادًا إلى محادثات الكاتبة مع الطّبيب “سورنتينو”، رؤاه ومعايشاته لحيوات هؤلاء، عن كثب، مِن مسافة حميمة، وليست مهنيّة وحسب، نسجت الرّوائيّة نصًّا سرديًّا متعدّدًا، ناهضًا على قصص مَرضى مصحّة “ماوْريتْسيانو” في تورينو، وهم على التّوالي:
“بِتْري”: مولوع بالسّياقة المجنونة، تعتريه نوبات مِن البكاء، خوفًا مِن عدَم التّعافي، وهو يعاني دوارًا دائمًا.
“دبرناري”: عنيف ومتوحّش، أنارْكِي الشّخصيّة، يتفرّد بوجه بالغ الرّقّة والوَداعة، يمتلك سحنة حيوان برّيّ، يتناهى إلى مسامعه صوت صافرات الميناء، متخيِّلًا الماء أخْضر رغويًّا باستمرار، وهو دائم الشّغَب في خلْق المشكلات في حجرات المَرضى. وقد تجاسر على الذّهاب يومًا إلى حديقة الحيوان، وتهوّر في مواجهة نمر مباشرة، بغية أن يثبت ذاته في صراع مع الآخَر، حيوانًا هذه المرّة، وكانت لذلك عواقب وخِيمة.
“ليبْرا”: كانت خادمة في منزل السّيّد “بورجزه”، منذ تَرَمّل، ترعى طفليْه وتقوم بأعمال المطبخ، فضلًا عن اصطحاب الطّفلين إلى المدرسة، والقيام بالحسابات. تعاني افتقار الإحساس بالزّمن، واكتئابًا حادًّا إلى درجة البكاء الصّارخ في الأمكنة العامّة، والسّبب فقدان طفلها بعد الولادة، ومضاعفات الفقد المأساويّ ما تعانيه بتوتّر فادح.
“سالفاتوره”: مِن ضحايا مصنع “فيات”، المسمّاة شركة “غراندي موتوري”، يعيش حالة استرجاع دائمة، لحياته السّابقة متخيّلًا نفسه سائق درّاجة ناريّة، كما كان يفعل في المصنع آنِفًا، وحالته الانشطاريّة تتأرْجحُ بين ضياع الوظيفة، واضطراب الذّاكرة المُزمِن.
“الإسكافيّ”: مِن المشاركين في الحرب العالمية الثّانية، وقد تعلّم إصلاح الأحذية في “فيلْلا إتزُورا” (مصحّة الأطفال النّفسيّة).
“فرانْشيزه”: الممتشِق لمطرقتين أنّى اعترته نوبة غضب.
“أوجْنيا” و”إدوارْدُو”: وحكاية العلاقة الحميمة فيما بينهما داخل المصحّة.
“ميرْنا”: تعاني ألم الذّاكرة، مع استحالة اقتلاع أثَر والدها مِن تفكيرها، وهي عاجزة تمامًا عن تشييد مناعة ذاتيّة ضد كابوس ذكرياتها السّوداويّة.
“ألْما”: تتكبّد معاناة فقدانها لزوجها، وعلاقتها بالآخرين هشّة، مع تَنامي الخوف، الرّهاب، في التّواصل مع الكلّ، وهي لذلك منعزلة.
وقِس على ذلك حكايات متعاقبة انشطاريّة لكلّ مِن “مانْفريدُو” العملاق الذي يخاف مِن ظِلّه، و”بارتولومْيو” العارف بجميع أنواع التّوابل ومَرْجعه في ذلك كتاب جدّه “تاريخ البهارات والأعشاب المفيدة ووصفات الشّرق الأقصى الأخرى المستخدمة في الطّبّ” والنّاس في اعتقاده مثل عشيرة النّباتات هذه. ثمّ “كارلو” الّذي تختم به الرّواية متنها السّرديّ، في فصل مستقلّ ينقسم إلى سبعة مقاطع، تستهلّها الرّوائيّة بشذرة لافتة، هي مِن خطابات الممثّل المشوّش “كارلو” نفسه: “الحياة، تتحدّث عن الحياة، حياة الممثّل، أيّها الجمهور الوغد، أنت تعرف جيّدًا أين تنتهي خشبة المسرح، أمّا أنا، فلا!”. والتّمثيل بالنّسبة لـ”كارلو” نمط وجود أكثر منه مهنة، سيتعرّض لحادثة تُقعده على كرسيّ، وحياته واقعًا كانت تتلبّس باستيهامات عروضه المسرحيّة، في غموض كاسح، لا يستطيع الفصْل بين قناع الممثّل، ووجهه الشّخصيّ، غالبًا ما يخلط حوارات شكسبير وبينتر وبريخت وبيكيت وبوشْنر بحواراته الذّاتيّة المصطنعة، في مزيج انفصاميّ، يغدو فيه عالمه الحقيقيّ هو المسرح نفسه. ومع أنّ القصص واقعيّة لهؤلاء المَرضى، إلّا أنّ الكاتبة لم تُسمِّهم بأسمائهم الحقيقيّة، واختارت أن تُطلق عليهم أسماء مِن وحي مخيّلتها، مستثنية في ذلك، أربعة أشخاص، حافظت على أمانة أسمائهم، وعملهم، هم: الطّبيب النّفسي لوتْشانو سورنتينو، والممرّض إميلْيو تورنيور، والممثّل كارلو كولنكاني، والمخرج دانييل سكره. بهذه الوتيرة الهذيانيّة، تمضي الرّواية في ترسيخ إيقاع مضطرب يتطابق مع تشوّش نفسيّة الشّخصيّات، وإذ تتمثّل حالات المَرضى عالم المختلّين، فبالمقابل لا يخلو عالم المتوازنِين الّذين يتمثّلهم الطّبيب والممرّضون مِن شبهات، فهؤلاء أنفسهم، يوارون هشاشة تتبايَن صورها الإنسانيّة في تأرجُح بين الحدّ الطّبيعي والحدّ المنشطِر.
وفي المحصّلة عالم العقلاء هو الآخَر غير محصّن ضدّ هذا التّشوّش، ضد عدوى المَرض ذاته. تسلك الرّواية مَسلكًا متعدّدًا في مستويات أصواتها، بالنّظر إلى تعدّد الشّخصيّات، وتشظّي تجاربها الإنسانيّة، واقعيّة وتخييليّة في آن، ويحتكم إيقاع السّرد إلى مقاطع مُكثّفة، تبدو مفكّكة على مقاس تفكّك الذّوات لشخصيّاتها داخليًّا، وكان مِن الطّبيعي أن تتغيّر نغمة اللّغات- اللّهجات مِن حالة إلى أخرى، بحسب أشكال تفكير الشّخصيّات، وانحدارهم الاجتماعيّ المتفاوت، فضلًا عن تكوينهم المعرفيّ والثّقافيّ واللّغويّ نفسه.
وقد اعتمدت الرّواية توظيف التّقارير الطّبّيّة كخلفيّة واقعيّة أسبغت روح الصّدق على مادّتها الإنسانيّة مِن جهة، ومِن جهة لم تقف عند حدود واقعيّتها، بجُنوحها نحو تخييل ملازِم لقصص هؤلاء في يوميّات المصحّة المحتدمة، فيما سار منحى هذه التّجارب إلى نهاية مفتوحة، كان مبتدؤها هو حالة “بِتْري”، ومختتمها هو حالة “كارلو”.
“بخلاف ما سَبَق، لا شيء تجدر الإشارة إليه” هي العبارة الّتي تتردّد في الرّواية، أكثر مِن مرّة، كلازمة، وهي ما يختتِم به الممرّضون تقاريرهم اليوميّة، مثل: “غادرت السّيّدة دالْماسو ليبْرا المستشفى للإقامة في بنسيون، يرافقها العاملون في شارع بيفيتي. السّيّدة فيتالي ترفض بشدّة فحص العيْن الصّباحيّ. بخلاف ما سَبَق، لا شيء تجدر الإشارة إليه”. وبقدر ما تدمغ هذه العبارة قصاصات التّقارير، فيما يشبه توقيعًا، نجحت الرّواية في انتخابها كعنوان لها، يضمر سخرية سوداء، كما تنوء حمولتها بشعريّة موازية. بالسّرد المتقطّع توسّلت الرّواية بناء صرْحها الحكائيّ تماهيًا مع انشطار عالم المَرضى الدّاخليّ، وبقصاصات التّقارير شيّدت فسيفساء تخييلها المُتباين كجُزر داخل أرخبيل، ومثلما تتكدّس الكثير مِن الحكايات غير المعلنة وراء العبارة الاختزاليّة “بخلاف ما سَبَق، لا شيء تجدر الإشارة إليه”، تتكدّس أيضًا الكثير مِن التّجارب المدوّية، ما بين قطعة الفسيفساء الحكائيّة والأخرى، فالرّواية معنيّة بهذا الصّمت المدوّي في المفاصل، الفجوات، بين شظايا التّقارير نفسها، وشظايا ما يحكيه المَرضى في شذرات، ولعلّ ما يقابل العبارة المُشذّبة، للرّواية، في العمق، هو هذا الصّمت الآهِل والحافل بِدَويّ ما لم يحكى، ما يجدر فعلًا الإشارة إليه، وإصاخة السّمع إلى أزيزه الدّفين في صناديق المَرضى المخبأة تحت أسِرّتهم. كلّ هذا التّعدّد الفسيفسائيّ، يخرج بالرّواية مِن خطّيّتها التّقريريّة، والتّوثيقيّة، السّيكولوجيّة، إلى عموديّتها الفنّيّة، كعمل سرديّ تخييليّ، يَمّم بوجهه شطْر عالم المصحّات النّفسيّة، وهو عالم مُربك يعيد النّظر في المعادلة التّقليديّة للزّوج الميتافيزيقيّ: أين تبدأ الصّحّة، وأين ينتهي المَرض؟ والعكس! بصيغة أخرى، وهي بالأحرى: أين يبدأ العقلُ؟ وأين ينتهي الجنونُ؟ والعكس! وبخلاف ما سَبَق، تجدر الإشارة إلى أنّ الرّواية فازت بإجماع لجنة تحكيم جائزة “إيتالو كالفينو” لعام 2021، وجائزة “كامبييلو” للعمل الأوّل في عام 2022.